الأبناء ضحايا الطلاق من القلب إلى كلّ القلوب: فمن زحزح عن النار(*) تسابيح جراح: بلسم جـــراحــي(*) مكافأة ماليّة لمن ينجب مولوداً ذكراً! لماذا لا يسمنون؟ رحلات سياحيّة إلى الفضاء خطوات لطفلك على طريق القناعة بساطة العيش في سيرة العلماء شعاع المحبّة رحل العالِم المربّي

شبابٌ على هدي القرآن(*)

آية الله مجتبى الطهراني


دائماً ما نردّد أنّ القرآن الكريم هو دستور الحياة، ولكن كيف يمكن أن نتّخذ فعليّاً من هذا الكنز الثمين والنادر نهجاً ودليلاً ينيران لنا دربنا في متاهات هذه الدنيا المظلمة، فنُقرن بذلك القول بالفعل؟
ما رأيكم لو نضع بين أيديكم مجموعة صفاتٍ سلوكيّةٍ، هي موضع ابتلاء الكثيرين، وخاصّة الشباب، لنتعرّف كيف طرحها القرآن الكريم وعالجها، وما هي الصفات التي تميّز بين المؤمن وغيره؟


1- الاهتمام بالصلاة
من إحدى صفات المؤمن، اهتمامه بالصلاة. وقد ذكر القرآن الكريم في آياته ثلاثة أمور حول صلاة المؤمن:
أ- يقيم الصلاة: ﴿وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ﴾ (البقرة: 3).

ب- يحافظ على صلواته: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾ (المؤمنون: 9).

ج- تعتريه حالات معنويّة خاصّة: فالآية الشريفة بعد أن ذكرت ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ (المؤمنون: 1) تورد الخشوع في الصلاة بعنوانه العلامة الأولى لإيمانهم: ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ (المؤمنون: 2). ويُذكر أنّ ثمّة فرقاً بين الخضوع والخشوع: فالخضوع هو تواضع يظهر من خلال أعضاء البدن، وأمّا الخشوع فهو تذلّل وانكسار باطنيّ. فالإنسان قد يركع ويسجد في الظاهر لله، إلّا أنّ باطنه قد يكون خالياً من الخشوع، فإنّ قيمة الصلاة هي في الخشوع.

2- الإمساك بزمام الشهوة
يمسك المؤمن بزمام شهوته من خلال الإيمان وضبطها وتهذيبها. ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ (المؤمنون: 5-6).

ومن المناسب أن نذكر أنّ "إماتة الشهوة" لم تأمر بها النصوصُ الدينيّة، وإنّما تحدّثت عن الإمساك بزمام الشهوة وعدم إطلاق العنان لها، كعلامة على الإيمان.

فالمؤمن الصائن لنفسه هو أمين عليها لا يخونها؛ لأنّ ترك هذه الشهوة المتمرّدة العاصية هو خيانة للنفس. إنّ المؤمن يتحكّم بأحاسيسه وأعضائه وجوارحه، فبصره وسمعه وحركاته جميعها تحت حكم واختيار العقل والإيمان.

3- الإمساك بالغضب
ثمّة مجموعة مقدّمات تؤدّي إلى تأجّج الغضب، وهي تمثّل أسباباً له. وقد ذكر القرآن الكريم لأجل تجنّب تأجّج نار الغضب جملةً من التوصيات العمليّة:

أ- دفع السيّئة بالحسنة: ﴿أُوْلَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُم مَّرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا وَيَدْرَؤُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ﴾ (القصص: 54). إنّ المراد من كلمة "يَدْرَؤون" أي "يدفعون"، فالمؤمن يدفع السيّئة بالحسنة، وهو بذلك يتجنّب الوقوع في الغضب من خلال إزالته لمقدّمات اشتعاله.

ب- عدم الإصغاء والتأثّر بكلام الجاهلين: ورد في وصف عباد الرحمن: ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾ (الفرقان: 63)؛ أي أنّ المؤمنين يزيلون المقدّمات التي قد تؤدّي إلى اشتغال الغضب، وذلك بعدم إصغائهم إلى كلام الجاهلين.

ج- الاستفادة من الغضب في مورده الحقيقيّ: ليس الغضب مذموماً في جميع الموارد، فبعض الأحيان يستفيد المؤمن من قوّته الغضبيّة في مواجهته للظالمين والتصدّي لهم، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنتَصِرُونَ﴾ (الشورى: 39)؛ "هم ينتصرون"؛ أي يطلبون العون من سائر المؤمنين، فالروحيّة السائدة بينهم أنّهم ينصرون بعضهم بعضاً في مواجهة الظالمين.

وفي الآية اللاحقة ورد: ﴿وَجَزَاء سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا﴾ (الشورى: 40)؛ ففي مورد القصاص لا يجوز تعدّي الحدود التي رسمها الشرع: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ (البقرة: 194).

د- العفو والصفح مع القدرة: يذكر القرآن الكريم أنّ التجاوز والعفو حال الاستطاعة، والإعراضَ عمّا تمليه القوّة الغضبيّة هو أَوْلى ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾ (الشورى: 40). وهذه مرحلة تتجاوز العقوبة، ما لم يؤدِّ الصفح إلى تعدّي المخطئ مثلاً.

4- اجتناب الوقوع في المعاصي: من أوصاف المؤمن أنّه يجتنب الوقوع في الحرام، ويرغب دائماً في القيام بالأعمال الصالحة والحسنة.
قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ﴾ (الشورى: 37).

ذكر كلمة "الفواحش" لتوضيح الفارق بين نوعين من الذنوب:
أ- ذنوب تكون في نظر العرف العامّ مقبولةً كلعب القمار.

ب- وذنوب أخرى واضحة السوء في كلّ المقاييس كالقتل، وتمسّ مكانة الإنسان كالزنا.

هذه الأعمال لها قبح ظاهريّ، وهي "الفواحش". والمؤمن يتجنّب النوعين.

5- محبّة المؤمنين والشدّة على الكفّار: يحدّد القرآن الكريم علاقة المؤمنين، بأنّها يجب أن تكون قائمة على أُسُس المحبّة، والرأفة، والرحمة، والعفو، والصفح... ولا تقوم على أساس محبّة الكفّار، فعلاقة المؤمن بالكافر تتّصف بالغلظة، والشدّة، والسطوة: ﴿محَمَّدٌ رَّسُولُ اللهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ﴾ (الفتح: 29).

6- أمرهم شورى بينهم: والمؤمن في المنظور القرآنيّ لا يتفرّد برأيه وعمله، وإنّما يشاور غيره من المؤمنين. وهذا القانون هو أصل عامّ يحكم العلاقات الاجتماعيّة بين المؤمنين، بحيث لا ينبغي أنْ تُهمل وتُهدر حقوقهم. قال تعالى: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ﴾ (الشورى: 38)؛ و"الأمر" هنا ليس متعلّقاً بالمسائل الشخصيّة، وإنّما هو متعلّق بالمسائل الاجتماعيّة التي تخصّ أفراد المجتمع كافّة.

7- حقّ الرعاية والولاية بين المؤمنين: تدور العلاقة التي تجمع بين المؤمنين حول محورَين أساسيَّين: الأول: المحبّة والرحمة كما مرّ، والثاني: الولاية والرعاية، حيث يتبادل المؤمنون فيما بينهم الرعاية والاهتمام. وتظهر مهمّة الرعاية والإشراف في مستويَين: دفع الضرر، وجلب الخير والمنفعة: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ﴾ (التوبة: 71). و"الوليّ" بمعنى الراعي والمُشرف، وأيضاً قد يشمل معنى المُحبّ.

8- الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: ومن هنا، تصدر أحكام الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في قمع المؤمنين الحريصين على الآخرين، وهو مترتّب على الولاية نفسها. وقد ورد في نهاية سياق الآية السابقة: ﴿يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ﴾ (التوبة: 71)؛ فالأمر بالمعروف هو عمليّة الهداية والإرشاد نفسها، في حين أنّ النهي عن المنكر هو المراقبة كي لا يُبتلى المؤمن بالذنوب والمعاصي -لا سمح الله-. والمؤمنون فيما بينهم في حالة مراقبة ورحمة تامّة، بخلاف المنافقين، فإذا رأى المؤمن أخاهُ المؤمن قد ارتكب خطأً ما أو زللاً، فإنّه يتألّم لذلك، ويحاول تصحيح مساره.

9- طاعة الله وطاعة وليّ الأمر: من الآثار البارزة للمؤمن في علاقاته الاجتماعيّة، طاعته لله وللرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم. ولتوضيح هذا الأمر من الجدير أن نذكر أنّ لدينا نوعين من الأحكام:
أ- نوعٌ يكون رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فيه مبلغ وحي الله وأوامره إلى عباده. وتطبيق هذه الأحكام من قِبل الناس يكون طاعة لله، كالصلاة مثلاً.
ب- نوعٌ لا يكون الرسول صلى الله عليه وآله وسلم فيه مبلّغاً فقط، وإنّما هو مُصدرٌ للأحكام، من قبيل الأمر بالجهاد، وخوض الحروب، والتعبئة السياسيّة والاجتماعيّة في المجتمع، وإجراء الفصل والحكم في القضايا المختلفة.

وبما أنّ الله عز ّوجلّ قد أوصى بـ"أطيعوا الرسول"، فمن المؤكّد أنّ إطاعة الرسول تعود إلى طاعة الله عزّ وجلّ حتماً. ولهذا جاء في تتمّة الآية السابقة قوله تعالى: ﴿وَيُطِيعُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللهُ﴾ (التوبة: 71)؛ أي أنّ المؤمن ليس ملتزماً بتطبيق الأحكام الفرديّة فقط، وإنّما هو مكلّفٌ أيضاً بالمشاركة في المسائل الاجتماعيّة والسياسيّة الخاصّة بالحكم والحكومة، وأنْ يؤدّي التكاليف المتعلّقة به في تلك المجالات.

كانت هذه جملة من الصفات التي صنّفها القرآن الكريم أنّها للمؤمنين. جعلنا الله وإيّاكم منهم.


(*) مقتبس من كتاب: مذهب الأتقياء، آية الله مجتبى الطهرانيّ، ص73-87.

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليق جديد

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع