خطوات لطفلك على طريق القناعة بساطة العيش في سيرة العلماء شعاع المحبّة رحل العالِم المربّي في جوار العقيلة(2) قصة: قبل أن يصلوا إلى ظلِّ "محمّد" فقيد العلم والجهاد: حارس المسيرة(*) تحقيق: صافي دربٌ عانق السحاب احذر عدوك: صدورهم وعاءٌ لسرّ الله حكايا الشهداء: "إنّي أرى نور الشهادة بين عينيك"

بساطة العيش في سيرة العلماء

الشيخ عامر التركماني

 



عندما يؤذّن فجر يوم جديد، تحسب أنّ الزمن لا يعود إلى الوراء. تتجاوز بذلك الأفكار السوداء واللحظات الحزينة كلّها. ولكن تبقى مشاهد المعرفة يتمسّك بها الحاضر لقداستها وشرفها ورفعتها، ويأتي بها لتبقى أولى الصفحات. تجسّدت مشاهدها بقومٍ سلِ الجدران عنهم، فقد أنارت لأهل السماء، سل مساجدهم التي اشتاقت إليهم تبكيهم وقت السحَر، سلِ العباءة القديمة البالية ودُورَهم الصغيرة الخالية، تحدّثك أخبارها بأنّ ربّك أوحى لها بأنّهم أولياء الله.

في هذه المقالة نقدّم للقارئ الكريم بعضاً من قصص علمائنا الأعلام، بهدف تسليط الضوء على طريقة عيشهم وزهدهم في هذه الدنيا.

1- الإمام الخمينيّ قدس سره
•مكتبٌ متواضع
يصف البروفسور "حامد الكار" مكتب إمام الأمّة ومفجّر الثورة الإسلاميّة الكبرى التي أذلّت الطغاة في العالم الإمام الخمينيّ قدس سره: "إذا ما تسنّى لك الحضور إلى مكتبه والوصول إلى محلّ إقامته، تراه جالساً على الأرض بكلّ بساطة وتواضع، وقد وُضعت أمامه طاولة صغيرة.. هذا كلّ ما في مكتب آية الله الخمينيّ قدس سره"! مَن منّا كان يتخيّل أنّ هذه الثورة تفجّرت من مكتبٍ ليس فيه سوى طاولة صغيرة تسمح له بالكتابة عليها وهو جالس على الأرض؟!(1).

•حقيبة شبه فارغة!
أمّا في اليوم الذي غادر فيه الإمام قدس سره النجف متوجّهاً إلى الكويت، فيقول حجّة الإسلام "فردوسي بور": "رأيتُ الزهد الحقيقيّ.. حين نادى سماحته ابنه أحمد قائلاً: (أحمد، أعطني ملابسي...)، وعندما فُتحت الحقيبة، لم يكن فيها سوى عباءة وجبّة وثوب وسروال ومنشفة لا غير... على الرغم من المبالغ كلّها التي كانت تصله، ليس لديه من متاع الدنيا غير هذه الأشياء البسيطة"(2).

•"لستُ بحاجة إلى سيّارة"
"أهدى أحد الإيرانيّين المحبّين الإمامَ قدس سره سيارة حينما كان في العراق.. فرفضها الإمام قائلاً:

(أنا لست بحاجةٍ إلى سيّارة.. سأبيعها وأنفق ثمنها على احتياجات طلبة العلوم الدينيّة)"(3). هذا ما نقله حجّة الإسلام فرقاني في سياق حديثه عن زهد الإمام الخمينيّ قدس سره.

2- الإمام القائد السيّد عليّ الخامنئيّ دام ظله
•يذهبون إلى المستشفى العامّ
يروي طبيب يعمل في أحد المستشفيات العامّة (الحكوميّة) في إيران: "كنتُ أستقبل المرضى في أحد الأيّام لمعاينتهم في مستشفى "جمران" بطهران، حينما دخلت امرأة برفقة ولدها، وأثناء المعاينة، لفتَ نظري شَبَه الشاب الشديد بالإمام القائد دام ظله، فسألتُ والدته: هل أنتم من أقرباء السيّد القائد عليّ الخامنئيّ؟ فأجابت المرأة: (نعم، أنا زوجته)! فتعجّبتُ كثيراً، وسألتها: ألا يوجد لديكم طبيب خاصّ للعائلة؟ أجابت: (لا؛ فالسيّد لا يرضى بهذا الأمر، ويوصينا دائماً بأن نكون مثل عامّة الناس الذين يراجعون الأطبّاء في المستشفيات)".

•مسؤول عاديّ
نقلاً عن أحد المرافقين، خلال زيارة السيّد القائد دام ظله للأهواز، يقول: "عندما كنّا برفقته، أوصانا السيّد منذ البداية بإحضار سيّارتين فقط، ولكن عندما خرجنا من الأهواز، تبعتنا عشر سيّارات تقريباً دون أن نعلم، فواصلنا مسيرنا، ولكن السيّد الخامنئيّ دام ظله التفت للسائق قائلاً: (توقّف)، ثمّ التفت إليّ وقال: (اذهب وأمر السيّارة الثانية وما بعدها بالعودة إلى الأهواز، أو إذا أرادوا المجيء فليذهبوا وحدهم، ولا مبرّر لأن يتبعونا.. فمسؤول عاديّ مثلي يكفي أن يحرسه اثنان بسيّارة أو سيّارتين فقط، وسوف نلتقي بهم هناك إن أرادوا المجيء، وإلّا فلماذا يأتون؟)".

•سجّادة قديمة بالية
وفي صورة أخرى من صور الزهد البارز في حياة الإمام القائد دام ظله، يروي أحد المقرّبين الذين كانوا يعرفونه قبل الثورة وكان قد زاره في بيته آنذاك، يقول: "دخلتُ عليه منذ فترةٍ قليلة، فوجدتُ السجّادة، التي جلبتها زوجته من جهازها حين الزواج من القائد قبل عقود من الزمن، ما زالت موجودة في بيته هذه المدّة الطويلة كلّها على الرغم من قِدَمها وتفكّك خيوطها".

•الكنبة الجديدة
يروي آية الله الشيخ محسن القمّي(4) أنّه، ومنذ مدّة، أصيب الإمام الخامنئيّ دام ظله بآلام في ظهره، فمنعه الطبيب من الجلوس على الأرض، فطلب من أحد الإخوة مساعدته في الحصول على كنبة وإرسالها إلى البيت. ولمّا عاد القائد إلى البيت، لم يجد الكنبة، فسأل عنها فقيل له إنّ زوجته منعتهم من إدخالها إلى البيت، فسأل زوجته عن ذلك، فقالت له: "لقد عملتم في مجالات عديدة منذ انتصار الثورة، وتبوّأتم مناصب كثيرة: عضو مجلس شورى، ورئيس المجلس الأعلى الثقافيّ، ورئيس جمهوريّة، وغيرها، ولم نجلس على الكنبة، فالآن لا نريدها أيضاً". فقال القائد دام ظله: "أنا لم آتِ بها إلّا بعد أن منعني الطبيب من الجلوس على الأرض، وإذا لم آتِ بها إلى المنزل، فسيجعلني ذلك مضطراً إلى البقاء في المكتب أكثر لساعة أو ساعتين في اليوم"، فقالت زوجته: "إن كان الأمر كذلك، وطالما سنحصل على فرصة الجلوس معكم أكثر، فأنا أقبل"، فأدخلت الكنبة. ويقول الأخ الذي أحضر الكنبة إنّهم لم يشتروا الكنبة من محلّات المفروشات الجديدة، بل كانت مستعملة، وقد قمنا بإصلاحها ثمّ أحضرناها(5).

3- السيّد الشهيد محمّد باقر الصدر قدس سره
•العباءة الثمينة
أهدى تاجرٌ عراقيّ يوماً عباءةً باهظة الثمن إلى السيّد الشهيد محمّد باقر الصدر قدس سره، وقد كان في المجلس أحد الطلبة، فعندما خرج هذا التاجر، أهدى السيّد الشهيد تلك العباءة إلى ذلك الطالب. لم تكن المرّة الأولى التي كان السيّد يقوم فيها بذلك، لطالما كان إذا أُهدي شيء إليه، أنفقه على المحتاجين. مع الإشارة إلى أنّ زوجته السيّدة أمّ جعفر ذكرت لإحدى الوسائل الإعلاميّة أنّه يوم زواجها من السيّد الشهيد اكتشفت أنه يملك صايةً (لباس العلماء) واحدة فقط!

•"سوف أجعلها مدرسةً للطلبة"
كان السيّد الشهيد قدس سره يتنقل بسيارات الأجرة العامّة، ولم يكن في بيته من الأثاث والأواني حتّى ما كان يحتويه أفقر البيوت أو ما تملكه أفقر العوائل العراقيّة آنذاك.

يُروى أيضاً أنّه كان يسكن داراً في الكوفة مساحتها 600 متر مربّع، قيل إنّه تركها لسَعَتها، ولكونها لا تتناسب مع عالم يُفترض أن يكون أسوة لتلامذته، وأنّه أبى أن يشتري داراً، وحين كان يُعرَض عليه ذلك من قِبَل التجّار المؤمنين، كان يرفض دائماً ويؤكّد أنّ بيته يكفيه، ثمّ يقول: "إذا وهبتموني داراً، فسوف أجعلها مدرسة للطلبة!".

4- السيّد محمّد حسين الطباطبائي قدس سره
•صنفٌ واحدٌ يكفي
في مقابلة أجرتها مجلّة "زن روز" مع السيّدة نجمة السادات كريمة السيّد الطباطبائي، ذكرت أنّ السيّد قدس سره "كان يعيش حياة اجتماعيّة عاديّة جدّاً أو أقلّ. كانت حياته كحياة سائر الطلبة. وكان لا يحبّ الإسراف في شيء، خصوصاً في الطعام، فقد كان لا يتناول إلّا صنفاً واحداً على المائدة".

•يخدم نفسه بنفسه
وتضيف كريمته: "كان قدس سره يقوم بأداء أموره الشخصيّة في البيت بنفسه، فقد كان يسبقنا لترتيب مكان نومه، وينظّف غرفته بنفسه، ويتسابق مع والدتي في ذلك، حتّى في أواخر أيّامه عندما كان مريضاً، لم يرضَ أن أخدمه. وعندما كنتُ أزوره، كان يصرّ على أن يحضر لي الشاي بنفسه"(6).

5- آية الله الشيخ محمّد تقي بهجت قدس سره
•لماذا لا يوقد المصباح؟
يقول آية الله الشيخ عباس القوجاني: "في ليالي النجف المظلمة، كان آية الله بهجت يتناول طعام العشاء بمجرّد غروب الشمس، ويتوجّه إلى النوم، ولا يوقد المصباح للمطالعة أو الدراسة، فظننتُ أنّه يرقد في أوّل الليل ليستيقظ ساعتين أو ثلاث ساعات قبل أذان الصبح، ولكن بعد ستّة أشهر تقريباً عرفت أنّ الشيخ لم يكن عنده وقود للمصباح يكفيه لذلك، وكان يكتم هذا الأمر عن الجميع، فقد كان قدس سره لا يشتري شيئاً بالسَلَف (أخذ السلعة مع تأخير ثمنها)".

قومٌ كأنّهم رجل واحد، فكر واحد، وعقيدة راسخة استطاعوا التمييز بين الهدف والوسيلة، كانوا وما زالوا بمثابة رسائل علميّة عمليّة، حتّى أحبّهم إله الكون، ومن شدّة حبّه لهم، رفعهم إليه، جعلنا الله معهم في جنب محمّد وآله الطاهرين، والحمد لله ربّ العالمين.


1.سراج القلوب (خواطر وذكريات من سيرة الإمام الخميني قدس سره، ص114.
2.(م.ن)، ص114.
3.(م.ن)، ص113.
4.عضو مجلس خبراء القيادة ومسؤول العلاقات الدولية في مكتب الإمام الخامنئي دام ظله.
5.من لقائه مع إدارة جمعية المعارف.
6.موقع مجلة "زن روز" الإيرانية.

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليق جديد

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع