منبر القادة: المنافقون مرضى القلوب مناسبة: أيّار ٢٠٠٠م: أيّامٌ لا تُنسى مناسبة: السيّد "ذو الفقار".. سيفك لن يُغمد آخر الكلام: سأقول لأحفادي... أوّل الكلام: الكيان العنصريّ "الكيان المؤقّت" وانهيار الداخل "بنو إسرائيل" بيــن التيـه والزوال مع الإمام الخامنئي: القرآن.. كتاب أُنسٍ وهداية نور روح الله: الرّحمة من تجليات البسملة مع إمام زماننا: أيّام الفرج السعيدة(*)

سمير وإخوانه، قلاع صمودٍ

في ذكرى تحرير الأسرى، شقيق عميدهم بسام القنطار لـ"بقية الله": "إِن سمير وإخوانه، قلاع صمودٍ، حوَّلت سجونها إلى مدارس جهادية".

حوار: ولاء إبراهيم حمود


ثلاثون عاماً! كَبُرَ رقمٌ "تحرَّر" من روزنامة الانتظار الطويل وعمر الاعتقال "الجليل"! ثلاثون عاماً، كيف مضت بلياليها ونهاراتها على سمير القنطار هناك ووالدته هنا؟ ماذا تراه يفعل الآن، سمير الجهاد المبكر، والمقاومة القديمة؟ سؤالٌ طرحته على نفسي على وقع زخات المطر ليلاً وأنا أعِدُّ حواري هذا. ترى، كم مرةً طرحته والدته مع دموعها؟ كم مرةً جمعته شقيقته الراحلة من أعماق وادي الذاكرة؟ ومن بقوا... كيف تعاطوا مع البحث عن إجابته؟ وسمير، كم مرةً رمق ضوء الشفق الشجاع المتسلِّل إليه من جبال لبنان الحبيب إلى مكان إقامته في عسقلان أو هداريم أو نفحة أو سواها من أماكن التعذيب التي أعدت له وللمجاهدين أمثاله؟ وكم مرة تساءل مثلي وعلى وقع زخات المطر الفلسطيني الذي يقاسمه اعتقاله: "ماذا تراها تفعل، هذه الصابرة المقيمة على ضفاف الانتظار؟ ماذا تفعل أمي الآن"؟ سمير القنطار عليك وعلى إخوانك ينطبق وصف محمود درويش "وطني، يعلمني صريرُ سلاسلي عنف النسور ورقة المتفائل". ستعود إلينا نسراً... محلِّقاً... متفائلاً... وهذا حواري مع أخيك جولةً صغيرة في عُلوِّ فضاءاتك، فاقبله تحية مع تحيته إليك "آه! ما أقسى الجدار.. عندما ينهض في وجه الشروق.. ربما نقضي العمر، كي نثقب ثغرة، ليمرَّ النور للأجيال مرة... ربما لو لم يكن هنا الجدار... ما عرفنا قيمة الضوء الطليق"(1)... وأنت سمير الضياء يا مقاومنا العتيق.

* لنبدأ الحكاية من أولها.. كم كان عمرك عندما اعتقل سمير؟ كم كان عمره؟ وما الذي ألقاه هناك بين فكّي الذئب الإسرائيلي الغادر؟
سنة وثلاثة شهور، كان عمري عندما اعتقل سمير في 22- 4-1979 إثر قيادته عملية استشهادية بامتياز في مستوطنة نهاريا، كان عمره ست عشرة سنة.

* تحت أي تأثير بدأ سمير مقاومته باكراً؟ وما هي ظروف تلك العملية التي تصفها ب"استشهادية"؟
انخرط سمير في العمل المقاوم في عمر 13 سنة، بتأثير ذاتي صرف، دون أي تعبئة إيديولوجية. فالوالدة تتذكر أنه كان يكتب تحت صورته منذ صغره "الشهيد سمير القنطار". إذاً، كانت قناعة ثابتة ورغبة جامحة في أعماقه. وما لا يعرفه الكثيرون، أنه قد أُرسِل بتاريخ 2- 1- 1978 عن طريق الأردن باسم مستعار بعملية ضد العدو الصهيوني، فاعتقلته مخابرات السلطات الأردنية وزجَّته مدة تسعة شهور في سجن العبدلي، المعد للمناضلين الفلسطينيين بعد أيلول الأسود، ليعود بعد إطلاق سراحه إلى التدرّب على عمليته الشهيرة، التي لم ينجُ منها إلا بتقديرٍ ربَّاني إلهي، فقد نزف كمّاً هائلاً من دمه، بعد أن مزَّقت جسمه سبع رصاصات، عندما سقط مع رفاقه في كمين قبالة الشاطئ، ليدخل في اعتقال الثلاثين سنة، حيث يقيم الآن منذ أربع سنوات في سجن هداريم، حيث عرفت سجون كثيرة مواجهاته لهراواتهم وقنابلهم الغازية ولؤمهم الأصيل فيهم... ليفتح على حسابه جبهة مقاومة تخرَّج منها برتبة عميدٍ، عنيد، ومثقف، صلب... مقاوم.

* وكيف مضت بكم الحياة طيلة هذه العقود الثلاثة في غيبته؟
لقد عانت عائلتنا كثيراً في غيابه، فقد هُجِّرنا من بيتنا الذي احترق بنيران الحرب الأهلية. وبعد سنين طويلة من الغربة، عاد أبي ليستقر، فتوفيت أختي الشابة عن 22 سنة، حسرةً على سمير. وفي الاجتياح الإسرائيلي عام 82 توفي والدي بذبحة قلبية. وقد ضاعفت هذه الأحداث آلامنا وآلام سمير فقال: "لم أندم على ما فعلته رغم إحساسي الفاجع بعدم وجودي مع عائلتي في اللحظات الحرجة".

* هل استطعت أن ترسم في وجدانك صورة الإنسان في سمير؟ وأن تتجاوز حدود المكان والزمان في علاقة أخوية من خلف القضبان؟
لقد استطعنا معاً وعبر الرسالة والصورة، ومن خلال المحامين، أن ننشئ علاقةً حميمة عبر خيط أثيري. كنت أستشف أبعاده من بعض المحرَّرين الذين شاركوه الزنزانة، في محاولة خلق مساحة افتراضية حوله، تخفف عني وعنه صدمة اللقاء بين شقيقين لم يلتقيا من قبل. على أي حال، سمير مدهشٌ فيما وصلني عنه من الشباب، لا فيما يكتبه هو عن نفسه، فهو يربط كل أحاديثه بالسياسة.

* حسناً، من رسائله ومن أحاديث "الشباب" عنه، كيف تقدم لقراء مجلتنا ملامح شخصية سمير القنطار بعد اعتقال ثلاثين سنة؟
في رسائله، يتحدث عن مظلومية الاعتقال بصيغة الجمع لا بصيغة الأنا... وهذا يؤشِّر إلى قدرته على اختراق قانون الزنزانة الإفرادية... حيث يبدو محاطاً لا وحيداً. وفي أخبار محاميه، أنه نقيب الأسرى، ممثلهم لدى إدارة السجن بالإجماع الكامل، لما يملكه من قدرات لغوية (العبرية) وجرأة، تساعده على التفاوض مع إدارة السجن، بعد أن يكون قد أحصى في نهاره من خمسين إلى سبعين حالة بين أربعمئة أسير.. هذا لم يرَ والدته منذ ستة أشهر... وذاك منذ سنة... وآخر مريض يحتاج علاجاً... وهو منذ استيقاظه صباحاً يجول بينهم بقلم ودفتر لا يفارقانه، وكثيراً ما يدخل محاميه إليه ويعود ليخبرني أنه (منشغل)، وهذا يؤشر إلى أن سمير أسَّس في سجنه عالماً مميزاً يضي‏ء عتم الزنزانة ولا ينحصر في شكَّ الخرز أو غير ذلك...
ومن الشباب وصلتنا أحاديث مطوَّلة عن إصراره على الدراسة وعلى تحقيقه ما يريد من إدارة السجن، فقد فرض عليها الاحتفال العام بنجاحه لمدة ساعتين، بعد أن حجبت عنه الإدارة نتيجته ناجحاً في إجازة العلوم الاجتماعية مع تهنئة من مدير الجامعة. لقد كان انتصاراً تربوياً، جعل السجناء جميعهم يغنون، ويعزفون على الطناجر ويدبكون رغم أنف السجان.

* ما هو أجمل ما استوقفك في أحاديث "الشباب" عنه؟ وبمَ تصفه بعد كل هذا العناء البالغ من العمر ثلاثين سنة؟
بعيداً عن رابطة الدم الحار بيننا، سمير بنظري مناضلٌ استثنائي استطاع الحفاظ على شبابه، كأنه حتى اللحظة ابن الستة عشرة سنة التي دخل بها المعتقل. لقد أصبح الآن في الخامسة والأربعين من عمره ولا توجد في رأسه شعرة شيبٍ واحدة. لقد قهر حتى قانون الزمن مقاوماً نفسياً كل عوامل التعفن والطمس التي حاربه بها سجانه. وأجمل ما وصلني، أنه يعتبر الساحة الخارجية التي يلتقي فيها الأسرى مكاناً عاماً، لا يخرج إليها إلا بثيابه الكاملة الأنيقة لا باللباس الرياضي الذي يرتديه الأسرى... وهو لا يسعى بهذا إلى التميز عن شركاء القيد، لكنه رسالة لسجَّانه مفادها: "إنك لا تستطيع أن تعتقل شموخي، أو تقهر ما في داخلي من تفاعلاتٍ إنسانية". وفي وصفه أسْتعملُ أحبّ وصفٍ إلى قلبه، عندما قال عنه سماحة السيد حسن نصر الله "سمير القنطار، المقاوم القديم" قاصداً بذلك الأصالة والريادة والثبات في الفعل الجهادي. وسمير يفتخر بهذا الوصف لأنه يجمع جمالياتٍ لا حدَّ لها... ويستوقفني كثيراً تحديه الصهاينة في لغتهم حيث فاز بامتحان الدخول إلى جامعة "إسرائيل" المفتوحة التي لم يُسمح له بالانتساب لسواها... وحصوله في بحثه للماجستير على درجة 75 بالمئة عن موضوع "تناقض الأمن والديموقراطية في الكيان الصهيوني"، حيث فنَّد مقولة إن "إسرائيل" هي الديموقراطية الوحيدة في الصحراء العربية، بمراجع إسرائيلية.

* في علاقاته الإنسانية، هل تواصل مع إحدى الأمهات الفلسطينيات، بانتظار لقائه بأمه الحقيقية؟
نعم، أم جبر وشاح، رائدة مشروع الأمهات الفلسطينيات لتبنّي الأسرى اللبنانيين وسواهم (أسرى الدوريات) هي أمه الثانية. وما زالت بعد تَحرُّر ابنها منذ تسع سنوات تعتصم مع الأمهات أمام لجنة الصليب الأحمر في غزة... إنها سيدة جليلة، تحمل له من خيرات فلسطين كل ما يحتاجه، وفاءاً وعرفاناً. زارتنا في لبنان وحدَّثتنا عن إرادته القوية وصلابته... وفي زيارتها الأخيرة له قبل أن يمنعها الصهاينة، جالسته ساعة ونصفاً زيادة عن ربع الساعة المسموح بها. لأن السجان دخل قبل دقيقتين إلى الغرفة، فرمقه سمير بنظرةٍ حادةٍ، جعلته لا يجرؤ على اقتحام الغرفة ثانية، حتى أنهى سمير ما يريد قوله لها... وفي هذا مؤشر إلى أنه فرض احترامه وهيبته على سجانه رغم قدرة هذا الأخير على معاقبته. إن سمير وإخوانه كانوا قلاع صمود وحولوا سجونهم إلى مدارس نضالية، ألفباؤها الأولى أن تعدّ إدارة هذه السجون للعشرة قبل أن تفكر بكسر هيبة الأسرى التي فرضتها سنوات الصبر والمواجهات المريرة التي عملت هذه الأم ومثيلاتها على تخفيف وطأتها... فتعاملن مع أسرانا كأنهم أبناؤهن...

* بمعزل عن سياسة الاعتقال ما هي أصداء قضية الأسرى لبنانياً، عربياً، وخاصةً قضية سمير؟
لقد صنعت صرخات أسرانا في سجونهم أصداء قضيتهم(2)، فسمير عبّر عن فاجعة موت أسير محرر في حادث في إحدى رسائله: "أنا لم أتعرَّف عليك، لكنني أعرفك جيداً، منذ اللحظة التي أرادوا فيها إطفاء جذوة الأفق في عينيك، فقصتنا واحدة، كتبناها على نفس الجدران، هي قصة سلب النظرات واحتجاب الشمس والعذاب والدموع والشقاء". إن تضامنهم فيما بينهم انعكس على مختلف شرائح المجتمع اللبناني. حتى في ظل هذا الانقسام السياسي الحاد وفي ظل استهداف المقاومة، أتعرَّض لمواقف محرجة، كأن يرفض سائق التاكسي أخذ أُجرته بمجرد أن يعرفني شقيقاً لسمير القنطار، فيطول بيننا الجدال أو تحسم لأجل سمير فاتورة البريد المرسل إليه... حتى الوحدة العربية تحققت في السجون الإسرائيلية بين الأسرى العرب أكثر مما هي في خارجها حيث أهداني أسير عراقي لوحة جميلة جداً للمسجد الأقصى وسط الأعلام الثلاثة اللبناني الفلسطيني العراقي.

* بمَ شعرتم كعائلة عندما تحرر الأسرى في 27- 1- 2003؟ بمَ صرح سمير؟ وهل تعتقدون أن حظكم في اللقاء بات قريباً؟
شعرنا بفرح لا يوصف، كنا نعانق سميراً في كل محررٍ عانقناه. وقد أظهر سمير ثقته بوعد سماحة الأمين العام وقدرة المقاومة على تحريره ورفاقه بالفعل بعد أن حققت هذا الأمر بالقوة. وقد هنأ سمير عوائل الأسرى المحررين. وهذا سقفٌ عالٍ لمعنوياته بعد أن أعلن استعداده للصبر مئة عام أخرى. وسقف معنوياتنا كعائلة سمير القنطار لن يقل عنه ارتفاعاً، بل نثق بأن عودتهم قريبة(3)، بمن فيهم أسرى الوعد الصادق، فالمقاومة قادرة على صنع حرية أبنائها.

* إلى أين ستأخذ سمير حريته؟ إلى استراحة المقاوم القديم في ظل أسرةٍ تنتظره وأخرى تنتظر تأسيسها؟ وماذا عن تلك اللحظة؟ لحظة اللقاء؟
لن يخرج سمير إلى الراحة والسكون إلى أسرته. نعم، إلى أخرى يؤسِّسها؟ طبعاً بإذن الله، لكن حريته بابٌ سيفتح له كي يضع نفسه في خدمة وطنه ومقاومته. هذا ما تؤكده إجابته الثابتة للضباط الصهاينة، إثر كل عملية تبادل: "ماذا ستفعل أنت بعد خروجك"؟ "أنا لبناني، سأرجع إلى بلدي، وفي اللحظة التي ستفكرون فيها بالاقتراب من لبنان، سأكون أنا على الحدود". وهو يعلن أنه يعدُّ نفسه ليكون في خدمة المقاومة. أما لحظة اللقاء بيني وبينه فستنجح حتماً في وصل ما انقطع، لكنها لن تكون كافيةً... لذلك أتركها لعفويتها دون التفكير فيها، كي لا أفسد رونقها بين دقائق الانتظار.
سمير القنطار حتى تلك اللحظة الخالدة لبنان المقاوم كله يُقاسم عائلتك مجد الانتظار، تحت ظلِّ مقاومةٍ ستستعيد حتماً أبطالها الصامدين قرب جدار الحرية، هناك وأنت عميد هؤلاء... ونحن جميعاً هنا ننتظرك على موعدٍ مع فرح، واللقاء قريب بإذن الله.


(1) الشاعر المصري أمل دنقل.
(2) ترفض إسرائيل وحليفتها أميركا أن تدرج كلمة أسرى أو أي إشارة إلى قضيتهم في أي مؤتمر دولي أو مفاوضات للسلام، كي تخفي عن العالم كله عدالة قضيتهم.
(3) الأسرى: يحيى سكاف، نسيم نسر، محمد فرّان، وسواهم كثيرون أثناء العدوان.

 

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليقاً جديداً

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع