منبر القادة: المنافقون مرضى القلوب مناسبة: أيّار ٢٠٠٠م: أيّامٌ لا تُنسى مناسبة: السيّد "ذو الفقار".. سيفك لن يُغمد آخر الكلام: سأقول لأحفادي... أوّل الكلام: الكيان العنصريّ "الكيان المؤقّت" وانهيار الداخل "بنو إسرائيل" بيــن التيـه والزوال مع الإمام الخامنئي: القرآن.. كتاب أُنسٍ وهداية نور روح الله: الرّحمة من تجليات البسملة مع إمام زماننا: أيّام الفرج السعيدة(*)

شهيد الدفاع عن المقدّسات يعقوب يوسف باجوق (سلمان)



نسرين إدريس قازان

 

شهيد الدفاع عن المقدّسات المجاهد يعقوب يوسف باجوق (سلمان)

اسم الأمّ: غادة شرّي.
محلّ الولادة وتاريخها: عيتا الشعب 27/9/1984م.
الوضع الاجتماعيّ: متأهّل وله ولدان.
مكان الاستشهاد وتاريخه: الجنوب 3/4/2019م.

 

وجاء أباه عِشاءً يُنبئه بالعمل الذي عُرض عليه في قناة المنار، بعد نجاحه في دورة للإعلاميّين. لم تسع الفرحة أباه، فليس مستغرباً على ابنه صاحب الوجه الجميل، والحديث المتّزن، والكلام اللبق، والصوت الهادئ، أن يُعرض عليه العمل التلفزيونيّ؛ لأنّه يملك مواصفات الإعلاميّ المثقّف والواعي.

ولكنّ عرض العمل لم يتوقّف عند هذا الحدّ، إذ أردف يعقوب أيضاً أنّه تمت الموافقة على طلبه في إحدى الوحدات الجهاديّة في المقاومة الإسلاميّة. "فانظر ماذا ترى؟"، سأل أباه الذي أجابه: "افعل ما تؤمر"، فضحكَ يعقوب، وأخبره أنّه لن يختار عن الجهاد بدلاً، وأنّ العمل الإعلاميّ سيبعده عن المتراس الذي لطالما سعى لأن يرابط فيه، واختصر مراده بجملة واحدة: "أنا أريد الآخرة وليس الدنيا".


أولى الكلمات
إنّه "سلمان" عيتا، الذي تشكّلت روحه الخمينيّة وهو في المهد صبيّاً. نطقَ أولى حروفه وهو يقبّل صورة الإمام الخمينيّ العظيم قدس سره، ويقول له: "جدّو"، وأوّل جملة علّمه إيّاها أبواه وهو طفل: "إلهي، ما عبدتك خوفاً من نارك، ولا طمعاً في جنّتك، بل وجدتك أهلاً للعبادة فعبدتك". وكان هذا أكسير عشقه طوال سنيّ حياته اللاحقة، فعبد الله حقّاً، وعمل أن تكون عبادته لائقةً، فزيّنها بالجهاد، فزيّنته بدورها بالشهادة.

لم تكن التربية الدينيّة التي تلقّاها، منفصلةً عن المعارف السياسيّة، لا بل كانت عينَ دينه، خصوصاً وأنّ والده، عمل لسنوات طويلة في السفارة الإيرانيّة، وكان له معارفُ كثرٌ، ما فتح أمام يعقوب الكثير من المنافذ لتشكيلِ وعيٍ سياسيّ مطعّم بالأصالة الخمينيّة. وعلى الرغم من صغر سنّه، فمن تعرّف عليه وجد نفسه أمام شخصيّة جمعت جيلَين؛ جيلَ الثمانينيّات الذي جُبل بالطهارة والطّيبة والعنفوان والصدق والأصالة، وجيلَ ما بعد التحرير، بكلّ ما فيه من نشوة النصر على أعتى عدوٍّ في العالم. وعندما كان في الصفِّ السادس، كتب في جريدة "السفير" موضوعاً صغيراً تحت عنوان: "الشيطان والسرطان بين أمريكا وإسرائيل"، والذي تحدّث فيه عن مجزرة قانا المروّعة في العام 1996م.

وعاد حزيناً
أمّا مجزرةُ قانا الثانية التي وقعت في حرب تمّوز 2006م، فلمْ يتسنّ له التعليق عليها، ذلك أنّه ومع بداية الحرب، ترك لأمّه في كتاب مفاتيح الجنان رسالة، أخبرها فيها أنّه ذاهب إلى العمل الجهاديّ، طالباً منها المسامحة. وبعد أن ودّع والده وأودعه الدعاء، انطلق إلى عيتا الشعب، قريته، ولم يعلم أحد عنه شيئاً طوال 43 يوماً؛ لأنّه لم يعد إلّا بعد انقضاء عشرة أيّام على انتهاء الحرب. وكانت تلك الفترة كفيلة أن تكوي قلب والدته بلظى القلق والانتظار والترقّب، فيما والده يهدّئ من روعها قائلاً: "لو استشهد لأبلغونا فوراً".

عاد يعقوب في ذلك اليوم، مغبّر الشعر، طويل الذقن، نحيلاً تكادُ عظامه تبرز، وحول رقبته وشاح كان قد مسح عليه آية الله الشيخ بهجت قدس سره، الذي تشرّف بلقائه قبل حرب تمّوز خلال زيارته إلى إيران، وكان هذا اللقاء بمنزلة بشرىً له؛ إذ إنّ فضيلته نظر إليه نظرات رحيمة جعلت قلبه يطمئن. وقد رافقه هذا الوشاح طوال فترة الحرب، التي نهشته بمخالب التعب، ولكن ما هدّ كيانه، أنّه لم يُرزق الشهادة، فعاش غصّة القلق من أن لا تُتاح له الفرصة مرّة ثانية.

طفلٌ مثاليّ
كان يعقوب في طفولته الطفل المثاليّ الذي تتمنّاه كلّ أمّ؛ مهذّب ولطيف وخجول، لا يذكر والداه أنّه سبّب لهما أيّة مشكلة يوماً، سواء في المدرسة، أو في الجامعة، لا بل وفي كلّ مراحل حياته؛ لأنّه كان بطبعه مسالماً، يشبهُ الماء، يترقرق في ساقيته بكلّ هدوء. وإن لم يُوفَّق لأمر، نظر إلى الخير في عدم التوفيق، وإن تيسّر له آخر، عمل على أن يكون على قدر هذا التيسير، فكان ذلك سبب نجاحه في مختلف الأمكنة التي وجد فيها.

وإذ حمل يعقوب الكثير من الصفات والمزايا، إلّا أنّ الميزة الغالبة، والتي زيّنت كلّ صفاته، هي اللطافة المفرطة؛ فلم يمرّ مرور الكرام في حياة أيّ أحد، وإن كان اللقاءُ عابراً، فما حملته روحه من جمالٍ، أشبهُ بشمسٍ مضيئة، تركت سناها من شدّة التأثّر، فتحوّل مع رحيله إلى دمعة حرّة.

شابٌّ ناجح
كان من المقرّر أن يسافر يعقوب بعد إنهائه الدراسة في الثانويّة العامّة، إلى الجمهوريّة الإسلاميّة الإيرانيّة لدراسة الطبّ، ولكنّ الله شاء أن يبقى في لبنان لدراسة هندسة الكومبيوتر، ومن ثمّ أكمل الدراسات العليا في العلوم الاجتماعيّة، وكان يحضّر نفسه للبدء بإعداد مشروع الدكتوراه. وعلى الرغم من سعيه للعمل في الحقل الإعلاميّ لنجاحه وتألّقه، إلّا أنّ شيئاً ما دفعه للعودة عن قراره، فالتحق بعمل أحاطه بالسرّيّة المطلقة، فلم يعرف عنه أحد شيئاً، سوى أنّه الناسكُ في عمله، المبدع والمؤثّر، الذي لا يتحدثُ بحديث إلّا ورصّعه بأحاديث أهل البيت عليهم السلام وأبيات الشعر. وبينما كان رقيقاً شفّافاً في حياته الشخصيّة، سخيّ الدمع حنوناً، كان في العمل الجهاديّ وتداً لا تزعزعه الرياح.

الغاية: رضى الله فقط
تزوّج يعقوب ورُزق بولدين، وحرص على تأدية دور الأبوّة بأبهى صورها، فلم يغفل عن زراعة الكثير من القيم الفاضلة في سلوك طفليه، وأهمّها الصدقة يوميّاً لتعجيل فرج صاحب الزمان عجل الله تعالى فرجه الشريف. أمّا علاقته بزوجته، فقد اتّسمت بالرفق والمحبّة والاحترام.

كان يعقوب بارّاً بوالديه، محبّاً لإخوته، مبادراً لمساعدة رفاقه، مؤثِراً على نفسه، مبتسماً دائماً، صاحب روح مرحة، لم يقضَّ مضجعه يوماً همّ ولا قلق، بل حملَ تسليماً لافتاً، وتوكّلاً عميقاً، لمسه كلّ من حوله. وإذا جمعنا من تعرّف عليهم في حياته وتعرّفوا عليه، لوجدنا أنّه كالقطب من الرحى، وإذا ما سمعنا أخباره، لوجدنا أنّ كلّ ما كان يقوم به، للقريب والبعيد على حدٍّ سواء، خالٍ من الأنا؛ لأنّه كان يبتغي فقط رضى الله.

صاحب روحيّة عالية
مع بدء حرب الدفاع عن المقدّسات في سوريا، بادر يعقوب إلى الالتحاق بالمحاور. وهناك، كان يصرُّ على الحضور في الخطوط المتقدّمة، حيث استشهد له رفاقٌ، وابن عمّ، وكان يتمنّى اللحاق بهم في أقرب وقت.

في جلساته، لا يفتأ يعقوب يذكر الموت وأموات الحاضرين، ولا ينطق كلاماً إلّا إذا كان لخير. فصاحب الروح الحسينيّة، اتّخذ منحىً جديداً أواخر أيّامه، وحدها الزاوية التي أعدّها للصلاة في إحدى زوايا بيته، تعرف ماذا كان يجري على سجّادة الصلاة تلك!

في آخر أسبوع له قبيل شهادته، واظب على تناول اللبن الرائب مع التمر فقط، وهو الحريص دوماً على تناول الوجبات الصحيّة، والمواظب على التمارين الرياضيّة، ولكنّ هذا الطعام المحبّب إليه، كان له أثرٌ معنويّ بالغ في نفسه، مضافاً إلى تأثير قراءته لكتب السير والسلوك خلال الفترة الأخيرة، والقيام ليلاً للتعبّد والتهجّد، فبدا واضحاً للعيان، ما ظهر على صفحات وجهه، من لمحات ملائكيّة يحيطها النور، وذلك لم يكن مبالغاً فيه، حتّى أنّ بعض الناس سألوه مباشرةً عن سرِّ هذا الجمال المستجدّ على جماله!

يقول صديقه الذي رافقه في رحلته الأخيرة إلى إيران في شهر رجب، إنّ يعقوب أحاطت به لطائف غريبة ولافتة في مسجد جمكران، بدءاً من طريقة مشيه، وصولاً إلى صلاته ودعائه وسجوده، وقد ختم زيارته بقول: "لقد نلت مرادي".

العشاء الأخير
في الليلة الأخيرة له، طلب من زوجته أن تنتظره وولديه على العشاء؛ لأنّه قد يكون العشاء العائليّ الأخير لهم سويّاً. استغربت زوجته قوله ذاك، ولكنّه كان يدركُ في قرارة نفسه أنّ ثمّة لقاء قريباً سيجمعه بأحبّائه من أهل البيت عليهم السلام والشهداء.

كان السابع والعشرون من شهر رجب يوم إجازته، ولكنّ اتّصالاً مفاجئاً من العمل جعله يقوم من مكانه فوراً ويتوجّه إلى تنفيذ ما طُلب منه، رافضاً تأجيله إلى الغد، مع أنّه مُنح يومين لذلك.

توجّه مع رفاقه المجاهدين إلى الجنوب، وكان هو من يقود بهدوئه المعهود. ولكن شاء الله تعالى أن يتعرّض لحادث سير وهو في طريقه، فاستشهد هو ورفيقه.

عروج معمّد بالدم
الكلُّ بكاهُ؛ من عرفه شخصيّاً أو من سمع عنه، وكثر تفاجؤوا عندما علموا أنّه أحد مجاهدي المقاومة الإسلاميّة؛ لأنّ كلّ ما عُرف عنه أنّه مدرسّ في مدرسة رسميّة، وقد فُجع الطلاب وزملاؤه به. أمّا أهله وعائلته ورفاقه في العمل، فقد ترك يعقوب في قلوبهم جرحاً ما فتأ ينزف الحنين إليه، وإلى صوته ودفء عينيه. وقد عرج إلى الله، عروجاً معمّداً بالدم.

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليقاً جديداً

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع