قصة: عند التقاطع مناسبات العدد رثاء: الصوت المقاوم في ذمّة الله مقابلة: في رحاب وليد الكعبة عليه السلام الإعلام الحربي: ذاكرة المقاومة العدسة بعبق الشهادة الإعلام المقاوم: المفهوم والتأسيس مع الإمام الخامنئي: الزهراء نموذج المرأة المسلمة(*) نور روح الله: أدبُ الإخلاص في العبادة (2) مع إمام زماننا: شروط الانتظار الحقيقيّ(١)(*)

شهيد الدفاع عن المقدّسات محمود محمّد حايك

نسرين إدريس قازان


 
شهيد الدفاع عن المقدّسات محمود محمّد حايك (بهاء)
اسم الأمّ: سكنة عبد الله ياسين.
محلّ الولادة وتاريخها: عدشيت الشقيف 15/9/1977م.
الوضع الاجتماعيّ: متأهّل وله 3 أولاد.
رقم السجل: 47.
مكان الاستشهاد وتاريخه: مليحة- سوريا 26/5/2014م.


كيف يمكن أن أكون جنديّاً في جيش الإمام المهديّ عجل الله تعالى فرجه الشريف، ما لم أكن ممهّداً مخلصاً؟ وكيف أكون ممهّداً ما لم أبادر إلى بناء روحيّتي وإلى تذخير بنيتي الجسديّة بكلّ ما يتطلّبه القتال من مهارات؟ أن تكون ممهّداً، يعني أن تصنع حياة، أن تتذوّق حلاوة الغربة ومرارتها، أن تعيش بعيداً عمّن تسكن قلوبهم، وأن تهب كلّ عمل تقوم به، ولو كان شخصيّاً، لوجه الله، فتصير كُلّك لوجه الله، وأن تسأل الله دوماً من فضله: "اللهم إنّي أسألك من بهائك بأبهاه، وكلّ بهائك بهيّ..."(1).

•"الشيخ" محمود
كان هذا منطلق محمود حايك في الحياة، تلك الحياة التي لم يرَها إلّا متراس جهاد؛ فَهمُ التكليف عنده أهمّ من أدائه؛ لأنّ الأداء غير الواعي قد يوصل إلى نتيجة خاطئة، فتتحوّل خطوة التمهيد إلى تراجع نحو الوراء، وهذا ما لم يكن يقبل به بتاتاً.

"الشيخ" محمود، اللقب الذي ناله على صغر سنّه، على الرغم من عدم ارتياده الحوزة الدينيّة، وذلك لاهتمامه منذ نشأته وحتّى آخر ساعات حياته، بالتفاصيل العباديّة لمن حوله كاهتمامه بها لنفسه، وكأنّه سيُسأل عنها يوم القيامة، فهو منذ أن دخل المسجد بعمر الثماني سنوات، مع أخيه الشيخ عليّ، توأم روحه، أخذ الاثنان على عاتقهما تعلّم بعض الأحكام الشرعيّة وتعليمها للآخرين، وكان محمود يلفت النظر إلى الحكم بهدوء ورويّة؛ فمن الأخطاء في الصلاة، إلى احترام التقليد، والالتزام بالضوابط الشرعيّة، وكلّ ما هنالك من مسائل محلّ ابتلاء للناس، فضلاً عن مسائل الزهد والتواضع، ومشاركة الآخرين كلّ ما يسعدهم ويحزنهم، ومجالسة المجاهدين كأبناءٍ له، وإن كانوا متقاربين معه في السنّ، فكأنّه كتلة من المحبّة تمشي على قدمين.

•الدرس والوضوء الأخير
درسه الأخير في الجبهة كان عن الوضوء. استغرق حينها وقتاً طويلاً وهو يزيل حاجباً عن يديه ليتوضّأ، فيما يتحدّث مع المجاهدين عن أهميّة الوضوء، وكيفيّته، وضرورة الالتفات إلى بعض الأمور المتعلّقة به، ولم يكن الأمر يقتصرُ بطيّات حديثه على سكب الماء فوق الأعضاء، بقدر ما ظهر شيء ما غيبيّ في حديثه، فهو لم يكن ليخطو خطوةً بلا وضوء، فكيف إن كان يتهيّأ للقتال؟! أوَليست اليدُ التي تتوضّأ وتُقاتل لا تهزم؟!

•القائد القدوة
كان لمحمود صوت رخيم، لطالما كان يصدحُ بقراءة القرآن والمجالس الحسينيّة، وكانت نبرته تهزّ جذع القلب، فتأنس أمّه بما يتناهى إلى سمعها من منزله الزوجيّ الذي يعلو منزلها، فملأ حياة أهله حضوراً وأصداء مراثٍ علقت في الوجدان.

أسّس ورفاقه في سنّ مبكّرة فوج الإمام العسكريّ عليه السلام في قريته "عدشيت"، وكان يرى فيه محمود الباب الذي منه يؤتى غدُ المجاهدين، ولمس أقرانه حكمته في التعامل، ونظرته الثاقبة إلى الأمور؛ ولذا تمّ اختياره ليقود فرقة الأشبال، لما تحويه من فئة عمريّة بالغة الحسّاسيّة، تحتاجُ إلى من يفهمها ويضبطُ مزاجيّتها، فكان محمود لهم القائد والقدوة، فنهلوا من منطق حديثه، ومن أسلوب تعامله، ما يعينهم على الحياة. لقد كان ملجأ همومهم، وأستاذهم، ومدرّبهم، وقائدهم العطوف الذي يترك كلّ شيء حتّى لا يتأخّر عن موعده معهم، وكان يدفع من ماله الخاصّ لدعم أنشطتهم، وقد التقى ببعضهم في سوح الجهاد بعد طيّ السنين.

•ليس كغيره
بدأت السنوات تتوالى، إلى أن كبر محمود، وصار مدرّباً للكاراتيه، وسبّاحاً ماهراً، ومجاهداً لا تزال أمّه تلمح ظلّه وهو يأخذ حقيبته من تحت شجرة التين، فيما ينظر إليها متبسّماً في أوّل غياب له، ملوّحاً لها لتدعو له، بينما قلب والده المشتاق يشي بالكثير من الأمور المبهمة، التي صارت تتكشّف يوماً بعد آخر، وتؤكّد أنّ محموداً ليس كغيره من الرجال، كما لم يكن كغيره من الأطفال؛ فقد كُسرت يده في عمر التاسعة وخضع للعلاج من دون أن يصدر صوتاً لشدّة تحمّله للوجع، وفي حرب نيسان من العام 1996م، التحق صغيراً بالمجاهدين ليساعدهم، تاركاً أهله النازحين إلى إحدى المناطق الآمنة.

•الودود المحبّ
بين الناس هو الودود المحبّ، الذي يسعى إلى إحلال الوفاق بينهم، وهو المتجاوز الذي لم توقفه كلمة أو موقف، وإذ كانت غيباته تطول، فإنّه ما إن يخطو داخل القرية حتّى يبدأ بالسلام والكلام والاطمئنان، وكأنّ طريقه تنتقل من بيت إلى بيت.

هو الخال والعمّ الذي يركض إليه الأولاد ليلاعبهم، والأب الحنون الحاني، والابن البارّ المساعد، والأخ العضد، ذلك كلّه تجلّى واضحاً في حياته التي تغيّرت على حين غرّة، حينما اضطرّ لينتقل إلى بيروت، لتتحوّل كلّ الجلسات والمحادثات العائليّة إلى أحاديث مطوّلة على الهاتف.

•"يا زهراء"
بعد سنوات من المشاركات الجهاديّة والمهمّات، والتي كان من أبرزها عمليّة الأسر في تمّوز الـ2006م، تبلورت الكثير من الأمور في ذهنه، ما زاده ثقةً وذكاءً وهمّة.

وعندما بدأت حرب الدفاع عن المقدّسات، عرف محمود أنّ نهاية الظلّ قد قربت، فانطلق ذات يوم يعدو حرّاً في شوارع منطقة "المليحة"، في هجوم مباشر ضدّ التكفيريّين، وكعادته كان في المقدّمة على الرغم من غزارة الرصاص، ولكن ما إن نادى بأعلى صوته: "يا زهراء.."، حتّى جاءه الجواب مؤذناً باللقاء.. وكان الرحيل!

•عند ذلك القبر
لم يعد الشوق يشدُّ على قلب أبيه، ولم تعد أمّه تعدّ الأيّام لتراه، وصار رنين الهاتف في ذلك المنزل خافتاً، فالمتّصل لن يكون هو. أمّا الآن، فقد صار الغروب مؤنساً في تلك الجبّانة عند ذلك القبر المحفور عليه اسمه، ومع دخان البخور تمتمات: "اللهم إنّي أسألك ببهائك كلّه..".

لم يكن محمود ليخطو خطوةً بلا وضوء، فكيف إن كان يتهيّأ للقتال؟! أوَليست اليدُ التي تتوضّأ وتُقاتل لا تهزم؟!
 

1.من دعاء البهاء الذي يُقرأ في أسحار شهر رمضان المبارك.

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليقاً جديداً

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع