أبو علي الطبطبائي: 40 عاماً في الظلّ (1) قراءة في كتاب | المتاهة اللبنانيّة: أطماع متجذّرة في الأرض والمياه (1) العودة إلى الحياة: برعشيت تتحدّى العدوان (1) الربا: طريق نحو الانتحار(1) التعبويّون الشهداء: شجرة طيّبة وعطاء بلا حدود شهيدٌ مثل أبي... فـاطمة عليها السلام: النموذج الإلهيّ للخلق (1) السيّد الهاشميّ: الأثر الذي يتجاوز الغياب العائد إلى الكتاب كلّما لاح سؤال (2) أجيال السيّد على العهد

شهيدٌ مثل أبي...

تحقيق: نانسي عمر


«شهيدٌ ابن شهيد...». عبارة لم تعد تستغربها مسامعنا، فحين يكبر الأبناء على خُطى الآباء، تبقى شهادتهم لحظةً مؤجّلة ينتظرونها بفارغ الصبر، لا حُبّاً بالرحيل، بل وفاءً للنهج الذي تربّوا عليه وحملوه أمانةً في أعناقهم.

ولأنّ النماذج كثيرة نعجز عن ذكرها، اخترنا الإضاءة على ثلاثة منها تمثّل مختلف نماذج عوائل الشهداء الذين قدّموا لهذا الوطن أغلى ما لديهم.

*الشهيد القائد علي كركي وابنه محمّد باقر
تميّز القائد الحاجّ أبو الفضل (1) بصفاتٍ أخلاقيّة وإنسانيّة كثيرة، غير أنّ الصفة التي أجمع عليها كلّ من عرفه كانت تواضعه الكبير وتجرّده من الأنا. فكلّ ما وصل إليه من مسؤوليّات كبيرة في المقاومة، كان يراه باباً للتقرّب إلى الله، لا وسيلةً لنيل شيءٍ من حطام الدنيا أو التطلّع إلى مكانةٍ شخصيّة.

الصفات كلّها التي عُرف بها الوالد، نرى صداها واضحاً في سيرة ابنه الشهيد الشيخ محمّد باقر(2) الذي حمل من أبيه الكثير من الخصال والطباع، مثل:

1. العادات العباديّة: تنقل عائلة الشهيدين أنّ الشهيد الابن شابه والده في الكثير من الصفات والعادات اليوميّة التي نهلها منه منذ نعومة أظفاره، ولا سيّما في الجانب العباديّ. فكان حريصاً على صلاة الليل، وقراءة القرآن، والتصدّق على الفقراء والمحتاجين، وصلة الأرحام، ومعاملة الناس باللين.

2. تحمّل المسؤوليّة: منذ سنوات شبابه الأولى، كان الشهيد محمّد باقر يحاول التقرّب من والده في كلّ مكان، لا لغايةٍ سوى أن يراه وينهل من علمه وتجربته.

ومن هذه الصحبة، تعلّم الصبر على الصعاب وتحمّل المسؤوليّة، وكان لا يزال شابّاً يافعاً، بحيث وقف بثبات الرجال، ساعياً إلى أن يكون عوناً لأبيه في غيابه، وأن يخفّف عنه أعباء المسؤوليّات التي يحملها.

3. طلب العلم: من أوجه تأثّر الابن بالأب أيضاً كان سعيهما الدائم لطلب العلم، وهو ما احتلّ مكانةً أساسيّة في حياة الحاجّ «أبو الفضل». فعلى الرغم من انشغاله بالعمل الجهاديّ وتعدّد مسؤوليّاته، لم يتوقّف عن طلب العلم طوال سنوات جهاده، فدرس العلوم الحوزويّة حتّى بلغ مستويات البحث الخارج.

وقد سار الشهيد محمّد باقر على هذا النهج، فحصل على شهادة الدكتوراه في علم الاقتصاد، وأصبح أستاذاً جامعيّاً، وفي الوقت نفسه انضمّ إلى صفوف الحوزة العلميّة، ووصل إلى السنة الخامسة فيها.

4. التعلّق بالمقاومة: إنّ أكثر ما تركه الوالد من أثرٍ عميق في نفس الشهيد محمّد باقر، كان التعلّق بالجهاد والمقاومة والدفاع عن الإسلام والوطن. وقد ازدادت هذه المسؤوليّة وضوحاً بعد استشهاد والده، حين وجد نفسه أمام أمانةٍ كبيرة تتمثّل في حفظ إرث المقاومة وصون ما تركه له الحاجّ أبو الفضل من تاريخٍ وتجربةٍ ومواقف.

ومع انطلاق معركة العصف المأكول 2026م، لم يقف الشهيد محمّد باقر مكتوف اليدين، بل سعى منذ بدايتها إلى المشاركة فيها. وعندما تلقّى رسالةً تفيد بأنّه يستطيع التوجّه إلى الجنوب، كانت فرحته كبيرة، وقال إنّه سيدافع عن الجنوب كوالده، ليرتقي شهيداً ويلتحق به.

*الشهيد محمّد حسن فضل الله وابنه الشهيد علي
تميّز الشهيدان بصفاتٍ وفضائلَ كثيرة، حتّى ليخيّل لمن يستمع إلى سيرة كلٍّ منهما أنّه أمام صورةٍ تتكرّر في جيلين، وأنّ ما زرعه الأب في سنوات عمره قد أثمر في ابنه خُلُقاً وموقفاً وسلوكاً.

تقول زوجة الشهيد: «كان السيّد محمّد حسن (3) مثالاً للإنسان المؤمن الصالح، وهو الذي تربّى في بيت عالمٍ جليل، هو آية الله السيّد عبد المحسن فضل الله. كان اهتمامه بالعبادة كبيراً، سواء في الفرائض الواجبة أو المستحبّة، من أداء الصلوات في أوّل وقتها، والحرص على أدائها جماعةً ما أمكن، إلى الالتزام بالنوافل، لا سيّما صلاة الليل التي لم يتركها منذ صباه. وكان يحثّنا على إقامتها ولو مرّةً في الأسبوع، وخصوصاً ليلة الجمعة. كما كان يهتمّ بالأدعية المستحبّة، وبليلة الجمعة ويومها عموماً، إذ لم تكن شفتاه تتوقّفان عن التسبيح والصلاة على النبيّ وآله».

هذه الروح الإيمانيّة التي رافقت الشهيد الأب في تفاصيل حياته، كان لها صداها الواضح في حياة ابنه الشهيد علي(4)، من خلال:

1. الاقتداء ببرنامجه العباديّ: حافظ الشهيد علي بدوره على صلاته في وقتها، لا سيّما صلاة الجماعة في المسجد. واعتاد الاستماع إلى دعاء كميل في ليالي الجمعة، والمشاركة باستمرار في المجالس والمضائف الحسينيّة.

2. التعامل مع المواقف بصبر: تميّز الشهيد محمّد حسن بالصبر والثبات في مواجهة مصاعب الحياة ومشقّاتها، إذ كان يواجهها بالتبسّم والصبر، وكان شعاره الدائم الآية الشريفة: ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ﴾ (الانشقاق:6). وكذلك كان الشهيد علي صابراً هادئاً، لا ينطق إلّا بالكلمة الطيّبة.

3. امتداد البذل: لعلّ أكثر ما يختصر هذه العلاقة بين الشهيدين أنّ الشبه بينهما تجاوز الصفات التي تُروى، ليظهر في تفاصيل الحياة اليوميّة، وكيفيّة التعامل مع الناس، وتحمّل المسؤوليّة، والإصرار على أداء التكليف مهما كانت الظروف. وقد تجلّت فيه هذه التربية بوضوح، لا سيّما بعد فقد أبيه، حين بادر إلى احتضان عائلته، ومواصلة الاهتمام بالناس من حوله.

4. العطاء المجتمعيّ: إذا كان الأب قد ترك أثره في أسرته وكلّ من عرفه، فإنّ الابن حمل هذا الأثر إلى محيطه الكشفيّ والاجتماعيّ، فكان قريباً من عناصره، وحريصاً على أحوالهم، وحاضراً بينهم في النشاطات، ومصرّاً على إقامتها مهما كانت الأحوال، ومتفقّداً لهم في النزوح والحرب.

*الشهيد علي حسن ديب ونجلاه
كان الحاجّ علي حسن ديب المعروف بـ»أبو حسن سلامة»، من أوائل مؤسّسي المقاومة في لبنان. في العام 1999م، استشهد ابنه حسين في الأوّل من شهر المحرّم الموافق لشهر نيسان. وبعد أربعة أشهرٍ، التحق القائد بابنه (5)، وصار همّ الزوجة أن تنشئ عائلة تليق بخطّ أهل البيت عليهم السلام، وأن تربّي أبناءها على القيم التي آمن بها والدهم، وعلى الوفاء لمسيرة المقاومة، ولم تدرِ أنّها على موعد ثالث مع الشهادة.

تقول زوجة الشهيد: «كان محمّد علي في الخامسة من عمره حين استُشهد والده، وكانت لديّ طفلة لم يتجاوز عمرها ثمانية عشر يوماً. وبعد خمسة وعشرين عاماً على استشهاد «أبو حسن»، استشهد محمّد علي(6). كنت أرى فيه روح أبيه وصوته، وألمس الشبه بينهما في ملامحهما وطباعهما وطريقة تعاملهما مع الحياة. كان يشبهه قلباً وقالباً، حتّى أنّ حضوره كان يعيد إليّ صورة والده في تفاصيل كثيرة».

تضيف: «عندما بدأنا بتجهيز بيتنا في الضيعة، كان أوّل ما فكّر فيه أن يعلّق صورةً كبيرة لأبيه، لتبقى حاضرةً في البيت، كما بقيت سيرته راسخة في قلبه وحياته».

كان محمّد علي يتحدّث عن أبيه باستمرار، وكأنّ سيرته تسكن وجدانه وترافقه في كلّ مرحلة من حياته. وكان يرى في والده قدوةً ومسيرةً تستحقّ أن تُستكمل، ويؤمن بأنّ الجهاد لا يقتصر على الثأر للوالد، مهما كان ذلك حقّاً عزيزاً على القلب، وإنّما هو واجبٌ أوسع، يتمثّل في نصرة كلّ مستضعف، والدفاع عن المظلومين، والسعي إلى تحقيق العدالة. كما كان يرى أنّ الطريق الذي اختاره والده فيه الكثير من المسؤوليّات تجاه الأرض والإنسان، وأنّ الوفاء لهذا النهج يكون بمواصلة السير فيه، وحمل أمانته، والدفاع عن كلّ من يحتاج إلى من يقف إلى جانبه.

هكذا، تنتقل حكاية الشهادة من الآباء إلى الأبناء، فيتوارثون حبّ المقاومة والتمسّك بالأرض، جيلاً بعد جيل، لتبقى دماء الشهداء عهداً حيّاً، وتبقى الأرض أمانةً في أعناق أبنائها.


(1) استشهد بتاريخ: 27/9/2024م.
(2) استشهد بتاريخ: 8/6/2026م.
(3) استشهد بتاريخ: 19/4/2024م.
(4) استشهد بتاريخ: 29/4/2026م.
(5) استشهد بتاريخ: 16/8/1999م.
(6) استشهد بتاريخ: 19/7/2024م.

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليقاً جديداً

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع