نور روح الله: مــن آداب التسبيحـات(*) مع الخامنئيّ: الإمام عليّ: ذروة الكمـال (*) أخلاقنا: المنافق مخادعٌ نفسه(*) مناسبة: رحمة الشهر الأصبّ عمـاد: 25 عاماً عملنا معاً عقائدنا: ما هو البداء؟ مفاتيح الحياة: آداب بناء الدار(*) قصة: لحظة لا تُنسى! مع الإمام الخامنئيّ: تقدّم النساء ببركة الزهراء (*) مع إمام زماننا: هل يعيش الإنسان قــرونــاً؟ (1)(*)

شهيد الدفاع عن المقدّســـات عباس شومان (حيدر علي)

نسرين إدريس قازان


خلال سنوات قصيرة، طوى عبّاسُ عمراً زاخراً بكلّ ما تحمله الحياة من معانٍ مختلفة: كالتديّن، والعلم والعمل، والعائلة والزواج والأبوّة، والجهاد. معانٍ أعطى لكلّ واحدة منها حقّها، فلم يقصّر في أمر بسبب آخر؛ فقد بنى حياته على توازنٍ مدروس، وحرص شديد على إجراء تقييم لكلّ عمل يقوم به، على الصعيد العمليّ والشخصيّ على حدّ سواء، وخصوصاً التفاصيل الصغيرة قبل الكبيرة. وهذا ما أرسى الاستقرار والهدوء في حياته.

أعمال كالواجبات
لم يغفل عبّاس عن نفسه طرفة عين، ولم يأمنها، ولهذا، كان دائم السعي إلى تهذيبها بالأعمال والمستحبّات التي واظب عليها بحرص، كقراءة زيارة وارث بعد صلاة الظهرَين، أو غُسل الجمعة، الذي شدّد على زوجته بضرورة تعليمه طفلَيه الصغيرَين، وإخبارهما أنّ هذا الغسل مخصّص ليوم الجمعة، وليس غُسلاً يوميّاً.

لمّا رجع من زيارته الأخيرة إلى إيران، لوحظ تأثّره الكبير بالسيّدة فاطمة المعصومة عليها السلام، وتشديده على ضرورة قراءة آية الكرسي وأداء تسبيحة السيّدة فاطمة عليها السلام  بعد كلّ صلاة، اللذين كان مواظباً عليهما، فلم يترك فرصةً إلّا وأوصى بهما.

محبّة الجميع
ساعدت البيئة الملتزمة التي نشأ عبّاس في كنفها على معرفة الأُسس الدينيّة، وفهمها منذ صغره. ونتيجةً لذلك، اتّخذ المسجد مستراحاً له ومتراساً، حيث بنى شخصيّةً متميّزةً، كانت أكبر من عمره بسنوات في وعيها لمختلف الأمور وإدراكها لها. ولأنّه شخص اجتماعيّ محبّ لمن حوله، ومع الصفات الحميدة التي يحملها، تحوّل إلى قُطبٍ اجتماعيّ في محيطه، وجعل المصارحة المدماك الأساس في علاقته مع الآخرين، كيف لا، وهو الرجل الودود، الذي لم يوفّر يوماً أيّ توجيه قد يؤثّر في تديّن أحد أصدقائه أو أقاربه إلّا وقاله بأسلوب لطيف، ولم يردعه خجل في الأمر بمعروفٍ أو نهيٍ عن منكر، خصوصاً في موضوع الغيبة. وكان لا يطرح فكرة إلّا بعد أن يحيط بها من كلّ جانب، حتّى لا يقع في أيّ ثغرة قد تضرُّ بأفكاره، وقد اعتمد في هذا الأمر، بعد الله عزّ وجلّ، على المحبّة التي أرساها في قلوب من حوله.

جدّ ومثابرة
قبل أن يُنهي المرحلة المتوسّطة في مدرسته، بدأ عبّاس بالتخطيط لعمله المقاوم، فالتحق بدايةً بالدورات الثقافيّة ليختصر على نفسه وقتاً، ما يساعده على الالتحاق مباشرةً بالدورات العسكريّة بمجرّد ترفّعه إلى المرحلة الثانويّة. واستطاع أن يوازن بين دراسته والدورات التي خضع لها، وظلّ كذلك حتّى بعد التحاقه بالجامعة. وعلى الرغم من الغياب الطويل الذي فرضته بعض الدورات عليه، إلّا أنّه كان يسارع إلى تعويض ما فاته من امتحانات.

عطاء بأشكال مختلفة
رسم عبّاس صورة العطاء إلى حدّ الإيثار بأشكال متنوّعة؛ فلم يقتصر عطاؤه على الأشياء الماديّة فحسب، والتي زهد فيها كثيراً؛ إذ كان يساعد ماليّاً رفاقه الذين تلمّس عندهم الحاجة، من دون أن يطلبوا منه ذلك؛ حفاظاً على ماء وجوههم، وإنّما وصل عطاؤه إلى حدّ مشاركة من يحبّ بمعلومة دينيّة، أو بذكرٍ روحيّ، شارحاً التفاصيل بدقّة عالية. ولكنّ أكثر ما كان يشدّد عليه، معدّاً إيّاه انطلاقة أساسيّة ومهمّة للسلوك الروحيّ؛ هو الصلاة في أوّل وقتها، والتي كانت وصيّته الدائمة والمتكرّرة.

وبعد زواجه، كان يعتني بالتربية الروحية لأسرته، فيلفت النظر إلى تفاصيل الحجاب الدقيقة، ونبرة الصوت، وكيفيّة المشي؛ إذ كان يرى أنّ للمرأة كياناً مقدّساً يجب الحفاظ عليه.

وعلى الرغم من كثرة انشغالاته وحاجته إلى الراحة، إلّا أنّه كان يتقاسم أوقاته الخاصّة بالجلوس مع الآخرين والاستماع إلى همومهم ومشاكلهم؛ فكان مستمعاً أميناً، وناصحاً حكيماً، لا يملّ من الحديث في سبيل الإقناع لما هو خير لأيّ شخص. في المقابل، لم يبثّ عبّاس يوماً شكواه إلى أحد؛ فلم يُعرف عنه شيء، ليس بسبب قدرته العالية على الكتمان؛ بل لأنّه وضع قاعدة في حياته، مفادها أنّ المشكلة التي يتعرّض إليها، يعالجها مباشرة. وقد ساعد عبّاس أخاه في إنشاء ورشة نجارة، وسرعان ما أتقن المهنة أثناء مساعدته أخيه. ولمّا كانت هذه فرصته الثمينة لسدّ العجز الماليّ، الذي عادةً ما يكابده الشباب، إلّا أنّه اغتنمها لخدمة الناس، فصار ينجز أعمالاً للمجاهدين وللفقراء بسعر الكلفة.

عمل مدروس
منذ فتوّته، كان الجهاد في سبيل الله هدفاً نصبه أمام عينيه، فضلاً عن الشهادة التي جعلها أمنيةً يتوق إلى تحقّقها، وهذا ما دأب على التصريح به بكلّ وضوح؛ وقد سعى إلى نيل أمنيته بكلّ ما أتاه الله من قوّة في البذل والعطاء والجهاد. ولم يكن الكدُّ في عمله الجهاديّ ليشغله عن دوره في الحياة، بل عاش حياته بكلّ ما فيها من فرحٍ وأمل وسعادة، ولكنّه علم كيف يُجيّر كلّ تفصيل صغير؛ ليصبَّ في مصلحةِ هدفه الأساسيّ.

وفي عمله الجهاديّ، كان العمل والتقييم صنوان؛ لا يخطو الخطوة الثانية قبل معرفة ثغرات ما قبلها، فيعمد إلى تطوير عمله بأساليب مختلفة. كانت لافتةً الأعمال الجهاديّة التي أوكلت إليه وهو في سنّ يافع، وهذا يدلّ على أنّه سبقَ زمنه بالكدِّ والسعي، اللذين تميّز بهما، فلا مكان للملل أو للتعب في قاموسه، كما لا اعتراف بالرتابة والمحدوديّة، فكلّ ما أراده في الحياة قد وصل إليه.

تميّز عبّاس بكتمانه الشديد لكلّ ما يتعلقّ بعمله الجهاديّ؛ فكان ذلك خطّاً أحمر يُمنع على أيّ أحد الاقتراب منه بأيّ سؤال أو استفسار، ولو كان من أفراد أسرته. حتّى الدورات العسكريّة التي خضع لها، وعلى تنوّعها وأهميّتها، فقد احتفظ بها لنفسه، فانعكست تطوّراً تدريجيّاً في عمله، ما أهّله لحمل الكثير من المسؤوليّات المهمّة والحسّاسة.

خبرات متراكمة
خلال سنوات قصيرة، تراكمت خبراته في العمل المقاوم، وتنوّعت مهامه؛ إذ شارك في الكثير من المهام الجهاديّة، منها في حرب تمّوز 2006م. وقد تميّز بالإقدام والشجاعة في المعارك، وهو ما كان يزرع الطمأنينة والاندفاع في نفوس الإخوة المجاهدين. وبعد التحاقه بحرب الدفاع عن المقدّسات، وجد أنّ مواجهة التكفيريّين تختلفُ كثيراً عن كلّ ما خاضه ضدّ الصهاينة؛ فبرز بأسه الشديد، وكان قد عرّض نفسه لخطر كبير في سبيل تخليص مجموعة من المجاهدين من كمين محكم.

إحدى الحسنيين
في زيارته الأخيرة إلى بيته، لم ينسَ عبّاس أحداً إلّا وزاره واطمأنّ عليه، كما حرص قبل عودته إلى الجبهة على أن يوقظ الجميع لتوديعهم.

كانت مهمّته الأخيرة تحرير مزارع ريما، والتي حُرّرت تباعاً. وخلال المعارك المستعرة عند أحد المحاور، دخل عبّاس ومجموعته منطقة الاشتباك مع التكفيريّين، وأوقعوا عدداً كبيراً منهم بين قتيل وجريح. صارت المزارع قاب قوسين أو أدنى، فتوجّه عبّاس بوجهه البريء الناضح بالبشرى، إلى آخر المحاور، حيث يجب أن يفتح ثغرة لدخول المجاهدين، نجح بذلك، وعبر إلى مكان آخر ليؤمّن طريقاً آخر لهم، لينفجر فيه شرك من الألغام، ويفوز بإحدى الحسنيَين؛ تلك الشهادة التي لطالما تمنّاها في صلاته ودعائه.

اسم الأمّ: عفيفة المذبوح.
محلّ الولادة وتاريخها: سرعين الفوقا 1/11/1985م.
الوضع الاجتماعيّ: متأهّل وله ولدان.
مكان الاستشهاد وتاريخه: مزارع ريما 13/3/2013م.

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليقاً جديداً

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع