نور روح الله: مــن آداب التسبيحـات(*) مع الخامنئيّ: الإمام عليّ: ذروة الكمـال (*) أخلاقنا: المنافق مخادعٌ نفسه(*) مناسبة: رحمة الشهر الأصبّ عمـاد: 25 عاماً عملنا معاً عقائدنا: ما هو البداء؟ مفاتيح الحياة: آداب بناء الدار(*) قصة: لحظة لا تُنسى! مع الإمام الخامنئيّ: تقدّم النساء ببركة الزهراء (*) مع إمام زماننا: هل يعيش الإنسان قــرونــاً؟ (1)(*)

شهيد الدفاع عن المقدّسات قاسم علي الخطيب (أبو تراب)

نسرين إدريس قازان


اسم الأمّ: شفيقة عقل.
محلّ الولادة وتاريخها: لبايا 7/1/1989.
الوضع الاجتماعيّ: متأهّل وله ابنة.
مكان الاستشهاد وتاريخه: البوكمال، 17/11/2017م.


لا يخلو حديثه من النكات، ولا يخبو رنين ضحكاته، ولا تنطفئ إشراقة ابتسامته؛ فأينما كان، ومهما كانت الظروف، تظلُّ روحه المرحة كطائر لا يتعب من التحليق في فضاء الشمس. في جلساته العائليّة، أو مع رفاقه، وتحت قصف المدافع، ومع أزيز الرصاص، وحتّى أثناء تسجيله لوصيّته، كانت نكاته حاضرة، وضحكاته ساحرة، فتحوّل أصعب المواقف إلى لحظات تمتلئ بالسكون والطمأنينة.

* طفولة ودلال
إنّه قاسم، صغير والديه، ومدلّل إخوته، الذي لم يخطر في بالهم يوماً أنّ ذكراه ستتحوّل إلى ملاذ يستقون منه أجمل لحظاتهم معه. إنّه ذلك الطفل الصغير، الذي يملأ البيت بهجةً وحياةً وحضوراً، والمبادر إلى مساعدتهم وخدمتهم، خصوصاً والديه.

لم تخلُ حياته من مشاغبات الطفولة؛ إذ كان فتى نشيطاً وقويّاً، لا يسمح لأحد أن يتجاوز حدّه معه، وإن كان له حقٌّ يستردّه بنفسه، فلا يظهر ضعيفاً في أيّ موقع كان، ولأيّ سبب. ولكنّه لمّا شبّ، عوّد أناهُ على التجاوز، والمداراة، والاستيعاب، ولم يعد يرى أنّ السكوت في بعض مواضع التجاوزات ضعفاً، بل قوّة بعينها.

* زفير أمّه
أمّا أمّه، فله معها حكاية أخرى؛ إذ تعلّق بها كثيراً، وباتت كالهواء الذي يتنفّسه، وقد حوّل الدلال الذي حظي به، إلى عاطفة جيّاشة نحوها، فانكشف لكلّ من حوله أنّ نقطة ضعفه والوسيلة إليه هي أمّه. وأكثر ما كان يخشاهُ هو تفكيره بتصدّع قلبها عندما تسمع بنبأ رحيله!

* مراعٍ للضوابط الشرعيّة
بين أحضان بيت ملتزم نشأ وترعرع. ولمّا أنهى دراسته في اختصاص الفندقيّة، التحق بأحد الفنادق للتدريب، ولكنّه سرعان ما صارح أهله أنّه لن يكمل العمل في ذلك المكان، بسبب الأجواء البعيدة عن التديّن، وتقديم بعض الأطعمة المحرّمة، على أن يبحث عن مكانٍ آخر يتناسب والتزامه الدينيّ.

* بوّابة العبور
اندلعت حرب تمّوز عام 2006م، فأحدثت تحوّلاً في قراراته وشخصيّته، وتغيّرت معها حياته بسرعة، ورغم قساوة تلك الأيّام وشدّتها، إلّا أنّه عمل على الارتقاء بنفسه، والوصول بها إلى حيث سكينة قلبه، وملجأ روحه؛ ساحة الجهاد.

لاحظ الجميعُ التغيّر الذي طرأ على قاسم، وكأنّه صار أكبر وأوعى، فقرّر الالتحاق بدورات التعبئة العسكريّة. ومن يعرفه، يدرك جيّداً أنّ ذلك القرار، لم يكن عن حميّة أشعلتها الحرب في قلبه، ولا رغبةٍ عابرة في القتال، وإن كانت شعلة الجهاد متوقّدة في قلبه منذ صغره، بل كان قد عقد العزم، بعد انتهاء الحرب، على لقاء الله، فكانت ساحة الجهاد بوّابته إلى هذا اللقاء.

بدأ قاسم بتحضير نفسه روحيّاً للقاء الله، فاهتمّ بتفاصيل الصلاة والدعاء، وبدقائق الأمور في التعامل مع الآخرين. ولم يكن التحاقه بالدورات العسكريّة وغيابه عن المنزل، إلّا مؤشّراً على أنّ هذا الشابّ قد صُقل وصار جاهزاً لأيّ معركة، التي ما إن دقَّ نفيرها في سوريا، حتّى كان في صفوف الملتحقين بها بإقدام وشجاعة.

* روح وحياة
مع بدء تحرير الحدود من جبهة النصرة، صارت عودة قاسم إلى البيت تبثُّ بين جدرانه الروح والحياة. وعلى الرغم من كتمانه لأمور عمله وتفاصيل ما يجري، لكنّه، كلما عاد من الجبهة، كان يسرد لإخوته بعض القصص والمواقف الطريفة التي كانت تحصل معه والمجاهدين، بأسلوبه الفكاهيّ المرح.

* تقرير موجع
بعد سنوات على مشاركته في الحرب، فَقَدَ قاسم نسبةً من سمعه بسبب أصوات القذائف، ونتيجةً لذلك، أعدّ الطبيب تقريراً طلب فيه منعه من المشاركة في الهجومات المباشرة، حتّى لا يفقد سمعه كليّاً، فصار يشاركُ مع مجموعته في تثبيت المواقع، وهو يتحيّن فرصة المشاركة في أيّ هجوم لمساندة إخوانه من المجاهدين. ولشدّة حبّه للشهيد قاسم سليماني، كان حلمه أن يلتقي به، فتحقّق له ذلك في السنة ذاتها التي استشهد فيها، فالتقى به والتُقطت له صور معه.

* طبقه المفضّل
من الجبهة، كان قاسم يتّصل بوالديه، يمازحهما، ويطمئنهما أنّه في مكانٍ آمن، ثمّ يسأل والدته ماذا أعدّت له من طعام يحبّه، ويذكّرها أن تحضّر له طبق "ورق العنب" في يوم قدومه، وتترك له الصحن على المجلى حتّى يتسنّى له التناول منه فور عودته، كما أنّه كان قد طلب إليها ذلك في وصيّته المصوّرة.

* "كأنّك تعيش أبداً"
شعر الجميع أنّ عمر قاسم سيكون قصيراً على وجه هذه الأرض، فعمل أهله على تزويجه، عسى الله أن يمنَّ عليهم بريحٍ طيّب من أثره، وتمّ الأمرُ بعد أن ساعدوه في تأمين تكاليف بناءِ بيت في القرية، ذلك البيتُ الذي بناه قاسم بيديه. وبينما كان يطلي جدار البيت، قال له أخوه إنّ شعوراً غريباً يخبره أنّه لن يسكن هذا البيت، فضحك قاسم وقال له: "اعمل لدنياك كأنّك تعيشُ أبداً"!

ولمّا رُزق بطفلةٍ، بادر والده إلى بناءِ منزل له فوق منزلهم في حيّ السلّم، حيث نشأ قاسم وترعرع، وذلك لتأمين مكان دافئ للطفلة، التي لم تنعم برؤية والدها، بسبب كثرة انشغاله وغيابه الطويل.

* الهجوم الأخير
كان تحرير مدينة "البوكمال" من داعش أمراً قاسياً وصعباً، بسبب انتشار المجموعات هناك بشكل مكثّف، ولكنّها رغم ذلك، كانت كغيرها من المدن والمناطق، التي أبدع المقاومون بالثبات فيها، والصبر، والإصرار على القتال حتّى تقهقرت داعش. وبعد تثبيت المواقع، بقيت منطقة واحدة خارج السيطرة، فطلبت القيادة من مجموعة تولّي تحريرها، فبادر قاسم بتقديم مجموعته للتصدّي لهذه المهمّة، خصوصاً وأنّ المجموعات الأخرى قد أنهكها القتال. وبالفعل، قاد قاسم الهجوم الأخير على تلك المنطقة، وقد نال فيه ما تمنّى من شهادة آثر فيها على نفسه راحة رفاقه من المجاهدين، فالتحق بمن سبقه من أصدقاء كان رحيلهم يزيد الشوق إلى الوصال، فاستراح قاسم إلى الأبد في البيت الذي اختاره لنفسه، في بلدته "لبّايا"، في البقعة ذاتها التي دلَّ أخته الكبيرة عليها قائلاً: "هنا يرقد الشهداء"!

أضيف في: | عدد المشاهدات: