مع الإمام الخامنئي: الإنتاج عنوان العزّة من أسرار الغيبة والوعد الإلهي (5)(*) ثلاثون عاماً مباركة أخلاقنا: أيّها الـزوجان.. تنـازلا(*) مناسبة: زيارة الأربعين.. ولو من بُعد مناسبات العدد قصّة: كأبيه عليّ عليه السلام مجتمع: أرضــــــي (تجربة خاصّة) أوّل الكلام: ثلاثون عاماً من الحبّ والعطاء قراءة في كتاب: مشاهد من سيرة الشهيد الجامعي محمّد حسين جوني

هواجس تبني الشباب

ورد عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "إنَّ أحبَّ الخلائق إلى الله عزَّ وجلَّ: شابٌّ حَدَثُ السنّ، في صورة حسنة، جعل شبابه وجماله لله وفي طاعته، ذلك الذي يباهي به الرحمن ملائكته يقول: هذا عبدي حقاً"1.

الشّباب مرحلة عمريّة مثيرة، تمتدّ من سنّ البلوغ إلى حدود الأربعين تقريباً. ولعل من أبرز خصائصه الطّاقة الماديّة والنّفسية والذّهنية الكامنة، والحيوية والقوة والنشاط، مع ما يرافق ذلك من استعدادات وقابليّات وأحلام وآمال وطموحات... إن الأمّة التي تتطلّع بأمل وجدّية وثقة لمستقبل واعد، هي الّتي تحرص على رعاية هذه الفئة العمرية بالتّوجيه والتّربية والتّعليم، من خلال بحث معرفي موضوعي عن خصائصها وحاجاتها وآفاقها، كطريق رئيس لتوسيع معارفها، وتنمية قدراتها، وتعميق خبراتها... والهدف الكبير من كل ذلك هو إنتاج عناصر شبابيّة مثقفة، صالحة، واعية، منتجة... تنعش الحياة بدم جديد يبعث الأمل ويجدد التجربة، وينشر الإبداع، ويكرّس الابتكار. فالشابّ هو احتياط الأمّة، وهو قوة الحاضر، وعدّة المستقبل.

* عناية الإسلام "خاصة" بالشباب
وانطلاقاً من فاعليّة الشّباب، وخطورة دورهم أولاهم الإسلام عناية خاصة تدعو إلى دراسة واقعهم بخصائصهم العمرية، وحاجاتهم الأساس، وقدراتهم المتنوعّة، وهواجسهم المتفاوتة، وطموحاتهم المستقبلية، من أجل أن نوفّر لهم السّبل التي تدعم قدراتهم، وتؤكد ثقتهم بأنفسهم واعتمادهم على ذواتهم. ويكون ذلك بتأمين فرص التعلّم في بيئات تربوية نظيفة تتّسم بالطّهارة والبراءة والشّفافية، وتركّز على القيم والأخلاق الفاضلة والمُثل الدينية، التي من شأنها أن تُحصّن الشاب أو الفتاة بالتقوى التي تشكّل الرادع الداخلي، والرقيب الذاتي.

* شابٌّ يحبّه الله تعالى
ثم إنّ صلاح الشباب وفسادهم يعود إلى طبيعة الظروف البيئية التي أحاطت بهم، والأنماط التربوية التي خضعوا لها في مراحل حياتهم، فالشاب الذي انطلق من تربية روحية تركّز على العقل دليلاً إلى العقيدة، والقلب مستودعاً للإيمان، والعلم طريقاً إلى السلوك، والتّجربة سبيلاً إلى الوعي، كان من الّذين يُباهي الله تعالى بهم الملائكة، فيقول: "انظروا إلى عبدي، ترك شهوته من أجلي"2، وكان من الذين يحبّهم الله تعالى، كما ورد على لسان رسوله  صلى الله عليه وآله وسلم: "إنّ الله تعالى يُحبّ الشاب الذي يُفني شبابه في طاعة الله تعالى"3، وكان أيضاً من الّذين تكون آمالهم وهواجسهم منطلقة من الحق والصّدق والوعي واليقين والإخلاص...
أما من انطلق من تربية في أجواء لا تنسجم مع شرف الأخلاق، وقيم الدين، ولا تعيش عمق مفاهيم الحق، كان من الذين لم يظلّهم الله تعالى بظلّه، فسلكوا طريق الضلال، الطريق الذي توجّهه الهواجس الزائفة، وتتلاعب به الأهواء الجامحة، لينسوا من خلالها أنفسهم وربّهم، وينحرفوا عن خطّه وصراطه المستقيم، ليكونوا من الذين وصفهم القرآن بـ ﴿الْأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً (الكهف: 103 ـ 104).

* التربية الوقائية
كلّ هذا الواقع الإنساني يفرض على المربّين اعتماد الأسلوب الوقائي الذي يحتاط بإجراءات صحيّة رادعة، وأنماط تربويّة هادفة، تركّز على احترام إنسانيّة الفرد، وتوفّر الفرص المناسبة لنمو شخصيته بصورة متوازنة، ثمّ تحول دون تسلّل المفاهيم الخادعة بما تثيره من أُمنيات وانحرافات وأباطيل.
من خلال التربية الوقائية التي تحيط الفرد بكل ما يحصّن ويربي، نستطيع أن نعزّز قناعة الشباب بهواجس حقيقية تنسجم مع القيم الروحيّة والأخلاقيّة، والتي من شأنها أن توفّر طمأنينة نفسيّة، ومستقبلاً أُخروياً مشرقاً... وفي المقابل نلاحظ أن الهواجس الزائفة التي تركّز على حبّ الدنيا، وحبّ المال، وحبّ الجاه، وحبّ الموقع الاجتماعي... وغيرها، يمكن أن تحقّق بعض الطموح، وتستجيب إلى بعض الأهواء والمواقع، ولكنها لا تملأ النفس بالطمأنينة المستقرة والمستمرة، بل إنها أساس قلق وتوتّر إزاء كلّ طارئ مفاجئ.

* هواجس إنسانية مفيدة
على هذا الأساس تحرص التّربية الإسلاميّة والمعاصرة على تربية الشاب على هواجس إنسانيّة حقيقيّة مفيدة من جهة، وعلى تقويم بعض الهواجس الزائفة من جهة ثانية، وهذا يفرض مواقف تربويّة خاصّة من أهمها:
1 - إشباع حاجة الشابّ بالمحبّة والثّقة والتّقدير والاحترام.
2 - فتح أبواب الحياة الاستقلالية، ليمارس الشاب مسؤولياته بكفاءة ووعي وثقة.
3 - احترام إنسانيّته وعزّته وعنفوانه، من خلال محاورته بإيجابية، ومعالجة أخطائه بحكمة وصبر ورويّة.
4 - التّربية على التقوى ليؤكد علاقته الوجدانيّة مع الله، ويوثق صلته به، فيركز حضوره في سرّه وعلانيته.
5 - الثقافة الإسلامية التي تصوّب سيره، وتعبّد طريقه، والتي تعمّق العقيدة، وتغرس القيم، وتعالج المشكلات.
6 - الأسوة الحسنة التي ترسم معالم الخط العملي للإنسان المسلم، والتي تقتبس من سيرة الأنبياء والأئمة والصّالحين، والتي تعزز القناعة بواقعيّة الدين، وقدرته على تحقيق الكثير من الآمال والهواجس.

* معالم الشخصية المتوازنة
إنَّ ما يحرص عليه الدّين هو رسم معالم شخصيّة شبابيّة رساليّة متوازنة، تعيش الهواجس الحقيقية القادرة على البناء والنماء، ومن هذه الهواجس:
1 - هاجس التوازن ما بين حبّ الدنيا وحبّ الآخرة: فيلتزم الشاب العبودية لله تعالى أساساً، مؤكداً على الالتزام بأوامر الله ونواهيه من أجل إعمار الكون، والتمهيد للآخرة، ويشرح ذلك الإمام الصادق عليه السلام:
قال له أحدهم: والله إنّا لنطلب الدنيا، ونحبّ أن نؤتاها.
فسأله عليه السلام: تحب أن تصنع بها ماذا؟
قال الرجل: أعود بها على نفسي وعيالي، وأصِل بها، وأتصدق وأحجّ وأعتمر.
فقال عليه السلام: ليس هذا طلب الدنيا، هذا هو طلب الآخرة4.
ويقول الرسول صلى الله عليه وآله وسلم: "لا خير فيمن لا يحب جمع المال من حلال، يكفّ به وجهه، ويقضي دينه، ويصل به رحمه"6.
2 - هاجس حب طلب العلم: على الشاب أن يسعى لطلب العلم، من أجل أن يوسّع آفاقه المعرفية، فيزداد وعياً وثقافة وتجربة، ومن أجل أن يحقّق ذاته ويحرّر عقله من كل أشكال العصبيّة والتخلّف والجهل، ومن أجل أن يساهم في رفع مستوى وطنه وأمّته إلى المكانة التي تنافس الدول والأمم بالإنجازات العلميّة والاكتشافات المتنوعة، كل ذلك حبّاً بالعلم وخدمة للناس، وصدقة جارية تفيده في آخرته.
3 - هاجس الدّفاع عن قضايا الوطن والأمّة: أن يعيش الشاب همَّ أخيه الإنسان، فيحب له ما يحبّ لنفسه، يحمل همّه في حقوقه وواجباته، يرفض ظلمه واستغلاله، ينفعل بمأساته ويسرع لنجدته وإغاثته.
وفي الوقت ذاته يسعى لأن يكون قوياً عزيزاً، ليعيش مسؤولية أمن وطنه، وحمايته وهاجس تقدّمه وتطوره وتوفير حاجات أبنائه.

* مستكبرو العالم يخشَون فعاليّة الشباب
ونظراً لفعالية هذه المرحلة العمريّة وخطورتها على مصالح المستكبرين في العالم، وبالأخصّ إزاء الصحوة الإسلاميّة في العالم، وبفعل الشعارات الجهادية والمواقف البطوليّة الشجاعة، شعر مستكبرو العالم بالخطر يهدد مصالحهم، ويقلّص من هيمنتهم، فانطلقوا إلى تجنيد كل تقنيّات العلم الحديث، وتوظيفها بهدف إحاطة الشباب باهتمامات تتّصل بالجنس والمال والموقع والسّلطة، لتخلق لديهم هواجس أطلقنا عليها اسم "الزائفة"، هواجس وهمية تمنع الشباب من الالتزام بالقيم والاندفاع نحو الإصلاح ومحاربة الفساد، وفي الوقت ذاته تثقّفهم ببرامج دراسيّة، وحلقات إعلامية تزرع في عقولهم مفاهيم تنادي بعزل الدّين وحصره في علاقة روحيّة صوفيّة تترجم في عبادات لا روح فيها، ولا تليق إلا بكبار السن، ثمّ نشر بعض الممارسات الخاطئة لتيّارات دينية تكفيريّة متعصّبة من أجل أن تثير النّفور من كل أمر غيبي لا يلتقي مع العلم والحداثة والإنسانية كما يدّعون.

* أساليب وقائية تحصنهم
وحتى نمنع هذه الهواجس الزائفة من أن تقتحم عقول شبابنا، لتجعلهم يستغرقون في البحث عن طرق سهلة وجاهزة للوصول إليها، علينا أن نحتاط بأساليب وقائية، كما قلنا، تحول دون تسلل آليات الضّعف إلى شخصياتهم، لتأخذ بهم إلى مآزق ومهاوٍ لا تُحمد عقباها، فنحصّنهم بالتقوى، ونشجّعهم على العلم، ونوفّر لهم فرص العيش الكريم، ونؤمّن لهم بيئة تربويّة نظيفة قادرة على أن تفتح آفاقهم على كل حق وخير وصلاح.
لنفتح صدورنا لكل هواجسهم وآمالهم، لنفتح حوارات موضوعية تجيب عن أسئلتهم وتعالج شكوكهم، بأسلوب حكيم، ودليل مقنع، ومواجهة التحدي بمحبة، لنربح عقولهم، ونجتذب محبتهم، ونضمن احترامهم، وعندها نحقق قدرتنا على تصويب أخطائهم وهواجسهم بما يحقق استقامتهم وكمالهم.


1.كنز العمال، المتقي الهندي، ج15، ص785.
2.م.ن، ج15، ص776.
3.م.ن.
4.الوافي، الفيض الكاشاني، ج17، ص40.
5.م.ن، ص38.

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليقاً جديداً

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع