شابٌّ اتّبع الوصيّة نور روح الله: طهِّر من الأرجاس قلبي(*) مناسبة: 33 يوماً خلف العدسة(2) باحثون إيرانيّون يصنعون ضمّادات تشبه بشرة الإنسان الحل السحري لنسيان المفاتيح "غوغل" وأطفال "التوحّد" نور روح الله: الوضوء طهارة القلب(*) فقه الولي: من أحكام صلاة الجماعة(1) إضاءات فكريّة: القيم الإنسانيّة في الإسلام(*) مناسبة: البقيع: قبابٌ من نور

شابٌّ هذّب نفسه

الشيخ نبيل أمهز

الشباب مرحلة عمريّة مهمّة جدّاً، وهي من ركائز البُنية الإنسانيّة للذكر والأنثى، باعتبار أنّها المرحلة التي تنمو معها الشخصيّة، وتتفتّح النفس على خصال وصفات تؤثّر فيها عوامل التربية الأسريّة وكوامنها، والبيئة من الصُحبة والمعاشرة بالمخالطة. لذا كانت هذه المرحلة من المراحل التي يُسأل عنها الشاب والشابة. سيحاول هذا المقال الإضاءة على أسئلة الشباب في تنمية الجانب الروحي والمعنوي الأخلاقي.

•ما هي أهمية مرحلة الشباب ودورها في تشكّل شخصية الإنسان؟
إنّ مرحلة الشباب بحدَّين، إمَّا أن تُرَقي وإمّا تُسافِل، وذلك بسبب الرغبة الجامحة لتحرر النفس من محدودية الطفولة والمراهقة، والخروج إلى شيءٍ من الاستقلال والحرية، ولهذا، تجمح النَّفس إلى التمرد والطغيان، أو ترغب في الاستقرار والهدوء حيث السكينة في ظلّ رعاية القرب من الله تعالى وطلب رضاه بالتقويم. ورد في الحديث: "لا يزال العقل والحمق يتغالبان على الرجل إلى ثماني عشرة سنة، فإذا بلغها غلب عليه أكثرهما فيه"(1).

وفي بعض الروايات إشارة لطيفة إلى المراحل العمريّة، وهي تسمّي الشاب بالوزير: "الولد سيّد سبع سنين، وعبد سبع سنين (أي تابع لوالديه)، ووزير سبع سنين"(2). والرواية تحثّ على إعطاء هذه المرحلة العمريّة حقّ الاستشارة والمشاركة في القرارات، وذلك مراعاةً لأحاسيس الشاب، ولتدريبه وتقوية جانبه، كما أنّه بهذا الأسلوب يتعرّف على ضغوطات الحياة والاحتياجات، ويتعوّد المسؤوليّة الجدّيّة التي ترفعه إلى مستوى الكفاءة والاهتمام بالأمور المطلوبة في هذه الحياة، وهذه جميعها تُنْضِجُ في الشباب روح المسؤوليّة والهدفيّة، التي تُنتج سلوكاً متوازناً، وبالتالي شخصيّة متوازنة وسويّة.

•ما هي أهمّ صفات مرحلة الشباب ومميزاتها التي تساعد في تهذيب النفس؟
من صِفات هذه المرحلة وأخطرها سرعة التقلّب، وقلّة الخبرة، والتعرّف على أمور واحتياجات جديدة تِباعاً، وهنا ما يحفّز القِوى الشهويّة، وقد تصل إلى خيالات بعيدة عن الواقعيّة والجدِّية في الحياة، ولهذا، فإنَّ هذه المرحلة مرحلة وسطيّة بين الإعداد، والتربية، والثبات، والقيادة للنَّفس.

أحسن ما يُقال فيها، ولِمن يعمل على رعايتها من الأباء والأمهات، كلام للأمير عليه السلام : "إنَّ النَّفس لجوهرة ثمينة من صانها رفعها، ومن ابتذلها وضعها"(3). فهي تحتاج إلى رقابة شديدة، ونصائح، ومراقبة، وعناية، وذلك لعدم تجذّر الخِصال والصفات النفسانية، حيث يسهل فيها تبديل الصفات من رذيلة إلى فضيلة، ومن تسرّع إلى هدوء؛ فإنَّ رِقّة الشباب، وسرعة الدمعة، والتبدّل والتغيّر غالباً ما تقوي المقام القلبيّ للتعلّق بالله تعالى والانتماء إليه، عن طريق التزوّد بمعارف، وعلوم، وتجارب، وممارسات الصالحين والمستقيمين. وهذا يرتّب مسؤوليّةً تجاه الله تعالى بحيث يُسأل الشاب، الذكر والأنثى، عن عمر الشباب فيما أبلاه يعني أين وكيف أنفق هذا العمر.

•هل للمعرفة دور في بناء شخصيّة الشباب؟
المعرفة كالدواء، وإنّ النفوس ميّالة إلى اللعب واللهو، وجذبها نحو العلم والمعرفة يفتح لها رغبات وسعادات من نوع آخر هي أبقى وأدوم، ومثالها الأعلى في الفضائل محمّد وآل محمّد عليهم السلام ، والشباب الصالحون والعاملون بما ينفع ويفيد، فعن الأمير عليه السلام : "النفوس طِلقةٌّ، لكنّ أيدي العقول تُمسِك أعِنَّتَها عن النحوس"(4). والمعرفة باب مهمّ لتقويم النفس. فعندما نطالع ونقرأ بطريقة هادفة، ونستمع إلى بعض الآيات، والروايات الشريفة، والقصص التي تعبّر عن فوائد ومعارف أخلاقيّة وسلوكيّة، فإنَّ ذلك يساعد كثيراً على معرفة النفس، وفي الرواية: "أعرفكم بنفسه أعرفكم بربّه"(5).

•مع كثرة المعاصي التي تغزو مجتمعاتنا، كيف يمكن تحصين النفس خاصّة في مرحلة الشباب؟
إنّ هذه الفترة الزمنيّة والْمُنحة العمريّة هي فترة توظيف الطاقات وتوجيهها بالشكل الذي يليق بمعاني إنسانيّة الإنسان وحفظها من الخروج عن طريق الاستقامة، وذلك بالمراقبة الدقيقة والمجاهدة الحثيثة، فالخير كلّ الخير في معرفة ما ينفع وما يضرّ، خصوصاً في هذا الزمن الذي سهل فيه التواصل عبر وسائله المتنوّعة، والتي فيها من غرائب المغريات والمفاسد بدواعي التقدّم، وعدم التحجّر والتخلّف، فإنَّ معرفة ميزان ما يجوز وما لا يجوز هي من أهمّ موارد الحماية؛ فالنظر، والسماع، والتكلّم كما هو بالمشافهة والمواجهة، كذلك يحصل عبر التواصل، فالحرام حرام والحلال حلال، وقد ورد في الحديث "المعرفة نور القلب"(6). وهذا يعني أنَّ الرؤية الواضحة من أعمال العقل، وبذلك الوصول إلى طهارة القلب والمحافظة عليه، وعن أمير المؤمنين عليه السلام : "العقل يهدي ويُنجي والجهل يُغوي ويُردي"(7).

•ماذا عن وضع برنامج ممنهج للحياة؟
إنّ الهدفيّة والإنتاجيّة لا يتحصّلان إلّا ببرنامج منظّم، للعبادة وللنفس أيضاً، عبر:
1- تقسيم الأوقات وإعطاء كلّ وقت حقّه، فإنَّ ذلك يحفظ النفس ويقوّيها.
2- استثمار المعرفة كحارس وحافظ للسلوك.
3- ممارسة العبادة في وقتها، وبشروطها.
4- تركيز الحضور القلبيّ في العبادات تدريجيّاً، ولذلك تأثيره وتقويمه في النفس، ويدفع نحو الرقيّ بالعلاقة مع الله تعالى، ويعطي الثبات والصلابة الروحيّة القلبيّة العالية.
5- التسلية الهادفة والمفيدة، حيث تجدّد النشاط، وتوظّف الطاقات بما ينفع ويفيد، فالإمام الشامخ قدس سره كان يوصي بالرياضة، والسيّد الخامنئيّ دام ظله يؤكّد في كثير من كلامه على المطالعة، والرياضة، وحضور الأفلام الهادفة والمربّية، والحذر كلّ الحذر من الإعلام المضادّ الهادم للثقافة الولائيّة.
6- الأنس بالقرآن الكريم، فله دوره، وخصوصاً التفسير كتفسير الأمثل.
7- الاهتمام بالدعاء وقراءة كتب الأدعية، تحديداً الصحيفة السجاديّة، ودعاء كميل، ودعاء التوسل، ودعاء زمن الغيبة، ودعاء العهد الصباحيّ، وغيرها، ولكلّ منها أثره التربويّ الخاصّ.

•ما هي أبرز الكتب الأخلاقية التي لها أثر سلوكيّ؟
إنّ للكتاب أثره السلوكيّ أيضاً، ومن أهمّ الكتب على المستوى العقائديّ العلميّ ما كتبه الشيخ المقدّس الشهيد مطهّري M، وعلى المستوى الأخلاقيّ السلوكيّ ما كتبه الشهيد آية الله السيّد عبد الحسين دستغيب M، وأروع ما كُتِبَ في هذا "القلب السليم"، و"الذنوب الكبيرة"، وأعلاها سلوكاً ومعرفة "الأربعون حديثاً"، و"جنود العقل والجهل" للإمام الشامخ روح الله الموسوي الخمينيّ قدس سره . وأستطيع القول إنّ كلّ كتاب أخلاقيّ، وسلوكيّ، وعقائديّ لعالِم من العلماء فيه الكثير من الفوائد والمنافع العظيمة.

كما أوصي بمتابعة إصدارات مركز نون للتأليف والترجمة، وإصدارات دار المعارف الحِكَميّة، فإنَّ فيها من الكتب والدراسات الهادفة الشأن العظيم، ومنها التي تتكلّم عن حياة أهل البيت عليهم السلام .

•كيف نقدّم أهل البيت عليهم السلام للشباب والشابّات؟
أوّلاً: إظهار علومهم ومعارفهم، والتعرّف عليها بالشكل الذي يتناسب والمراحل العمريّة.

ثانياً: إظهار قصصهم ووقائعهم التي تبيّن فضائلهم ومكارمهم، فقد جاء عن الإمام الرضا عليه السلام : "فإنَّ النَّاس لو علموا محاسن كلامنا لاتّبعونا"(8).

فعلى الجميع مطالعة وقراءة سيرهم وقصصهم والمعارف والعلوم المرتبطة بآثارهم، فإنَّ لها التأثير البالغ على التقويم والتربية.

مجتمعنا اليوم، وشبابنا أعزّهم الله، ينتجون خلاصة العطاء، والتضحية، والإباء، والشهداء من الشباب نموذج يُحتذى به، وعطاء لا يوصف مقامه إلّا بالمشابهة لمدرسة كربلاء ومدرسة عليّ الأكبر. إنَّ الدور الذي يقع على شبابنا وشابّاتنا ليس بالدور القليل، بل أستطيع القول وبأمانة إنّهم ركن وأساس في الدور التمهيديّ لظهور الإمام الحجّة عجل الله تعالى فرجه الشريف الذي يملأ الأرض عدلاً كما مُلئت ظلماً وجوراً.

•هل للصحبة والصداقة أثر؟
نقول ما قاله أمير المعرفة عليّ عليه السلام : "صُحبة الوليّ اللبيب حياة الروح"(9). وقال عليه السلام : "ليس شيء أدعى لخير ولا أنجى من شرٍّ من صُحبة الأخيار"(10)، وقال موصياً: "صاحب العقلاء، وجالس العلماء، واغلب الهوى تُرافق الملأ الأعلى"(11).

ومن هنا، يتبيّن دور الصحبة وأثرها على النفس، ويكفي القول: قل لي من تعاشر، أقل لك من أنت.


1.بحار الأنوار، المجلسي، ج1، ص96.
2.مكارم الأخلاق، الطبرسي، ص222.
3.ميزان الحكمة، الريشهري، ج4، ص3322.
4.العقل والجهل في الكتاب والسنّة، الريشهري، ص20.
5.روضة الواعظين، النيسابوري، ص20.
6.عيون الحكم والمواعظ، الليثي الواسطي، ص25.
7.(م.ن)، ص67.
8.عيون أخبار الرضا عليه السلام ، الصدوق، ج1، ص275.
9.العقل والجهل في الكتاب والسنّة، (م.س)، ص134.
10.عيون الحكم والمواعظ، (م.س)، ص411.
11.العلم والحكمة في الكتاب والسنّة، (م.س)، ص363.

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليق جديد

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع