مع إمام زماننا: وظائف المنتظـــرين(1)(*) مناسبة: آخيتك في الله مناسبات العدد أسبوع الأسرة: نماذج رائدة التربية على الحياء الحياء قيمة اجتماعيّة عندما ينعدم الحياء الحياء من الإيمان أول الكلام: عيد الله الأكبر مع الإمام الخامنئي: الإمام الخمينيّ صانع التحوّلات (*)

شهيد الدفاع عن المقدّسات حسّان يوسف نصّار (حيدر)



نسرين إدريس قازان


اسم الأمّ: فضّة حسين جميل.
محلّ الولادة وتاريخها: عيتا الشعب 25/5/1989م.
الوضع الاجتماعيّ: عازب.
رقم السجل: 68.
مكان الاستشهاد وتاريخه: عدرا 4/4/2014م.

 

كان من الصعب أن ينسى حسّان ذلك اليوم، فكان كلّما أغمض عينَيه تراءى له وجه العميل الغاضب وهو يلاحقه ورفيقه، وما أن أمسك بهما حتّى أخذ منهما حبَّتيِ المثلّجات ورماهما أرضاً، ثمّ سحب حزام بنطاله، وبدأ بضربهما، عندها صرخت عليه أمّ حسّان التي أخبرها أحد رفاقهما أن تدركهما، فلاذ هو ورفيقه بأذيال ثوبها باكيَين، ثمّ صرخ حسّان به: "بس إكبر بفرجيك". أمّا أمّه، فراحت تردُّ على تهديد العميل لها بسوقها إلى معتقل الخيام وتعذيبها بالكهرباء، بأنّها لا تخشاهُ، ولا تخاف المعتقل، لتعود من بعدها مع ابنها إلى المنزل.


* عندما تغلّب على خوفه
كان حسّان يدرك أنّ المعتقل مخيف، ولا شكَّ في أنّ أمّه تخافه، ولكن حسبها أنّها بقولها كسرت شوكة العمالة، وزرعت في قلب صغيرها بذرة شجاعة، وهي تخبره أنّه يجب ألا يخافهم أبداً، بل أن يخيفهم.

بعد أيّام قليلة، استطاع حسّان أن يبتكر أسلوباً لتعزيز شجاعته، من خلال تمثيل واقعهم؛ فمثّل ورفاقه مشاهد المقاومة والعدوّ، قسم منهم يلعب دور العدوّ الإسرائيليّ، والقسم الآخر دور المقاومين. كانت تلك اللعبة مسلّية لهم كثيراً، وكان حسّان يذيع البيانات كما يسمعها على التلفاز، مقلّداً الأصوات والموسيقى.

* يوم شهد الانتصار
في عيتا الشعب الملاصقة لشمال فلسطين المحتلّة، عاش حسّان طفولة لم يسمع فيها ولم يرَ إلا بطش الصهاينة وعملائهم، فذخّر ذلك روحه بالغضب، وكان يتمنّى لو أنّ مسرحه الطفوليّ ينقلبُ واقعاً، فتنطق أسلحتهم الخشبيّة بالرصاص، ويكون مثل أولئك الرجال الذين يراهم على الشاشة.

وعلى حين غرّة، انقلب كلّ شيء، في 25 أيّار، يوم ميلاده الحادي عشر، اندحر العدوّ الصهيونيّ من جنوب لبنان، ورأى حسّان بأمّ عينه انكساره وعملاءه. صار قلبه بحجم السماء سعادةً وغبطة، وتحيّر بين الركض والصراخ فرحاً، والصعود على الآليات المتروكة، واستقبال الوافدين إلى عيتا من أبنائها المبعدين.

* نقطة التحوّل
تنعّمت العائلة بسنوات الهدوء، فأمضى حسّان بعدها معظم وقته في اللعب مع إخوته، وكان شديد الحنان والرأفة بهم وبوالديه، فلا يكاد يسمع أنّ والده يريد القيام بشيء إلّا ويسارع لمساعدته. أمّا أمّه، فقد تعلّق قلبه بها كثيراً، وهي التي طالما رأت فيه شيئاً يشدّها إليه، فتأنس به وبهدوئه الغريب لفتى في مثل عمره، وبطاعته وبرّه بها.

وجدَ الوالدان في ابنهما الكثير من الصفات التي دفعتهما إلى التعويل عليه -بعد الله- عندما يكبر، فهو مجتهد في دراسته، وفتى ملتزم بدأ صلاته وصيامه منذ العاشرة من عمره، وسرعان ما التحق بكشّافة الإمام المهديّ عجل الله تعالى فرجه الشريف بعيد اندحار العدوّ، فظهرت الثقافة الدينيّة في حديثه، ووعيه لشؤون الدنيا. أمّا علاقته بالناس، فكانت مليئة بالمحبّة والمساعدة. ولكنّ هذا الأساس الصلب الذي وضعه حسّان لحياته، لم يكن من أجل تأمين عمل وبيت وأسرة، بل كان لأجل مسيرة اختارها لنفسه، منذ أن لاذ بأمّه صغيراً خائفاً، قرّر أن يكون مقداماً شجاعاً.

* "أنا ذاهب إلى الشباب"
في 12 تمّوز من العام 2006م، كان والده وأخوه يعملان في أحد المنازل القريبة من القرية، عندما سمعا صوت قصفٍ قريب. انتظرا قليلاً ريثما تهدأ الأمور ليعودا إلى المنزل، لكنّ ما حصل أنّ القصف تفاقم، ثمّ تدخّل الطيران، فعادا بين القذائف إلى المنزل. كان حسّان مع أمّه على الشرفة. وقفوا جميعاً يراقبون بحذر، ولمّا استشعر حسّان أن الردّ الإسرائيليّ على أسر جنديّين سيتطوّر أكثر، قال من فوره لوالديه: "أنا ذاهب إلى الشباب". هي آخر جملة نطق بها طيلة 33 يوماً، لم يعرفوا خلالها أيّ شيء عنه، سوى أنّه صمد مع ثلّة من الرجال، وكتبوا ملحمة عيتا الشعب التي كسرت العدوّ الإسرائيليّ في تمّوز.

* يوم اتّخذ القرار
عاش حسّان، ابن السبعة عشر عاماً، الجوع والعطش والحصار، ولكن كيف لمن عايش الاحتلال أن يفكّر في العودة؟ فأظهر الشجاعة والبسالة والصمود والصبر، وقد كتب الله له النجاة ورفيقه من تحت ردم منزل سقط عليها على إثر صاروخ محاذٍ لهما، وقد أصيب في ذقنه، فعالجه بنفسه ميدانيّاً وأكمل القتال.

عندما رأته أمّه بعد هذه الحرب، لم ترَ في عينَيه إلّا حسرة البقاء، وتذكُّر الرفاق الذين قضوا، فأدركت أنّ الحرب لم تكن إلّا بداية جديدة اختارها لنفسه. التحق حسان بالدورات العسكريّة والثقافيّة، وشارك في الكثير من المهمّات الجهاديّة، وصار غيابه طبيعيّاً، لكن لم يستطع أحد من أهله الاعتياد عليه، فهو الذي يملأ البيت مرحاً وحياةً.

* بيت لن يسكنه
بدأ حسّان بتشييد منزله الخاصّ. وكثيراً ما ردّد أمام والده أنّه يشيّد منزلاً لن يسكنه، فينقبض قلب الأب لسماع ذلك، ويتمنّى لو أنّ الأيّام تطوى حتّى يراه عريساً، ترشّ أمّه عليه الورد والأرزّ. وكم فرح والداه عندما علما أنّه تعرّف إلى فتاة قرّر خطبتها، ولكنّه كان يؤجّل هذه الخطوة دائماً؛ لأنّها تزامنت مع بدء حرب الدفاع عن المقدّسات، التي كان من أوائل المشاركين فيها.

* الثبات الحسينيّ
خاض حسّان العديد من المواجهات مع التكفيريّين، في الكثير من المناطق. وكان الدفاع عن مقام العقيلة زينب عليها السلام من أقدس أماكن الجهاد بالنسبة إليه. كان يستشعر هناك رحمة إلهيّة خاصّة، ويعيشُ حالة الاختيار الحسينيّ، وكأنّه بعد هذه السنوات كلّها، لمس أنّ يزيد (لعنة الله عليه)، لا يزال يرتع حقداً، وبعض الناس يبايعونه، ولكن هيهات أن يُقتل الإمام الحسين عليه السلام ثانيةً أو تُسبى زينب عليها السلام مرّتين؛ فمن يحمل السلاح تخرّج من مدرسة "يا ليتنا كنّا معكم".

أصيب حسّان في معركة القصير، إصابةً لم تثنه عن متابعة القتال، فالحرب كانت تحتاج إلى كلّ مجاهد يتد في الأرض قدماً، وإلى كلّ طلقة رصاص، وحسّان، بكلّ ما علّمته عيتا طوال 33 يوماً، برز إلى مضجعه بقلب هادئ ونفس مطمئنة.

* كرائحة المسك
قبل انطلاقه في مهمّته الأخيرة، زار الأقارب كلّهم، تفقّد الرفاق، ودّع حبّات التراب، ألقى ببصره إلى منزله الذي صار جاهزاً، ودّع عروسه التي تنتظره، وأمّه التي هيّأت الورد له.

أثناء اقتحام منطقة عدرا، سقطت قذيفة بالقرب منه، فارتقى شهيداً، وعاد إلى عيتا عريساً، زفّته أمّه بالزغاريد، ورشّت الورود على جثمانه، وكيف لا يُغمر بالورد، من كان في الدنيا كرائحة المسك يفوح بين الناس فيحيي القلوب؟!

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليقاً جديداً

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع