أجيال السيّد على العهد العائد إلى الكتاب كلّما لاح سؤال(١) باعترافات العدوّ: كيف تنتصر إرادة المجاهد؟ (1) القيم في بيانات الإمام مجتبى الخامنئيّ دام ظله (3) قواعد قرآنيّة في تثبيت القلوب (4): إن تنصروا اللّه القيم في بيانات القائد السيّد مجتبى الخامنئيّ دام ظله (2) فقه الولي | من أحكام ضمان بعض الضرر أو عدمه قصّة | جسدٌ نَحيل وصيّة الشهيد علي فنيش (أبو ياسر): الصلاة في أوّل وقتها تحقيق | ما عرفناه حتّى... الشهادة

العائد إلى الكتاب كلّما لاح سؤال(١)

تحقيق: د. حياة الرهاوي


وراء كلّ قائد عظيم، ثمّة كتاب شكّل وعيه، وخلوة بنور المعرفة صقلت فكره. وفي مسيرة سماحة السيّد الشهيد حسن نصر الله (رضوان الله عليه)، لم تكن القيادة وليدة صدفة، بل ثمرة نشأة على الكتاب، وعشق مبكر للمطالعة، رافقاه من طفولته في قريته البازوريّة إلى أيّام النجف الأشرف، وصولاً إلى سنوات الجهاد والمسؤوليّة؛ فهذه الرحلة مع الكلمات، ساعدته في تحويل كلّ فكرة يقرأها إلى موقف يُبنى عليه مستقبل أمّة.

في هذا المقال، نفتح صفحة من حياة السيّد حسن، لنروي جانباً من علاقته بالكتاب والمعرفة. وما نرويه هنا هو ثمرة شهادات مجموعة واسعة من المقرّبين والزملاء الذين رافقوه في مراحل مختلفة من حياته(1).

*النابغة الصغير
لم يكن حسن قد بلغ الخامسة حين أخذته عمّته ملكة نصر الله إلى المدرسة، رغم أنّه كان ينقصه نحو ستّة أشهر ليتمّ السنّ القانونيّة لدخولها؛ ولكنّ جواب الأستاذ نايف أمهز، مدير مدرسة سنّ الفيل حينها، كان واضحاً: «فليرجع الصغير حين يبلغ الخامسة»، فقالت له بثقة: «اختبره».

كانت ملكة، وهي عمّته الوحيدة، قد سبقته إلى اكتشاف ذاكرته؛ فجعلته يحفظ قصار السور القرآنيّة سريعاً، وراحت تراقب ذلك الولع المبكر بالكلمات.

جلس المدير يصغي إلى إجابات الطفل، وإلى ما استظهره من آيات القرآن الكريم، ليعدل فوراً عن قراره قائلاً: «لو كان الأمر بيدي، لما وضعته في الصفّ الأوّل، بل في الثاني»! وبعد انتظامه في الصفوف الدراسيّة، سعى المدير لأن يتخطّى حسن صفوفاً دراسيّة عدّة لتفوّقه وتميّزه عن أقرانه.

كان حسن أوّل طفل للسيّد عبد الكريم نصر الله، وأوّل حفيد في العائلة. وكان جدّه، الذي يحفظ جلّ القرآن الكريم، شديد التعلّق بحفيده، إذ جمعته به جلسات طويلة مع كتاب الله في القراءة والحفظ والمراجعة وتدبّر الآيات. وحين كان الصبية يأتون لاستدعائه إلى اللعب، كان الجدّ يردّهم أحياناً ويقول لهم: «إنّ لهذا الصبيّ مستقبلاً في القيادة والعلم الدينيّ، فلا تضيّعوا وقته».

ليس ثمّة حاجة إلى قراءة عبارة الجدّ بوصفها نبوءة؛ فملامح ذكاء الطفل كانت لافتة لكلّ من عرفه، ممّا أثار حوله توقّعات بمستقبل واعد.

وعندما كان يساعد والديه في بيع الخضار، راح يوفّر بعض المال من مصروفه ليشتري كتاباً؛ فالمطالعة بالنسبة إليه متعته التي يدفع ثمنها من القليل الذي يملكه.

*المكتبة وشغف القراءة
في عمر الثانية عشرة تقريباً، انتقل الكتاب معه إلى بلدته البازوريّة. هناك، تعرّف إلى إمام البلدة الشيخ علي شمس الدين، الذي أحبّه وفتح له مكتبته، فصار الفتى يمضي فيها ساعات طويلة. لم يحتفظ بما قرأ لنفسه، بل جمع حوله بعض الشبّان، فأعطاهم الكتب، وناقشهم فيها، وراح يحدّثهم بما استخلصه من صفحاتها. كان ذلك، ربّما، أوّل انتقال من القارئ إلى المبلّغ عن فحوى القراءة.

*ملامح اجتهاد وقيادة
في السادسة عشرة، كان عليه أن يبحث عن مكتبة أكبر وكتب أعمق. وبرسالة حملها من السيّد محمّد الغروي واستلمها السيّد عبّاس الموسوي (رضوان الله عليه) في النجف الأشرف في العام 1976م، دخل الشابّ اليافع إلى عالم سيأسره؛ عالم السيّد محمّد باقر الصدر قدس سره، الذي رأى في السيّد حسن اليافع طالباً نبيهاً. وقد أسرّ السيّد الصدر لبعض من حوله توقّعه أنّ هذا الشابّ سيبلغ من العلم مبلغاً ربّما يفتح له أبواب المرجعيّة الدينيّة.

كان الإمام السيّد موسى الصدر حاضراً بقوّة أيضاً في تكوينه الوجدانيّ والاجتماعيّ؛ فتأثّر بسيرته وأفكاره ومبادئه، وظلّ يستحضر تجربته ومواقفه.

في النجف الأشرف، كان الشابّ حسن يدخل غرفته وفي يده الكتب، يغلق الباب، ثمّ يسدل الستائر حتّى يظنّ الآخرون أنّه ليس بداخلها. كان يريد أن يمرّ رفاقه من أمام الباب فلا يطرقوه، لينفرد بأنيسه الكتاب الذي كان يصادر وقت راحته وطعامه ونومه.

هناك، دخل كتابا «فلسفتنا» و«اقتصادنا» ومؤلّفات السيّد محمّد باقر الصدر كلّها بقوّة إلى بنائه الفكريّ. وكان رفاق الدراسة يلاحظون سرعة التقاطه للمسألة في المباحثة، وكان أيضاً يعطي رأياً في ما يقرأ؛ فالهدف لم يكن جمع المعلومات بقدر التدرّب على بناء موقف منها.

*المطالعة ذخيرة العلماء
في العام 1978م، لم يكن الشابّ قد ارتوى بعد من معين العلوم الحوزويّة النجفيّة، حتّى وجد نفسه وزملاءه مبعدين قسراً عن النجف بفعل قرار اتّخذه البعث العراقيّ وقتها.

عاد السيّد حسن إلى لبنان، ليكون من طلّاب الحوزة التي أسّسها السيّد عبّاس الموسوي في بعلبك، والتي جمعت كلّ طلّاب العلم المُبعدين من النجف.

هناك، لم تعد علاقة طالب الحوزة تقتصر على الأساتذة والطلّاب فقط؛ إنّما صار عليه أن يخطب أمام جمهور، بالإضافة إلى التعليم وتلقّي أسئلة الناس. وكان السيّد عبّاس الموسوي يغرس في الطلاب مبدأً مفاده: إنّ كثرة التدريس والخطابة تستنزف رصيد الطالب العلميّ، ومن لا يداوم على المطالعة، سيكتشف يوماً ما أنّ معينه قد نضب. وهكذا، صار الكتاب ذخيرة ينبغي تجديدها.

*القراءة خلوته الخاصّة
بقي القرآن في قلب السيّد حسن، وإلى جانبه نهج البلاغة والفقه والأصول والتفسير والفلسفة والأخلاق. ثمّ اتّسعت الدائرة إلى الكتابات العرفانيّة للإمام الخمينيّ قدس سره، الأمر الذي أعطاه براعة استثنائيّة في شرح دعاء السحر.

تزوّج وكبرت عائلته. وعندما كان يرتفع ضجيج الأطفال في البيت، يلجأ إلى منزل زميله، يدخل غرفة منفردة، ويجلس لساعات وهو يقرأ ثمّ يخرج منها، فيسأله مضيفه عمّا قرأ، فيعرض أمامه الكتاب وأفكاره. كأنّ ستائر النجف ظلّت ترافقه، ولو تغيّرت الغرفة.

*القراءة البحثيّة ومجالس العلم
بعد تولّيه منصب الأمانة العامّة لحزب الله بعد استشهاد السيّد عبّاس الموسوي (رضوان الله عليه)، لم تقطع المسؤوليّات الجهاديّة والتنظيميّة المتزايدة صلته بالدرس الحوزويّ؛ فقد ظلّ يطلب المواد العلميّة والمصادر المتعلّقة بدرس البحث الخارج للسيّد الشهيد علي الخامنئي قدس سره، ويتابعها كلّما سمح له الوقت.

وفي هذه المساحة الدينيّة أيضاً، استوقفته قضيّة الإمام المهديّ عجل الله تعالى فرجه الشريف وعلامات الظهور؛ فاهتمّ بما كتبه الإمام الخامنئيّ في هذا المجال وبحث فيه. وتابع دروس الشيخ نجم الدين الطبسي، أحد المشتغلين بحثيّاً بموضوع المهدويّة وعصر الظهور وعلاماته.

لم تكن المطالعة مجرّد جمع للعناوين أو تراكم للمعلومات، بل كانت عمليّة بحث متكاملة. كان السيّد حسن يخصّص يوميّاً نحو ثلاث ساعات للمطالعة المنتخبة، منفصلاً عن التقارير والمحاضر والقراءات الدينيّة والبحثيّة. وأحياناً، كان يختار موضوعاً واحداً ليجعله محور قراءته: حقبة تاريخيّة، أو شخصيّة، أو تجربة سياسيّة، ثمّ يحيط بها من جهات متعدّدة؛ يقرأ ما كتب عنها، ويسجّل الملاحظات والأسئلة، ويبحث عن مصادر إضافيّة، ويقارن بين الآراء المختلفة قبل أن يصل إلى خلاصته.

*تاريخ جبل عامل وذاكرة الحاضرين
لم يكن السيّد يقرأ الكتاب ثمّ يغلقه، بل يحوّله إلى ملف؛ فكرة تفتح باباً على كتاب آخر. كما لم تكن القراءة عنده منفصلة عن الناس الذين صنعوا الأحداث. فإذا أثار كتاب سؤالاً حول مرحلة أو شخصيّة ما، كان يبحث عمّن عاش تلك المرحلة ليسمع منه تفاصيلها مباشرة. كان يجلس إلى كبار السنّ وأصحاب التجربة، يسأل عن الوقائع والرجال والمناخ الذي أحاط بها، وأحياناً كان يطلب جلسات يكون فيها هو المستمع فقط. كان يقرأ التاريخ مرّتين: مرّة كما كتبته الكتب، ومرّة كما بقي في ذاكرة الذين عايشوا الأحداث. من هنا، يمكن فهم اهتمامه بتاريخ لبنان عموماً وبتاريخ الشيعة على وجه أخصّ.

بالإضافة إلى ذلك، لم يقرأ التاريخ لترفٍ ثقافيّ، بل محاولة لفهم المكان الذي جاء منه، والناس الذين صنعوا تحوّلاته. قرأ لبنان في نشأته، وتركيبته، وعلاقات طوائفه، وماضيه، وحاضره، والتحوّلات الاجتماعيّة والسياسيّة التي مرّت بها البلاد. وأظهر اهتماماً خاصّاً بكتاب «تاريخ الشيعة في لبنان» للدكتور سعدون حمادة، الذي جمعته به لقاءات ومباحثات، وكان يوصي المحيطين به بضرورة قراءته. كما طلب في مرحلة لاحقة كتباً عن تاريخ جبل عامل، بينها كتاب تمارا شلبي عن شيعة جبل عامل ونشوء الدولة اللبنانيّة، إضافة إلى اهتمامه بكتب الدكتور فواز طرابلسي.

هذه الرحلة مع الكتاب، من البازوريّة إلى النجف، لم تكن سوى البداية. ففي العدد المقبل، نفتح أبواب مكتبة السيّد المتجدّدة، لنكتشف كيف امتدّ شغفه بالقراءة إلى عوالم الشعر والأدب وفكر العدوّ والحركات التكفيريّة، وكيف بقي القائد الكبير يرى في نفسه ذلك الطالب الذي لا يشبع من المعرفة.
 

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليقاً جديداً

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع