مع الخامنئي: الجهاد في حياة الإمام السجّاد عليه السلام (1) نور روح الله: المَلِكُ المعبود المستعان مع إمام زماننا: العدل في المدينــة المهدويّــة (*) أخلاقنا: الوسوسة العمليّة.. طاعة شيطانيّة(*) مجتمع: "سلام فرمانده" صرخة جيلٍ مهدويّ(1) مناسبة: ما زالت المُقاومة عزّنا: ومـحمّـد كَبُـــر حكايا الشهداء: "ذَهَبُ خلّة وردة" (2) تقرير: شباب مجتمع المقاومة (الملتقى الشبابيّ الأوّل) قرآنيات: تفسير سورة الهُمزة (*) آخر الكلام: مُرابط الصحراء(*)

شهيد الدفاع عن المقدّسات القائد علي محمّد عقيل (عبّاس) 

نسرين إدريس قازان
 

اسم الأمّ: نوار سفر.
محلّ الولادة وتاريخها: بدنايل 23/9/1981م.
الوضع الاجتماعيّ: متأهّل وله 3 أولاد.
رقم السجل: 342.
مكان الاستشهاد وتاريخه: القصير 25/5/2013م.

على أطراف مدينة القصير، رزحت الأرياف تحت قبضة المسلّحين، وقبض الرعب قلوب الناس الذين صادروا منها حتّى الأنفاس. وحده بائعُ الحليب ذاك الآتي إلى قرية "النهريّة"، حاملاً معه الخبز والدخان، كان يعرض بضاعته بابتسامة مطمئنة، يسأل الناس عن أحوالهم، يساعد بعضهم، يجلسُ عند امرأة عجوز تخبزُ على الصاج، فيأكل من خبزها الساخن، ويخفّف عنها مرارة الأيّام، ولمّا يُنهي عمله، يجلس مع المجموعات المسلّحة، يتحادثون ويشربون "المتّة"، وقد لفّ رأسه بوشاح مثلهم. لم يعرفوا اسمه، ولكن بعد تحرير الأرياف، عرفوا أنّه هو من كان يتسلّل ليستطلع الأخبار في كلّ مرّة!
 
* حصار ومعنويّات
حوصر "عليّ" لأكثر من شهر مع ثلاثة عشر شابّاً في قرية بعد تحريرها، بلا أيّ إمدادٍ سوى جهاز لاسلكيّ إرساله ضعيف، كان دائماً يقول عبره: "لا تقلقوا، نحن بخير، لن تسقط القرية، وسنعود سالمين بإذن الله". ثبتوا في أماكن بين الحقول، يأكلون ما تيسّر من طعام جلبوه معهم. وقبل سبعة أيّام من انسحابهم، انقطعوا من الخبز، إلى أن جاء الأمر بالانسحاب، على أن يلتقي بشبابٍ في نقطة محدّدة لمساعدتهم على العبور، بناءً على إشارة واضحة بينهم كي لا يشتبكوا معهم ظنّاً منهم أنّهم تكفيريّون، فمشى وخلفه المجاهدون في بساتين المشمش، وإذ بمسلّحَين اثنين يقفان أمامه ويسلّطان ضوء الولاعة على وجهه، فقتلهما مباشرة، وتحرّك بسرعة، معتمداً على إشارات يعطيها لمَن معه؛ ليعرفوا طريقهم، حتّى وصلوا إلى النقطة المحدّدة. وما إن تلقّى الإشارة، حتّى رفع يده لرفاقه مشيراً لهم بعدم إطلاق النار على القادمين. ضمّه رفاقُه إلى صدروهم مهنّئين إيّاه ومن معه بالسلامة، وعادوا إلى المركز بأمان. يومها طمأن الحاضرين بصلابة: "الحصار ليس مهمّاً، المهمّ أن لا تسقط القرى التي حرّرناها".

* قائد بحقّ
كان يتقن تحويل مشاهد الحصار الحرجة إلى مشهدٍ متفائل، ويخفّف عن الناس بالمزاح والمداعبة. هذه عادته في أغلب المواقف الصعبة، يستحضرُ النكات تحت الرصاص، ويسمع صوت سقوط القذائف كنغمةٍ تزيده حماسة. وكان في أوقات الاستراحة، يجلس بالقرب من رفاقه، وينشد لهم عتابا الجهاد الجميلة. وكان يُكثر من الحديث عن الشهادة، وروعة الجهاد، وجزيل الأجر، في لحظات اشتعالِ المعارك. لقد كان كلامه يشحذ الهمم، ويستبسل به من أراد وجه الله.

لم يشعر المجاهدون، الذين عاشوا معه، للحظة، أنّه قائدهم، إلّا في مواضع تحمّل العبء، فهو وإن تناوب معهم على الحراسة، تجده حاضراً مع كلّ واحد، فقد عوّد نفسه على قلّة النوم وكثرة العمل، وإن غفا، فبثيابه وحذائه وعتاده العسكريّ، سلاحه بالقرب منه. وقد اشتهر بذلك في المواقع كلّها، فتراه يتصدّى للمسؤوليّة بثقة عالية، وشجاعة لافتة، وإيمان عميق، لمسه من حوله بكلّ سكنة من سكناته في قلب الخطر. وقد عزّز قربه من الإخوة التعاون فيما بينهم، وأعطاهم دفعاً للتقدّم، وصادقهم، فعرف ما يختلج في نفوسهم من تعب وهمّ، وساعدهم وآزرهم، وكذا يكون القائد بحقّ، إنساناً والبقيّة تأتي.

* محبّ للعلم والمعرفة
انطلق إلى العمل بجدٍّ لصقل شخصيّته، وتثقيف نفسه والمثابرة على ذلك، فأولى أهميّة لروايات أهل البيت عليهم السلام، التي وضعها أساساً لكلّ عمل يُقدم عليه، وتصرُّف يقوم به. يحكي شيخ القرية الذي واكبه منذ صباه، أنّ "عليّاً" كان يجلس في زاوية محدّدة من المسجد، وبدا جليّاً منذ ذلك الوقت أنّ ما أراده من هذه الدنيا هو العلاقة مع الله، ولا شيء غير ذلك. ولمّا التحق بالدورات الثقافيّة بعد انتسابه إلى المقاومة، كان الشيخ يستمع إلى أجوبته الدقيقة، النابعة من فهم ما يقرأ، شارحاً المعلومة، ومضيفاً إليها ما لم يسمعه في الدرس، ففضوله وحبّه للمعرفة يدفعانه إلى تحصيل أكبر قدر ممكن من المعلومات للاستفادة منها، فيقرأ كثيراً، حتّى قال له يوماً صديقه في الجبهة: "يا زلمة بتضلّك تقرا؟! ما أفضى بالك!"، فأجابه: "إيه، القراية منيحة والعلم منيح".

"عليّ"، الشابّ الذي اختار طريق الجهاد باكراً، شارك في العديد من العمليّات والمهمّات الجهاديّة، أهمّها حرب تمّوز 2006م. وتطوّرت خبراته العسكريّة على مدار سنوات، وخضع للعديد من الدورات التخصّصيّة العالية المستوى، وبرع فيها، ما أهّله لتسلّم مسؤوليّات عمليّة، اجتهد في تنفيذها وتطويرها، فعمل في مجالات عدّة، وكان قنّاصاً بارعاً، ومدرّباً متمّيزاً، ولكن أكثر ما اهتمّ به هو بناء روحيّته الجهاديّة، التي انعكست على كلّ مَن عمل معه.

* لا وقت للراحة
لم تكن العودة إلى البيت من العمل متعباً، تعني بالنسبة إليه أنّ عليه الآن الراحة، بل هي فرصة لإكمال الأعمال التي يلزم نفسه بها لمساعدة أهله وإخوته، وما يحتاج إليه أهل الحيّ من مساعدة، وكذا الأمر في المنزل الزوجيّ. وهذه الهمّة للمساعدة نابعة من الحنان المفرط تُجاه الآخرين، والذي اشتهر به كثيراً، فأحبّه كلّ مَن تعرّف إليه، وكلّ مَن جلس معه، ولو مرّةً واحدة، وكان يجيد إرسال الرسائل المناسبة إلى قلوب مَن يجلس إليهم، من خلال معرفته السريعة بمجال اهتمامهم.

* السند والظلّ
كان "عليّ" خير ابن وأخ وزوج، وأجمل أب وأحنّهم على أولاده. وقد رُزق بعد استشهاده بطفلة أسمَوها "خولة" بناءً على طلبه. وكان أُنسه بقضاء الوقت بين أولاده، حتّى بدا واضحاً في زيارته الأخيرة لهم، تعلّقه الشديد بهم، كان يلتصق بهم، وكأنّه يريد اختصار سنوات لن يكون فيها معهم، بلحظات تمرّ مرّ السحاب.

مع أهله هو الجناح لإخوته، السند والظلّ، يتابع شؤونهم الاجتماعيّة والدينيّة، فيسألهم عن صلاتهم وصيامهم، ويحثّ إخوته الشباب على الجهاد. ولمّا كبر أخوه والتحق بالمجاهدين، صودف مرّة أنّه كان معه في مهمّة، فاستغرب تعامله الصارم معه، ولمّا التقيا في المنزل سأله عن ذلك، فأجابه: "إنّه العدل، إذا سألني صاحب الزمان عجل الله تعالى فرجه الشريف عن هذا الموقف، أكون عند حسن ظنّه، فأنا عاملتك كالآخرين، ولم أعاملك بقسوة".

* علامات الوداع
زيارته الأخيرة كانت لافتة، أنهى فيها الكثير من الأعمال، ولاحظ الجميع أنّ حديثه يتضمّن وصايا. أمّا دعاءا الحزين وكميل، اللذان كان مواظباً على قراءتهما، ففاضا بالحزن والنشيج بشكل لافت. ولمّا غاب، ومضت ثلاثة أيّام لم يتّصل خلالها بأخيه، عرف الأخير أنّ شيئاً ما حصل لـ"عليّ"؛ إذ كان طوال الفترة الماضية يتواصل معه ويسأله عن أحوال أهله وعائلته، ويوصيه بهم.

* "يا زهراء"
كانت معركة القصير صعبة جدّاً، اقتحم خلالها "عليّ" ومجموعته أوكار التكفيريّين بروح حسينيّة، وكان يخاطب أفراد مجموعته بما يعبّئ النفوس ويثبّت الأقدام، حتّى أصيب برصاصة قنصٍ أثناء الاشتباك، وسقط أمامهم وهو يلهج باسم الزهراء عليها السلام. ركضوا إليه، فطلب إليهم إكمال العمل، فهو في رمقه الأخير، يُستشهد، ولم يتمتم بشيء قبل أن تفيض روحه إلّا: "يا زهراء".

بكاه المجاهدون لمّا ارتفع أمامهم شهيداً. ثبتوا على وصيّته قبل كلّ نزال: "نحن ذاهبون إلى الشهادة". فأيّ زرع بذر في القلوب؟! وأيّ ذكرى سيبقى "عليٌّ" في العقول؟!

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليقاً جديداً

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع