مع الإمام الخامنئي: قواعد القرآن.. سعادة الدنيا والآخرة أخلاقنا: الزواج سهلٌ يسير مناسبة: الخميني قدس سره..شمسٌ لا تغيب مناسبة: المعصومة عليها السلام: سيّدة قم مناسبة: البقيع.. قطعة من الجنّة ما بعد الحرب النفسيّة للعدوّ البشريّة وصراع الوباء فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَات تغذية: المناعة خيرُ علاج سوريا: حافلات على الطاقة الشمسيّة

أخلاقنا: حياتنا بين البخل والترف

آية الله الشيخ حسين مظاهري


إنّ أوّل ما يمكن أن يبدأ بين الزوج والزوجة هو النزاع الذي تأتي به الحياة المترفة، أو بعبارة أخرى حياة الصرف والبذخ بدون مبرّر. وإنّ أغلب النزاعات التي نسمع بها اليوم يكون معظمها من أجل المسائل الكماليّة، أو المسائل الترفيّة.

* الحياة المترفة سبب النزاع
قد نرى بعض العرائس يشرعنَ بارتداء البدلة الفلانيّة لمرّة واحدة، والفستان الفلانيّ لمرّة واحدة أيضاً، والحذاء الفلانيّ مرّتين أو ثلاثة، وهكذا تحاول أن تُفهم زوجها بأنّها لا تستطيع لبس الفستان أو البدلة أكثر من مرّة واحدة، ولكون الزوج لا يتمكّن من تأمين كلّ هذه الفساتين تبدأ النزاعات والخلافات.
وهكذا، يتفاقم النزاع رويداً رويداً ليصل إلى قمّته من جرّاء التجمّلات، والكماليّات، والشراء الترفيّ.

* العودة إلى القرآن الكريم
هل هناك علاج لتلك المعضلات؟ الجواب: نعم، وهو سهلٌ جدّاً، ولا يتعدّى أن يكون إحدى آيات القرآن المجيد، التي ما إن يُعمل بها حتّى يرى الإنسان نفسه معافى من كلّ تلك الأمراض الاجتماعيّة المتردّية، وهذه الآية المباركة هي: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾ (الفرقان: 67).
فالمؤمن عندما يريد شراء شيءٍ لا يسرف في شرائه ولا في بذله، إنّه لا يؤمن بالصرف الترفيّ غير اللازم، ولا يرغب في الحياة التي تستند إلى التجمّلات والكماليّات والحاجات غير الضروريّة، إنّه ليس بخيلاً ولا مسرفاً، بل معتدل ﴿وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾.

* البخل في المعيشة
قال العزيز في محكم كتابه المجيد: ﴿وَلاَ يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللهُ مِن فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَّهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَّهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُواْ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلِلّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ (آل عمران: 180).
إنّ الذي لا يسخّر ماله في خدمة أسرته، لا يظنّ أنّه يعمل حسناً، إنّه يعمل سوءاً، وإنّ ماله ذاك سيطوّق به يوم القيامة بطوقٍ من نارٍ: "إيّاكم والبخل، فإنّها عاهة لا تكون في حُرٍّ ولا مؤمن، إنّها خلاف الإيمان"(1).

ولو لم يكن لدينا حديث أو رواية أو آية قرآنيّة في البخل غير هذه الرواية التي ذكرناها آنفاً، لكفتنا أن نبتعد عن البخل في البيت، وفي المجتمع؛ لأنّه من العار والصعوبة أن يطوّق الإنسان يوم القيامة بما لديه من بيوت ومحلات وأملاك وأموال وهي تشتعل وتلتهب، ويؤتى به على تلك الحال إلى صفوف الحشر الرهيبة.

* البخل والترف سبب المصائب
كما أنّ البخل خطأ فاحش، فإنّ الإسراف من أسباب فساد المجتمع وجرّه إلى ما لا تُحمد عُقباه: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُواْ فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا﴾ (الإسراء: 16).
إنّ السيول والزلازل، وانقلاب الأرض بأهلها، لا يمكن أن تُقاس بالنكبات التي يجرّها البخل والإسراف والحياة المترفة؛ لأنّ المصائب والبلايا التي تُحدثها هذه القضايا أنكى من المصاعب كلّها التي نسمع بها كلّ يوم تحدث هنا وهناك.
والقرآن الكريم تعرّض كثيراً للترف والمترفين، وحذّر في مناسبات عدّة من التوغّل في أعمال الترف الذي يوصل الإنسان إلى حالة الكفر بما أُرسل به المرسلون: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُم بِهِ كَافِرُونَ﴾ (سبأ: 34).
لقد كان المترفون على مرّ الدهور مانعاً أساسيّاً لشيوع رسالات الأنبياء المرسلين، وما كان فعلهم إلّا خوفاً من انطمار مصالحهم ومنافعهم الشخصّية، كون المرسلين يتنكّرون للإسراف والبذخ والترف المؤدّي بالمجتمعات إلى الفساد.

* إناء اللبن
جاء في كتاب (معراج السعادة) أنّ بخيلاً وصل في شدّة بخله إلى حالةٍ كان فيها يضع اللبن في إناء زجاجيّ، ويضع الإناء وسط مائدة الطعام ثمّ يقول لأبنائه: "امسحوا بأرغفتكم على جدار ذلك الإناء الزجاجيّ كي تشعروا بأنّكم طعمتم خبزاً ولبناً".
وفي أحد الأيّام سافر الأب، بعد أن وضع الإناء الزجاجيّ في صندوقٍ وقفل عليه، وحينما أحسّ الأبناء أنّ أباهم لم يأت إليهم، كانوا يمسحون بأرغفتهم على قفل ذلك الصندوق، وحينما جاءهم الأب، وعرف منهم ما فعلوا، أمسك بعصا له وبدأ بضربهم على رؤوسهم وهو يقول: "ألم تصبروا يوماً واحداً تأكلون فيه خبزاً بدون لبن؟".
إنّ الحياة إذا علتها مسائل البخل، فاقرأ عليها وعلى صاحبها السلام، ولا نعتقد أنّ أحداً منكم يرضى بفعل ذلك البخيل الوضيع؛ إنّه مسلوب الراحة، مسلوب النوم، وقد يسأل أحدكم: "وكيف تكون الحياة مقرونة بالراحة؟"، فنقول له: "إذا تمكّن الإنسان من الطعام الاعتياديّ، وكان له مسكن ولباس كافيان، عدَّ ذلك الإنسان ممّن يعيش حياةً لا تخلو من الراحة، شريطة أن يكون قانعاً غير مقترٍ ولا مسرف". قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "أقلّ الناس راحةً البخيل"(2).

* "رزقك الله حدّ الكفاف"
ذكرت إحدى الروايات أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وبعض الأصحاب مرّوا براعي إبل، فبعث صلى الله عليه وآله وسلم يستسقيه، فامتنع الراعي من أن يعطي شيئاً، عندها قال الرسول صلى الله عليه وآله وسلم: "اللهمّ أكثر ماله وولده"، وبعد ذلك وصلوا إلى راعي غنم فاستسقوه، فما كان منه إلّا أن سقى الجميع حتّى ارتووا وبعث إلى النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم بشاة خاصّة، فقال الرسول صلى الله عليه وآله وسلم: "اللهمّ ارزقه الكفاف".
فقال أحد الأصحاب: دعوتو للذي ردّك بدعاءٍ عامّتُنا نحبّه، ودعوت للذي أسعفك بحاجتك بدعاءٍ كُلّنا نكرهه؟! فأجاب صلى الله عليه وآله وسلم: "إنّ ما قلّ وكفى خيرٌ ممّا كثر وألهى، اللهمّ ارزق محمّداً وآل محمّد الكفاف"(3).

* بساطة العيش
إذا أراد الإنسان أن يحيا حياة هانئة رغيدة، عليه أن يجرّب البساطة في معيشته بدون تكلُّفٍ ولا غشٍّ ولا عبوديّة، فالبساطة يمكن أن تجعل جميع أوقات الرجل والمرأة سعيدة ومفيدة.
 

(*)الأخلاق البيتيّة، الشيخ حسين مظاهري، الفصل الثاني (2): تجهيز البنت- بتصرف.
(1) بحار الأنوار، المجلسي، ج75، ص346.
(2) (م.ن)، ج70، ص300.
(3) الكافي، الكليني، ج2، ص141.

أضيف في: | عدد المشاهدات: