عليّ بن الحسين عليه السلام والتكافل الاجتماعيّ التربية الروحيّة في دعاء مكارم الأخلاق الحياة السياسيّة للإمام السجّاد عليه السلام في فكر الإمام الخامنئي دام ظله أول الكلام: شوقٌ إلى الحسين عليه السلام أخلاقنا: الطلاق حلّ أم مشكلة؟ إضاءات فكرية: فلسطين للفلسطينيين اعرف عدوك: "إسرائيل" وقضيّة أطفال اليمن أسرتي: مهر المرأة: مفاهيم خاطئة أول الكلام: لا يوم كيومك يا أبا عبد الله مع إمام زماننا: وظائف المنتظـــرين(1)(*)

شهيد الدفاع عن المقدّسات أحمد محمّد عوّاد (أبو صالح)


نسرين إدريس قازان
 

اسم الأمّ: سميرة عوّاد.
محلّ الولادة وتاريخها: الهرمل 11/14/1983م.
الوضع الاجتماعيّ: متأهّل وله 3 أولاد.
رقم السجل: 280.
مكان الاستشهاد وتاريخه: حيّ السيّدة زينب عليها السلام 17/6/2013م.


سجدَ وهو يتمتم دعاءً واظب عليه طوال فترة خدمته في الجبهة، ولكنّه في سجوده ذلك اليوم غرق في بركة دموعه، وهو يناجي الله ويتوسّل إليه. وقد بذل رفيقه جهده ليعرف أيّ دعاءٍ ذاك، بيد أنّه لم يوفّق إلى ذلك.


•همس القلوب
كأنّ أحمداً كان على موعدٍ قريب من مبتغاه، بعد أن طلب تأجيل خدمته في سوريا إلى ما بعد ولادة طفلته الثالثة، وألزم نفسه بإنهاء الكثير من الأعمال التي تحتاج إلى متابعة في منزله ومنزل أهله. وعوض أن يكون وقت وجوده في البيت للراحة، كان يستغلّه في إصلاح الأشياء، وإتمام الأعمال المنزليّة التي تحتاج إلى رجل.

عندما رُزق بابنته الثالثة، وقف أمام باب غرفة الولادة باكياً، وكأنّها دموع الفراق، وكانت المرّة الأولى التي يبكي فيها بعد وفاة والده! عندما احتضنها ليؤذّن لها في أُذنها، استشعرت دفء قلبه مع ملوحة دمعه الذي انساب على خدّها الرقيق.

وحدهم يدركون أنّ اللقاء قريب. يستشعرون ذلك بقلوبهم، ثمّ يبصرون ما لا عينٌ رأت، ولا أذنٌ سمعت، فتراهم يمشون إلى مناياهم، وهم يحكون آخر حكاياهم.. وكذا كانت حكايته.

•معيل العائلة
لم تكن حياة أحمد سهلة، ولكنّه طوّع أيّامها بصبرٍ واحتساب، وبالكدّ والعمل، منطلقاً من الطمأنينة التي أرساها الرضى في نفسه؛ فالصلاة التي بدأها في سنٍّ صغيرة، والسعي الدؤوب لمعرفة الأحكام الشرعيّة، وعدم التكاسل في طلب المعرفة، ذلك كلّه ساهم في بناء شخصيّة قويّة واثقة ومحبّة.

حفلت حياته بكثير من المواقف؛ فهو منذ صغره صاحب شخصيّة مستقلّة وواعية، يعرف ماذا يريد، ولا يُغرق نفسه بمتاهات الدنيا. وفي عمر العاشرة تقريباً، وضع نصب عينيه ضرورة امتهان عمل ما وإتقانه، فاتّخذ لنفسه عملاً، ولم يغبط ولداً على لعب أو راحة، بل على العكس، شعر بالسعادة والفخر وهو يعود إلى المنزل راكضاً يحمل أجرته الأسبوعيّة. كبر وكبر معه إحساسه بالمسؤوليّة والعطاء. كان حريصاً على تأمين احتياجات العائلة، خصوصاً إخوته البنات. أمّا عن إخوته الشباب، فكان يبادر للتخفيف عنهم، فتارةً يساعد في تشييد منزل أخيه، وأخرى في ترميم منزل والدَيه. وكان يتقنُ الكثير من الأعمال التي استغلّها ليوفّر على الآخرين أجرة عمّال.

•حبّ الجهاد
عشق أحمد منذ صغره اسم "حزب الله"، وقد حوّل هذا الحبّ في مراهقته وشبابه إلى عملٍ تطوّعيّ دؤوب في صفوفه.

وبعد حرب تمّوز 2006م، التي قضى أيّامها متنقّلاً بين محاور البقاع، التحق رسميّاً بصفوف المجاهدين، وأصبح مدرّباً في المعسكرات. وإلى أن حان موعد هذا الالتحاق، كان يراكم الخبرات من الدورات العسكريّة المختلفة التي أنجزها، مضافاً إلى ثقافته الواسعة في كثير من الأمور، حيث كان يقضي أوقات فراغه بين دفّتي كتابٍ أو الاهتمام بتربية الطيور. وقد قسّم وقته بانتظام بين عمله والجهاد وخدمة الناس، واستغلّ عمله كمدرّب في التقرُّب من الشباب واحتضانهم، ما ترك الأثر الطيّب في نفوسهم.

•الوصايا الأخيرة
هناك بالقرب من مقام السيّدة زينب عليها السلام في الشام، شحذ أحمد كلّ ما استطاع من العشق، وما حملَ من شوق؛ ليبرزَ إلى مضجعه، واستلّ من آخر ساعاته وصيّةً سارع ليلقيها على مسمع زوجته، التي خابرها قبل معركته الأخيرة بوقت قصير. اطمأنّ إلى صحّتها وصحّة بناته، وطلب إليها أن تكون قويّةً لتتحمّل المسؤوليّة التي ستُلقى على عاتقها. ثمّ اتّصل بأمّه ليسمع صوتها، ويلتجئ إلى همسها، ليستشعر الدفء والأمان، ويترك لها صدى صوته المحبّ قبل أن يمضي.

•السعادة الحقيقيّة
لطالما كان أحمد يطلب من أمّه أن تدعو له بالشهادة، فتجيبه أنّ قلبها لا يطاوعها، فيخفّف عنها بقوله: "إنّ السعادة الحقيقيّة تكمن في هذه الخاتمة". أمّا عن زوجته، فهي تعرف أنّ الطريق الذي اختاره سيبعده عنها في الحياة الدنيا؛ لذلك لم يغفل عن تذكيرها بذلك أبداً. وقد سعى إلى بناء أسرة خلال سنوات زواجه القليلة، وعاش برغدٍ بين بناته الصغيرات الجميلات، وشكر الله كثيراً على النعم التي عاشها في بيته الصغير.

•المعركة الأخيرة
انطلق المجاهدون إلى المعركة. لم يمنعهم سقوط القذائف على مقربةٍ منهم من التقدّم وتوسيع رقعة الأمان حول الحرم. وكلّما أسقطوا محوراً زاد عزمهم، وأحمد بينهم يتقدّم ببأس وعزم، يتنقّل بين الركام، ويزيح الغبار عن وجهه. كان يكفيه احتضان العشق حول حرمها، ليمدّه بعزم الجبال. هنا المعارك تشبه ما قرأه عن كربلاء، صبرٌ وإيثارٌ وإقدام، وزينب الكبرى على ذلك التلّ تباركهم.. وتزفّه.. فجأةً، خبا صوته مع سقوط قذيفة بالقرب منه، فانجلت غبرتها عنه، وهو ممدّدٌ أرضاً بعد أن زَرَعت شظاياها في صدره.

استشهد أحمد. لن يعود هذه المرّة إلى بناته الصغيرات، يحمل إليهنّ أشواقه وضحكاته، ويرنو إليهنّ يلاعبهنّ وكأنّه في مثل سنّهنّ. وستظلّ أمّه تنتظر عودته قرب النافذة، وهو الذي كان بيته ملازماً لبيتها، يهتمّ بها، ويساعدها، ويؤمّن لها كلّ ما تحتاج إليه.

•جهاد دائم
لم تغبْ تلك الابتسامة عن وجهه حتّى وهو في كفنه، وكيف لا يبتسمُ من عبر إلى الآخرة ملطّخاً بحنّاء الشهادة؟!

وقد رأته زوجته في الرؤيا بعد استشهاده أنّه يزورهم ويطمئنّ إليهم، ثمّ سارع بالذهاب إلى الجبهة، فسألته: "هل ما زلت تقاتل؟"، فأجابها: "إنّ الشهداء يقاتلون جنباً إلى جنب مع المجاهدين".

•ذكراه الطيّبة
لينُ قلبه، وتواضعه، وسعيه لخدمة الناس، جعلت لفقده حرقة لا تبرد، فأحمد الابن البارّ، والأخ الحنون، والزوج المحبّ، والجار الكريم، لم يترك سوى الذكريات الجميلة والعابقة بالعِبر. أمّا في الجهاد، فكان الشجاع، الحكيم في اتّخاذ قراراته، ولهذا أُوكل إليه مع مجاهد آخر القتال في بقعة محدّدة بالقرب من مقام السيّدة زينب عليها السلام، حيث استشهدا إثر سقوط قذيفة بالقرب منها.

•طيفه حاضر
رحل أحمد ولا يزال طيفه جالساً على سجّادة صلاته يتلو القرآن، وحوله بناته يلذن بحنانه؛ فواحدة في حضنه، واثنتان تتّكئان عليه، فسلام عليه في عليائه مع الشهداء.
 

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليقاً جديداً

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع