تحقيق: صافي دربٌ عانق السحاب احذر عدوك: صدورهم وعاءٌ لسرّ الله حكايا الشهداء: "إنّي أرى نور الشهادة بين عينيك" آخر الكلام: هديّة الحسين عليه السلام مع إمام زماننا: السلام عليك يا خليفة الله(*) مع الإمام الخامنئي: التكليف: مسؤوليّة وتشريف من القلب إلى كل القلوب: عــاشـــوراء والإحياء الحسـينيّ(*) تسابيح جراح: لو قُطِّعنا..لو حُرقِّنا..لن نتركك حكايا الشهداء: صورتان وبسمة جوائز مسابقة المهدي الموعود عجل الله تعالى فرجه الشريف

وقفة مع سورة النصر


الشيخ علي دعموش


شكّل فتحُ مكّة(1) صفحة جديدة في تاريخ الإسلام؛ كانت نتيجته تلاشي مركز الشرك؛ فانهدمت الأصنام والأوثان، وتبدّدت آمال المشركين، وتطهّرت شبه الجزيرة العربيّة من الشرك وظلمات الجاهليّة، وأُزيلت فيها موانعُ وسدودٌ أمام طريق إيمان الناس بالإسلام، وأمام طريق انتشار الدعوة الإسلاميّة في بقيّة أجزاء هذا العالم. في هذا المقال نُطلّ على مضامين هذه السورة القصيرة، التي وضعت سياسة عامّة وضابطة أخلاقيّة لكلّ منتصرٍ في جهادٍ كان لله.


* سورة مليئة بالبشرى
هذه السورة الصغيرة تحمل البشرى لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بثلاثة أمور: بنصر الله، والفتح، ودخول الناس في دين الله أفواجاً. وهي توجّه المؤمنين إلى أنّ عليهم حين تحقُّق نصر الله والفتح الإسلاميّ الكبير، ومشاهدتهم دخول الناس في دين الله أفواجاً، أنْ يتوجّهوا إلى الله بالتسبيح والتحميد والاستغفار، لا أن يشعروا بالزهو أو الفرح المفضي إلى الغرور والاستعلاء والاستقواء على الآخرين.

وقد تضمّنت هذه السورة على الرغم من قصرها، معانيَ عميقة، منها:
1- نصر الله والفتح

أُضيف النصر في الآية إلى الله تعالى، حيث يقول: ﴿إِذَا جَاء نَصْرُ اللَّهِ﴾. وفي كثير من الآيات القرآنيّة، نجد نسبة النصر إلى الله تعالى، كما في قوله: ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ (آل عمران: 126)، وقوله: ﴿أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ (البقرة: 214). وهذا يعني أنّ النصر في أيّ حالٍ من الأحوال لا يكون إلّا بإرادة الله ومشيئته وتوفيقه، ولا يكون إلّا من عنده، وذلك بعد إعداد القوّة للنصر والغلبة على العدوّ، وتهيئة أسباب النصر ووسائله وأدواته. إنّ الإنسان المسلم يؤمن دائماً أنّ النصر لا يتحقّق مهما توفّرت أسبابه المادّيّة كلّها، لولا إرادة الله وتوفيقه، وما يعطيه سبحانه للمؤمنين من قوّة العزم وشدّة التحدّي والثبات أمام تهاويل العدوّ؛ ولذلك فإنّ المؤمن لا يغترّ بالنصر، بل يتّجه إلى شكر الله وحمده على هذه النعمة الكبيرة.

2- النصر: خدمةٌ للدين

تطرح السورة ثلاثة أمور: نصر الله، ثمّ الفتح، ثمّ انتشار الإسلام بمشهد كبير: دخول الناس في دين الله أفواجاً.
وبين هذه الأمور الثلاثة ارتباطٌ وثيق، ارتباط السبب بالنتيجة، فإنّ نصر الله سببٌ في تحقُّق الفتح، والفتح -في حدّ ذاته- سببٌ يرفع الموانع أمام طريق الدعوة الإسلاميّة وانتشار الإسلام، فيدخل الناس في دين الله أفواجاً.
والذي يستفاد من هذا الترابط أيضاً، أنّ الهدف النهائيّ لنصر الله وللفتح هو دخول الناس في دين الله وهداية البشر، وليس هدفهما تحقيق مكاسب ومغانم اقتصاديّة أو سياسيّة آنيّة أو غير ذلك.

3- فسبِّح بحمد ربِّك واستغفره
إنّ الله تعالى يوجِّه المؤمنين والمسلمين إلى كيفيّة التعامل مع النصر الإلهيّ والفتح، فيأمرهم بثلاثة أمور عندما يتحقّق النصر والفتح والغلبة على العدوّ: التسبيح، والتحميد، والاستغفار. فلا يصح أنْ يشعر المؤمنون بالغرور والاستعلاء عند نزول النصر والغلبة على الأعداء، كما لا يصحّ أن يتّخذوا موقف المنتقم وتصفية الحسابات الشخصيّة، إنّما عليهم أن يتعاملوا مع النصر المنزل من الله، هذه النعمة الكبيرة، بالتسبيح والتحميد والاستغفار.

أ- التسبيح بالحمد: التسبيح هو تنزيه الله من كلّ عيب ونقص؛ تنزيهه من البخل والظلم والقسوة والضعف والحاجة والغفلة وغير ذلك.
ومعنى التسبيح بالحمد في قوله تعالى: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾، هو أنّ التسبيح تنزيه الله عن النقص، والحمد هو الثناء على الله لأفعاله الجميلة وصفاته الكاملة. فإذا سبّحت الله بالحمد، وقلت: "سبحان ربّي وبحمده"، فإنّك بذلك لم تنفِ النقص عن الله بالقول فحسب، بل بالفعل أيضاً؛ لأنّ حمدك هذا يدلّ على صدور فعل اختياري جميل عن الله قد تحقق في الخارج؛ كالرزق والخلق والرحمة وما إلى ذلك. فالتسبيح بالحمد لا يعني مجرّد نفي النقص والضعف عن الله، بل يعني نفي النقص عن الله وإثبات فعل أو صفة تدلّ على كماله وجماله، وأنّك تقف لتحمده عليها وتثني عليه لأجلها.

ب- الحمد- الثناء على الله: يعني الثناء على الله لأفعاله وأعماله الجميلة، ولصفاته الكماليّة. فنحن نحمده ونثني عليه لإحسانه ورزقه وخلقه وشفائه ونصره وغير ذلك من أفعاله الحسنة، ونحمده ونثني عليه لكرمه وعلمه وقوّته وإمكانه عباده على الغلبة والنصر على الظالمين... وإضافة معنى جماليّ على ذلك التنزيه... وهو تذكير لحال العبد بتقديم العبوديّة في موقف الاستطالة والقدرة التي يوفّرها ظرف "المُنتصر".

ج- الاستغفار- طلب العفو: معنى الاستغفار طلبُ العفو من الله إزاء التقصير الذي يحصل من العبد تجاهه سبحانه.
وهذه الأوامر الثلاثة تعلّمنا:
1- أن نكون في لحظات النصر الحسّاسة ذاكرين لله ولصفات جلاله وكماله؛ لأنّ كلّ شيء حسن وجميل فهو منه سبحانه وتعالى.
2- أن نتّجه إلى الاستغفار؛ لكي يزول عنّا الغرور، ولكي نبتعد عن روح الانتقام؛ لأنّ في النصر استطالة وظهور القدرة التي قد تغري المرء بالانتقام.

هـ- استغفار النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم: قد يتساءل المرء أنّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم معصوم ومنزّه عن فعل ما يوجب الاستغفار، فلماذا يأمره الله بالاستغفار في هذه السورة؟
والجواب: إنّ الله سبحانه يخاطب النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم في هذه السورة باعتباره قائداً للأمّة كلّها، فالخطاب في الحقيقة موجّه للأمّة كلّها، والأمر بالاستغفار الوارد في السورة إنّما هو تعليم للأمّة كلّها، وضابطة عباديّة عامّة لكلّ مؤمن سيكون في هذا الموقف، فيقتضي ثباتها الخطاب المشدّد بها، وذلك:
أوّلاً: مرّت خلال أيّام المواجهة بين المسلمين والمشركين، فترات عصيبة على المسلمين، بحيث ضاقت صدور بعضهم، وشكّك بعضهم في صدق وعد الله بالنصر، كما قال تعالى مبيّناً حالة المسلمين في غزوة الأحزاب ﴿وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا﴾ (الأحزاب: 10).
والآن، بعد أن مدّكم الله بالنصر، واستطعتم بإرادة الله وتوفيقه، أن تتغلّبوا على الأعداء، فقد اتّضح خطأ تلك الظنون والشكوك التي صدرت عنكم في بعض المواقف الحرجة؛ كغزوة الأحزاب، فلا بدّ من الاستغفار عمّا صدر عنكم في تلك المواقف من شكٍّ وظنٍّ بوعد الله سبحانه وتعالى.

ثانياً: إنّ قوله تعالى: ﴿وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾، قد يراد منه تعليم المسلمين العفو والتسامح والصفح عن الآخرين، فكما أنّ الله توّاب، كذلك أنتم ينبغي أن تقبلوا توبة المذنبين والمجرمين بعد الانتصار، فلا تطردوا المجرمين والمذنبين ما داموا قد ابتعدوا عن مواجهتكم والتآمر عليكم؛ ولذلك نجد أنّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم اتخذ موقف العفو والرحمة في فتح مكّة، فعفا عن كلّ أولئك الأعداء الذين حاربوه وآذوه سنواتٍ طويلة.

وهذا هو الدرس الكبير الذي نأخذه من خلال هذا التعليم الإلهيّ، وهو أن نقف موقفاً يجسّد العفو والتسامح مع القدرة، وأن لا نشعر بالغرور والاستعلاء، وأن لا نلجأ إلى الانتقام في حالات النصر، فحال العابد، المراقب لحضور الله تعالى حينما ينتصر، أن يتّجه إلى شكر الله وحمده، وذكره باستمرار؛ حتّى لا ينتصر فيه الغرور أو الانتقام.


1- حدث ذلك في العشر الأواخر من شهر رمضان المبارك في سنة 8هـ، حيث استطاع النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم إلحاق الهزيمة بقريش بعد 20 سنة من المقاومة.
 

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليق جديد

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع