أجيال السيّد على العهد العائد إلى الكتاب كلّما لاح سؤال(١) باعترافات العدوّ: كيف تنتصر إرادة المجاهد؟ (1) القيم في بيانات الإمام مجتبى الخامنئيّ دام ظله (3) قواعد قرآنيّة في تثبيت القلوب (4): إن تنصروا اللّه القيم في بيانات القائد السيّد مجتبى الخامنئيّ دام ظله (2) فقه الولي | من أحكام ضمان بعض الضرر أو عدمه قصّة | جسدٌ نَحيل وصيّة الشهيد علي فنيش (أبو ياسر): الصلاة في أوّل وقتها تحقيق | ما عرفناه حتّى... الشهادة

السينما الأمريكيّة ومواجهة الحقيقة في Man of War

د. نبيه أحمد*

 

في فيلم Man of war (م 2026)، لا يكتفي المخرج بنقل البارود المشتعل في الجغرافيا الأوكرانيّة، بل يضعنا أمام مواجهة نقديّة حادّة مع واحدة من أكبر صناعات التزييف في تاريخ السينما.

لم تعد الساحة الأوكرانيّة هنا مجرّد خلفيّة جغرافيّة لمطاردات وحروب شوارع، بل تحوّلت إلى مسرح مكشوف تتفكّك عليه الأسطورة الأمريكيّة؛ إذ تجد الكاميرا التي اعتادت إسباغ القدسيّة الأخلاقيّة على البطل القادم من خلف المحيط نفسها مجبرة على تعرية صقيع المصالح.

*تلميع العضلات لتغطية التصدّع الأخلاقيّ
تستمرّ السينما الأمريكيّة في استدعاء البنية الجسديّة المفتولة للمقاتل، وكأنّها طقس أيقونيّ كلاسيكيّ لا يكتمل النصّ من دونه؛ إذ يظهر الجنديّ الأمريكيّ ببدن رياضيّ متناسق وقامة صلبة لا تهزّها شظايا القذائف، في تكريس واضح لما يُعرف بـ»سيميوطيقا(1) الجسد المهيمن».

غير أنّ هذا البناء العضليّ الباهر ليس اختياراً إخراجيّاً محضاً لضمان الجاذبيّة البصريّة، بل هو أداة تعويض مضلّلة تُغلّف الموقف الأخلاقيّ المتهالك. فحين تعجز السياسة عن إيجاد مبرّر إنسانيّ للتدخّل، يُصبح الجسد المصقول هو البديل الصوريّ الصامت الذي يوحي للمشاهد بالانضباط والسيطرة، مستبدلاً القوّة الحقوقيّة بقوّة العضلات لتلميع صورة «المنقذ» التي طالما خذلت الواقع.

تبدأ القصّة بالصيغة التقليديّة المحفوظة: جنديّ سابق في القوّات الخاصّة، فَقَدَ زوجته فغرق في ذكرياته وإدمانه الكحول هارباً من ماضيه، حتّى يظهر الدافع المفصليّ الذي يستحثّه على استعادة عنفوانه وقدراته البدنيّة ليعود إلى الميدان؛ والمتمثّل في اختطاف الجنود الروس لابنة أخيه. ينطلق نحو هدفه كالسهم لا يلوي على شيء، متجاهلاً الأخطار ومُغلّفاً إخفاقه النفسيّ ببطولة فرديّة متعالية.

*حوار المواجهة المباشرة وإشهار الحقيقة
تبدأ المواجهات السياسيّة منذ بداية الفيلم بين الجنديّ الأمريكيّ والجنود البريطانيّين المرتزقة الذين كُلّفوا بمهمة إخراج ملياردير أوكرانيّ. تبرز هذه المواجهة عبر الاستهزاء والنظرة الدونيّة للجنديّ الأمريكيّ، وهي ما يقابلها الأخير بصمت أمريكيّ تامّ؛ حتّى يضطرّ الجنديّ البريطانيّ إلى طلب التعاون وإنهاء حالة العداء، وكأنّ الدول الأخرى تدرك أنّ التحالف مع الأمريكيّ أكثر فائدة من معاداته.

تصل ذروة المواجهة الفكريّة في الفيلم خلال المشهد الحواريّ المكثّف داخل أزقّة المدينة شبه المدمّرة بين المقاتل الأوكرانيّ (الذي كلّفته الاستخبارات الأمريكيّة بمساعدة الجنديّ الأمريكيّ مقابل إخراج عائلته من البلاد) والجنديّ الأمريكيّ؛ إذ تتوقّف أدوات الإثارة الحركيّة لتفسح المجال لكلام يختزل عقوداً من المرارة الجيوسياسيّة. يواجه المقاتل الأوكرانيّ حليفه الأمريكيّ بلغة صريحة خالية من المداراة: «أنتم لا تصنعون السلام، أنتم ترعون الحريق، وتتغذّون على صراع الشعوب كطفيليّات تتغذّى على دماء الضحايا... أنتم لا تهتمّون لغير شعبكم، وإن كنت لا تهتمّ إلّا بإنجاز المهمّة، فأنا لا أستطيع أن أدير ظهري لمدنيّين عُزّل».

يبدي الجنديّ الأمريكيّ لا مبالاة باردة تجاه هذا التقريع؛ فهو ينتمي إلى الشعب الذي يعتقد أنّه يحكم العالم، ولا يكترث بكيفيّة رؤية الآخرين له طالما أنّ المصلحة الذاتيّة هي الموجّه الأسمى لكلّ حركة.

*واقعيّة الميدان: بين حزمة «المساعدات الإنسانيّة» وابتزاز المصالح
تتطابق هذه المواجهة السينمائيّة مع حقائق الواقع الميدانيّ؛ إذ يتقاطع الفيلم مع التناقض الحادّ في الدور الأمريكيّ في الحرب الأوكرانيّة- الروسيّة. فبينما تُعلن واشنطن رسميّاً تقديم حزم مساعدات إنسانيّة بمليارات الدولارات وتسيير قوافل الإغاثة، تُثبت الوقائع الميدانيّة أنّ هذه المساعدات المزعومة تُستخدم كغطاء لتمرير صفقات الأسلحة واستنزاف أطراف النزاع.

يكشف الخطّ السرديّ المتعلّق بالتدخّل الغربيّ الوجه الكالح لرأس المال العابر للحدود؛ بحيث تبدأ الحبكة بمحاولة حماية ملياردير أوكرانيّ وإخراجه بأمان من جحيم المعركة، لتتحوّل القضايا العادلة إلى مجرّد حراسة أمنيّة للحسابات المصرفيّة. وفي مسار دراميّ كاشف، يلقى جميع الجنود المرتزقة حتفهم أثناء محاولة الخروج من المدينة بعد فشلهم في تحقيق هدفهم، ليصبح الهدف الذي يقاتل لأجله من بقي من المرتزقة هو هدف الجنديّ الأمريكيّ نفسه.

*الاستخبارات الرقميّة والدولة العميقة
لا يتخلّى الفيلم عن الأسلوب التقليديّ المتكرّر: اتّصالات البطل المستمرّة بصديق يرتدي بذلة أنيقة يجلس في غرفة مظلمة بمقرّ الاستخبارات الأمريكيّة (CIA) بواشنطن. يتجلّى في هذا الربط أسطورة «الأخ الأكبر» الرقميّ الذي يرى كلّ شيء عبر الأقمار الصناعيّة ويتحكّم في مسارات المعركة بضغطة زرّ، ممتلكاً السيطرة الاستخباريّة الكاملة عبر طائرات الاستطلاع. لكنّ هذه السيطرة تنكسر حين تقرّر الدولة الأوكرانيّة تحقيق أولويّاتها في أرض الحرب؛ فيُحوّل مسار المروحيّة المخصّصة لإجلاء الفريق الأمريكيّ نحو ميدان آخر لإخلاء جرحى من الجنود الأوكرانيّين، ما يُثير غضب الاستخبارات الأمريكيّة التي لا ترى في الساحة سوى مصالحها الضيّقة.

يعكس هذا التواصل الممتدّ رغبة هوليووديّة في الحفاظ على أسطورة السيادة المعلوماتيّة. غير أنّ المفارقة التفكيكيّة تكمن في أنّ هذا الدعم اللوجستيّ الفائق لا يُسخّر لإيقاف النزيف أو إنقاذ المدنيّين، بل يُستغلّ لحماية الفرد الأمريكيّ وحفظ أسراره، ما يُظهر الدولة العميقة كعقل بارد يتعامل مع الشعوب كبيادق على رقعة شطرنج.

*التمزّق الإيدولوجيّ: النقد الذاتيّ الحذر وتصدير البطل التائب
يمثّل فيلم Man of war (م2026) شريطاً دالّاً على التحوّل الهيكليّ في الخطاب السينمائيّ الغربيّ؛ إذ لم يعد ممكناً تسويق البروباغندا الفجّة بالأسلوب القديم من دون امتصاص غضب الجمهور المطّلع ومواكبة التحوّلات الفكريّة العالميّة.

يلجأ الفيلم إلى تقنيّة «النقد الذاتيّ الحذر»، مفصّلاً بين السياسة الخارجيّة الشنيعة وبين الفرد الأمريكيّ الذي يُصوّر كضحيّة تنفيذيّة. غير أنّ هذا التحوّل يظلّ دهاءً إيدولوجيّاً؛ فالفيلم يمنح المشاهد جرعة من النقد الصريح ليُشعر المتلقّي بالموضوعيّة، لكنّه يتسلّل في النهاية ليعيد تلميع صورة البطل الفرديّ بوصفه الخيار الأخلاقيّ الوحيد المتبقّي وسط خراب المؤسّسات.

تتبدّى المفارقة البصريّة في إظهار الجنود الروس والأوكرانيّين بالهيئة نفسها والعتاد ذاته مع اختلاف ألوان الشارات العسكريّة، مع مجاهرة الأمريكيّ والبريطانيّ في وضع شارة بلدهم على الجعبة العسكريّة التي يرتدونها وكأنّها بطاقة هويّة عابرة للقارات، من دون منح الأمريكيّين غلبة حاسمة في الميدان؛ إذ تأتي الكلمة الفصل عبر قذيفة دبّابة أوكرانيّة تدخل المدينة لتحريرها، في خروج صريح عن النهايات الهوليووديّة النمطيّة التي تُختتم بتدمير الموقع وخروج الأمريكيّ بطلاً أحاديّاً فوق الركام.

*الخروج من جحيم «رجل النار»
في المحصّلة، يخرج فيلم Man of war عن السيطرة الإيدولوجيّة لهوليوود؛ إذ يترك في ذهن المشاهد انطباعاً ثقيلاً يختلف عمّا خطّطت له العدسة. إنّ صورة الجنديّ الأمريكيّ ذي الجسد الرياضيّ والهاتف الاستخباريّ لم تعد توحي بالأمان أو البطولات الخارقة، بل باتت ترمز للوظيفة الأداتيّة الباردة التي تحرق ما حولها للحفاظ على هيبة متخيّلة.

لقد كشف الفيلم من دون قصد أنّ أسطورة المنقذ الغربيّ ليست سوى حطام أيدولوجيّ يُشعل الحرائق في بيوت الآخرين، ثمّ يقف متفرّجاً ليحمي أرباحه، مقتنعاً بأنّ الضحايا مجرّد أرقام على هامش التاريخ.


* باحث وأكاديميّ في الأدب السينمائيّ.

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليقاً جديداً

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع