أبو علي الطبطبائي: 40 عاماً في الظلّ (1) قراءة في كتاب | المتاهة اللبنانيّة: أطماع متجذّرة في الأرض والمياه (1) العودة إلى الحياة: برعشيت تتحدّى العدوان (1) الربا: طريق نحو الانتحار(1) التعبويّون الشهداء: شجرة طيّبة وعطاء بلا حدود شهيدٌ مثل أبي... فـاطمة عليها السلام: النموذج الإلهيّ للخلق (1) السيّد الهاشميّ: الأثر الذي يتجاوز الغياب العائد إلى الكتاب كلّما لاح سؤال (2) أجيال السيّد على العهد

فـاطمة عليها السلام: النموذج الإلهيّ للخلق (1)

السيّد حسين أمين السيّد


في وصايا الشهداء العرفاء، وعلى صغر أعمارهم، يبرز ذكر السيّدة الزهراء عليها السلام بشكلٍ دائم؛ إذ يجعلونها عليها السلام أسوةً لأمّهاتهم، وسلواناً لقلوبهنّ عند تلقّي خبر الاستشهاد: «أمّي، إذا بلغك نبأ استشهادي، تأسّي بالزهراء عليها السلام التي قدّمت أولادها في سبيل الله والإسلام».

لكن، لماذا كان للزهراء عليها السلام هذه المكانة العظيمة حتّى تحوّلت إلى النموذج الذي يذكره المجاهد ليربط على قلب أمّه؟

*ضرورة النموذج
قال تعالى: ﴿ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ (الأحزاب: 21).

لا شكّ في أنّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم هو الأسوة الحسنة والقدوة العظمى للخلق أجمعين، ذكوراً وإناثاً. إلّا أنّ ثمّة مسائل وأحكاماً شرعيّة تختصّ بطبيعة المرأة وتكليفها، فلا يقع عليه صلى الله عليه وآله وسلم أداؤها عمليّاً، كوجوب الحجاب والستر. ومهما بلغ تعاطفه صلى الله عليه وآله وسلم مع النساء ومواساته لهنّ في أداء هذا التكليف، يبقى في نفس المرأة شعور يقول: «لو أنّ الله تعالى كلّفك يا رسول الله بالحجاب، ولبسته في الحرّ الشديد، لأدركت صعوبة هذا التكليف». هنا، يطرح السؤال نفسه بقوّة: من يمثّل النموذج الأكمل للنساء في تكاليفهنّ الخاصّة؟ الجواب البديهيّ هو: المرأة الكاملة، السيّدة فاطمة الزهراء عليها السلام.

نتيجةً لذلك، يتجلّى لنا المعنى العميق للروايات الواردة في شأن «الميزان» يوم القيامة؛ فهو مقياس تُعرض فيه أعمال الخلق على «النسخة الأصليّة» المتمثّلة في القدوة والأسوة، أو ما يسمّى بالـ«نموذج». فما وافق هذا النموذج يُقبل، وما خالفه يُرفض.

*مجالات الاقتداء والتأسّي
قد يساور أحدنا هذا التساؤل: لماذا يجب علينا أن نقتدي بهذا النموذج؟ أليس للفرد حقّ في أن يعيش كما يهوى ويختار طريقه بحريّة؟ ولماذا هذا التقييد كلّه في سلوكنا؟ الجواب بسيط: أيّها الإنسان، لست مجبراً على فعل شيء، بل لك كامل الحريّة في اختيار ما تشاء. ولكن، إن أردت أن تصل إلى الله تعالى، وتحقّق الأهداف من وجودك، فإنّ هذا هو طريقك ومسلكك الأقوم.

تتجلّى مجالات هذا الاقتداء في كثير من الصفات والخصال الموجودة في السيّدة الزهراء عليها السلام، نذكر منها:

1. الزوجة المثاليّة: برزت السيّدة الزهراء عليها السلام في بيت الزوجيّة نعم الزوجة المُعينة لزوجها والمواسية له في صعوبة العيش وتحمّل الشدائد، والمطيعة الصابرة، التي تحمّلت الصيام ثلاثة أيّام بإفطار على الماء لشدّة الفقر؛ وهذا الموقف خلّده القرآن الكريم بقوله تعالى: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا* إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُ﴾ (الإنسان: 8-9).

كما أنّ أبلغ ما يبيّن مقامها عليها السلام كزوجة، ما شهد به أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السلام في لحظاتها الأخيرة على فراش الشهادة، حين قالت له: «يا بن عمّ، ما عهدتني كاذبة، ولا خائنة، ولا خالفتك منذ عاشرتني،...»(1)، ثمّ أوصته بوصايا. فكان جواب الإمام عليّ عليه السلام بعد شهادتها: «إنّا لله وإنّا إليه راجعون، فلقد استُرجعت الوديعة، وأُخذت الرهينة، واختُلست الزهراء، فما أقبح الخضراء والغبراء...»(2).

2. الأمّ المربّية: إلى جانب كونها نبع الخير والحنان في بيتها، فقد كانت عليها السلام أيضاً المربّية والعالمة التي أدركت تماماً من تربّي، ولأيّ هدف عظيم تعدّ أبناءها، الحسن والحسين وزينب عليهم السلام؛ فصنعت منهم مجاهدين ثمّ شهداء ورموزاً للتضحية والفداء. لقد كانت تربّيهم لله تعالى وفي سبيله.

3. المجاهدة: يتجلّى جهادها عليها السلام في ميادين العمل في سبيل الله ونصرة النبوّة. منذ نعومة أظفارها، كانت الملجأ لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والمواسية له أثناء قسوة حصار شعب أبي طالب، والمداوية لجراحه النازفة بعد المعارك؛ حتّى قال عنها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «فاطمة أمّ أبيها»(3).

4. المدافعة عن التشريع: يتجلّى هذا الدور بوضوح في موقفها التاريخيّ من قضيّة فدك. فقد اتّفقت مصادر السيرة على أنّه بعدما فتح النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم خيبر، استسلمت قرية فدك، وأصبحت خالصةً له، إذ ينطبق عليها حكم قوله تعالى: ﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ﴾ (الحشر: 6)؛ وقد وهبها النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم للسيّدة الزهراء عليها السلام، وبقيت ملكيّتها معها مدّة طويلة، إذ كانت تتصدّق بنتاجها على فقراء المسلمين. ثمّ جاء قوم وتفرّدوا بحديث لم يسمعه أحد عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، مفاده أنّ «الأنبياء لا يورِّثون»! وهنا، قامت الزهراء عليها السلام بمواجهة قويّة أمام تحريف هؤلاء حكم الميراث الوارد في القرآن، ليس طمعاً بفدك؛ لأنّها هبة وليست إرثاً، بل لأنّ ما جاء به هؤلاء القوم مجرّد حجّة كي يصادروها منها ليس إلّا.

وبمواجهتها عليها السلام لهذا الانحراف عن التشريع، فقد أبقت مسألة مخالفتهم للقرآن الكريم والسنّة النبويّة واضحة لمن ألقى السمع وهو شهيد. ومن أحبّ التوسّع في هذا الباب، فعليه بالخطبة الفدكيّة للسيّدة الزهراء عليها السلام، فإنّ فيها الجواب الشافي.

لم تنتهِ موارد تأثيرها سلام الله عليها، لذا، نتابع هذه المواقف في العدد القادم بإذن الله.


(1) بحار الأنوار، العلّامة المجلسي، ج 43، ص 178.
(2) مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، العلّامة المجلسي، ج 5، ص 326.
(3) كشف الغمّة في معرفة الأئمّة، الإربلي، ج 2، ص 90.

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليقاً جديداً

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع