قرى صامدة النتائج الدنيويّة لخذلان الإمام الحسين عليه السلام أخلاقنا: المُجاهد من جاهد نفسه تقرير: "تعرف في وجوههم نضرةَ النّعيم" احذر عدوك: كتمان السرّ في بُعدَيه الشخصيّ والإلهيّ وسائل التواصل الاجتماعي تلتهم وقت القراءة موظفي المكاتب: أنقِذوا عقولكم! قلة النوم كالتدخين "غوغل" تُحارب روسيا وإيران اللحم المشوي على الفحم

منبر القادة: صدقوا... فأُجيبوا(2/2)

الشهيد الشيخ راغب حرب


لا يُنزل الله النصر إلّا عندما تتوفّر مقدّماته، فهو لا يُنزله على إنسانٍ غير قادر على تحمّله؛ لئلَّا يكون الأمر عليه عسيراً ومتعباً. فإذا وهبتك شمعة، وليس عندك طاولة تضعها عليها، أو بيت تضع فيه الطاولة، وطلبت منّي أن أعطيك طاولة، وأن أبني لك بيتاً، فسوف تكون المسألة أكثر صعوبةً وطرافةً.


*سنن الله
أليس هنالك مثل مضحك، يقولون فيه: إنَّ إنساناً وجد نضوة، فأحضرها، وهو مهتم بها، فلما سُئل عن ذلك، قال: أنا أحتاج أيضاً إلى الفرس، وإلى ثلاث نضوات؟!
إنَّ الإنسان الذي يسير خلافاً لسنن الله، لا ينزل الله عليه شيئاً.
يُنزل الله الحياة على الجسم الذي يستحق أن يتفاعل معها، ويُعطى النبات للأرض القادرة على أن تحملها.
لقد ذُكرت قصَّة بني إسرائيل في القرآن الكريم مرَّات كثيرة، ولكن هل تعرفون أهم سرٍّ أو حكمة يريد الله أن نعلمها من خلالها؟

الله تعالى يريد أن يُظهر لنا أنَّ بني إسرائيل هم الوحيدون الذين فضّلهم، ونزّل عليهم النصر بلا سبب ولا مقدمات، فعندما يقول: ﴿فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ (البقرة: 122)، لا يقصد أنَّهم أفضل من كل بني آدم، وإنما فضّلهم، ونصرهم بدون قواعد النصر الإنسانيّة المعروفة. لقد كانوا محكومين لفرعون وآله، وكانوا لا يحلمون بالحرية، ولكن جاء نبي الله فجأة، وبصورة معجزة، أقامهم وأخرجهم وجعلهم أحراراً؛ إذْ أبطل السحر بعصاه، وأغرق فرعون، وسقى قومه ماء، وأوصلهم إلى بيت المقدس.


*اذهب أنت وربُّك فقاتلا
وكانت النتيجة أَنْ نقلهم من بيت الاستعباد في مصر إلى بيت عزِّهم في بيت المقدس، وقال لهم: ادخلوا بيت المقدس، واسكنوه. فالله يأمركم بذلك، وإذا سكنتم، فسوف تصبحون ملوكاً على أنفسكم، وتخرجون عن كونكم محكومين لملوك آخرين، ويعدكم الله بأنه سوف يرسل عليكم أنبياء باستمرار، يدلونكم على طريق الصواب؛ لئلَّا تخطئوا، ولكنَّهم قالوا: ﴿إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا حَتَّىَ يَخْرُجُواْ مِنْهَا فَإِن يَخْرُجُواْ مِنْهَا (المائدة: 22)، بمعنى أنَّ في هذه الأرض جماعة أقوياء، ولكنّ مؤمناً واحداً بينهم قال لهم: ادخلوا عليهم الباب، وقاتلوهم، فقالوا: لا، ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلاَ إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ (المائدة: 24).
والحكمة من هذه القصة أن الله نزّل عليهم النصر، ولكنهم لم يقدروا على حمله.


*هل نستطيع تحمّل النّصر؟
عندما نشتغل بطريقة عكسيَّة، قد يُنزّل الله تعالى علينا النصر. لا مانع من ذلك؛ لأنَّ رحمته واسعة، وهو قادر على أن ينزل النصر، وليس صعباً عليه أن ينزل معجزة، ولكن من يستطيع أن يتحمّل مسؤولية هذا النصر؟ وهل المطلوب أن يبقى الله سبحانه وتعالى حاملاً النصر وحده؟ إذاً، ما هو دوركم؟ وأين هي خلافتكم في الأرض؟ وما قيمة وجود هؤلاء الخلفاء في هذه الأرض، والشهداء على الناس الذين لا يقدرون على أن يصنعوا ظروفاً للنصر، ولا أن يحملوا نصراً أنزله الله تعالى عليهم من دون أن تكون لهم يدٌ فيه؟!
صحيح أنَّ النصر هو من عند الله، ولكن يجب أن يكون بعمل، وإلّا فإن الله تعالى قادر، ومن دون أن تتعبوا طوال النهار والليل، يستطيع أن ينزل لكم تفاحاً من الجنة، غير أنَّه أحبّ لكم أن تزرعوا لأسباب لا أريد أن أدخل في بحثها الآن.


*اصنعوا أسباب النصر
أنتم تصنعون الأسباب، ليعطيكم الله الرزق بعد السعي، وكل الكلمات التي تحكي غير ذلك هي كلمات غير إسلامية. قلت لكم: توجد أمور كثيرة لا علاقة للإسلام بها، وهي حرام، ولكنَّهم ألبسوها لبوس الإسلام، بل ربَّما تكون كفراً وإلحاداً.
لقد أخبرتكم، ذات يوم، أن إنساناً كان لا يأكل؛ ليكون ناسكاً وزاهداً، وكان يعتقد أنه بذلك يقوم بعمل جيّد يدخله إلى الجنة، ولكن هل هذا هو العمل الجيّد الذي يُدخل إلى الجنة؟ ألا يوجد غير هذه الطريقة؟
إن الله لم يجعل الجنّة لمثل هذه الأعمال الصغيرة، فالجنة لا تؤتى إذا "سيّج" أحد ما جبّانة، أو بنى قبراً، أو حصد العشب من أطرافه، وإنَّما هناك أمور أخرى تُدخل إلى الجنة.
هناك مفاهيم دخلت في الإسلام، وهي لا تمتّ إليه بصلة، ولكن لا إشكال في أنَّ النصر من الله، ولكن ينبغي لك أن تُهيّئ له الظروف والشروط، لتحتمله عندما ينزّله الله عليك.


*العزّة قوانينها إلهيّة
﴿وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ اللّهِ (الأنفال: 10)، فهذه الحكمة هي التي يريد الله أن يعلنها للمؤمنين، يقول لهم: أمِّنوا شروط النصر التي تقدرون عليها، وسوف أُنزّله عليكم. ألم تعلموا أنكم كنتم حوالي ثلاثمائة رجل، ومعكم سيوف أكلها الصدأ، وأنتم تمشون حفاة على هذه الطريق، ثم نصركم الله على سادة قريش، وأبطال الميدان، وخبراء القتال... لأنكم أمّنتم شروط النصر؟!
ولماذا جاء تعبير الله بأنَّه العزيز الحكيم في قوله: ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ اللّهِ إِنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (الأنفال: 10)؟ إنَّ هذه الأمور القرآنيَّة ذات قيمة عظيمة، فكلمة العزيز تدلّ على أنَّ الله تعالى لا يرضى للمؤمنين الذل، هذه هي حقيقتها.
أيها المؤمنون، عندما تؤمّنون ظروف النصر، سوف يعزّكم الله أيضاً؛ فهو عزيز، ويجب على عباده أن يكونوا أعزّة، ومن كان أكثر قرباً إليه، كان أكثر عزّة، ولكنه حكيم، فليست العزّة متوزّعة بلا قانون، وإنَّما هي خاضعة لضوابط دقيقة. إذاً، سيروا وفقاً لقوانين العزّة، واصنعوا شروط النصر، ينزلهما الله عليكم.

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليق جديد

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع