قرى صامدة النتائج الدنيويّة لخذلان الإمام الحسين عليه السلام أخلاقنا: المُجاهد من جاهد نفسه تقرير: "تعرف في وجوههم نضرةَ النّعيم" احذر عدوك: كتمان السرّ في بُعدَيه الشخصيّ والإلهيّ وسائل التواصل الاجتماعي تلتهم وقت القراءة موظفي المكاتب: أنقِذوا عقولكم! قلة النوم كالتدخين "غوغل" تُحارب روسيا وإيران اللحم المشوي على الفحم

نور روح الله: كيف نحافظ على النصر؟(*)



شهدت الإنسانيّة كثيراً من المعارك. وقد حدث أن استولى قائدٌ بالقَهْر وبجيشٍ جرَّار على بلاد واسعة، وتقدّم مثل هتلر الذي اجتاح فرنسا، وهجم على الاتحاد السوفييتيّ، وهيمن على قسم منه، لكنّ أموراً حدثت، فَهُزم هناك، ورافقته الهزيمة حتّى انتحر.
عندما ننتصر يجب ألّا نغترّ بهذا النصر الذي نلناه.


* سرّ النصر
يجب أن نفهم لماذا انتصرنا. إذا عرفنا السِّرَّ، أو سبب النصر، وجب علينا عندئذٍ أن نسعى لحفظه، وإذا لم نحفظه، نكون كالجيش الفاتح الذي نال النصر، وعجز عن حفظه.
إنّ الحفاظ على النصر أصعب من تحقيقه. فبطبيعة الحال، إنّ شعباً عمل على تحرير قلعة من يد ظالم، وكان كلّ اهتمامه أخذها فقط، فلم يشغل بال أحد منهم: ما عشاؤنا الليلة؟ أو ما غذاؤنا؟ طفلي مريض... فكلّ قواهم مجتمعة على أن يحقّقوا هذا الفتح، ويحرّروا القلعة. عملوا كجماعة التأمَتْ معاً، وهتفت بصوت واحد، واجتمعت إليهم قُوى مختلفة، وهجموا جميعاً معاً، وغايةُ الكلّ كانت واحدة، لكن ما إن وصلوا ودخلوها، وَرَأوا الفتح، وقالوا: الحمد لله، حتّى بدأ الفتور والتعب، وبدأ الخلاف يسري بينهم، ويمكن أن ينتابهم الاسترخاء، فيفقدوا قُوَّتهم؛ إذ رأوا أنفسهم منتصرين، فبدأوا ينشغلون بعتاب أحدهم للآخر.
إنّ الفتور والخلاف بعد النصر، لا يُمكّنان الفاتح من أن يحفظ فتحه. في المقابل، يقوم المهزوم بدافع الانتقام بلملمة أجزائه في هذا الوقت، فيصل أجزاءه بعضها ببعض، ويتوحّد أفراده، فيما يشرع الذين انتصروا بالاستراحة؛ لأنهم لم يُدْركوا عُمقَ القضايا، ويظهر الفتور، ويسري الخلاف، وينفصل بعضهم عن بعض. فما هي النتيجة؟ هي أنّ الرَّمز (الوحدة) الذي انتصرتم به قد ظهر فيهم، وذاك الرمز الذي هُزِموا به (الفرقة) قد ظهر فيكم، فماذا يجب أن نعمل؟

* من دواعي النصر: طلب الحقّ
هذا الفتح الذي أنجزتموه ما كان فتحاً صغيراً. ما زلنا لم ندْركه. إنّه فتح حمل العالم على التعجّب. ما السبب الذي حصل به هذا النصر؟ أهو طاقَتُنا؟ لا، وإنّما كان إيماننا بالله ولطف اللهِ بنا. فعندما ضقتم ذرعاً بالظلم، وجئتم بالعدالة، أعانكم الله تبارك وتعالى، وساعدتكم الملائكة. هؤلاء هم الملائكة الذين ساعدوا الفئات الصغيرة من المسلمين في معاركهم الجهادية، فانتصرت بهم على الفئات الكثيرة، غير أن الناس ما كانوا يعلمون، والنبيّ يعلم ذلك بالوحي، ولو كان الآن بيننا لقال لكم: هذا النصر الذي نلتموه، قادهُ ملائكة الله لكم.كلّكم أردتم الإسلام، أردتم دين الحق، وأعرضتم عن النظام الفاسد، هذه من دواعي النصر.

* واعتصموا بحبل الله
هاتان الكلمتان: وحدة الكلمة والإسلام، هما رمز نصركم، عملاً بالآية الكريمة: ﴿وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ﴾ (آل عمران: 103). وفي هذه الآية دعوة إلى التمسّك بحبل الله ونبذ التفرّق. فهذان الأمران هما اللذان جعلا شعباً لا يملك شيئاً من وسائل القتال سوى قبضة يدٍ أحكمها الإيمان، يتغلّب على قوىً كبرى. وإذ وصلنا إلى هنا، وصلنا فاتحين، لكنّنا في نصف الطريق.
فهناك أيدٍ الآن مشغولة بأن تستردّ هذا النصر من أيدينا، وسلبت أعزاءَنا الغافلين على حين‏ غرّة، ببذرهم للنفاق بين شعب قويّ منتصر. ولمسوا أنّ وحدة الكلمة ووحدة الغاية، هما اللتان صنعتا النصر، وها هم يريدون أن يسلبونا إيّاه.
احفظوا وحدة الكلمة هذه، وهذا الإيمان الذي جعل شبّاننا الأعزاء، أبناء الثلاثين، والعشرين، والـخـمســة والعـشـرين عاماً، وأقلّهم عمراً أبناء الثـمــانيـة عشـــر عــاماً، يحـضرون، ويطلبون: "ادْع لنا أن نسْتشْهَدَ". هذا الإحساس، وهذا التحوّل الذي نشأ في المجتمع هما رمز النصر، فاحفظوهما. احفظوا هذه الهمَّة القَعْساء، واحرسوا هذه الروحيـة الإلهيـــة الغـيبــيّـَة، واتقـــوا التفرّق والتشـــرذم. أقـــول هذا للجميـع، وخـطـابــي لكــل مكان يبلغه صوتي.

* بعد النصر
أدُّوا واجباتكم الإنسانية والاجتماعية، لنستطيع أن نحفظ هذا الفتح الذي أوصلنا إلى هنا، ونوصله إلى غايته، ونعرضه على العالم أنْ لدينا مثل هذا المتاع، فالإسلام هو هذا الشيء النفيس.
الإسلام اليوم محتاج إليكم، والقرآن الكريم محتاج إليكم، فأصلحوا أنفسكم وهذّبوها. النصر والإسلام مسؤوليّة ثقيلة. وإذا فعل أحدكم فعلاً خاطئاً وسكت الآخر، كان مسؤولاً أيضاً. فإذا ارتكب أحدنا خطأً، وذهب إليه عشرون آخرون يلومونه، سيقع المُخطئ في دائرة الانفعال واللوم والرفض ولن يعود إلى ذلك. كلّنا مسؤولون، والمسؤولية جسيمة، فنحن في نصف الطريق، وأخشى أن تكون عاقبتنا عاقبة هتلر.


* من مذكراته قدس سره في الجهاد
"أتذكّر كلتا الحربَين العالميّتين. كنت صغيراً إلّا أنّي كنت أذهب إلى المدرسة، وقد رأيت الجنود الروس في المركز الذي كان في (خُمين)، وأذكر كيف تعرّضت بلادنا للاجتياح في الحرب العالمية الأولى، وكيف مارس بعض الإقطاعيين الظالمين الأشرار، المدعومين من قبل الحكومة المركزية، النهب والاعتداء على أعراض الناس وأموالهم.
لقد عشت الحرب منذ طفولتي، وكنّا نتعرّض لهجمات أشرار من أمثال زلقي ورجب عليّ. كنّا مضطرين إلى إعداد الخنادق في خمين -المنطقة التي كنا نعيش فيها- وكانت عندي بندقية، غير أني كنت لا أزال حينها يافعاً لم أناهز الثامنة عشرة بعد، وكنت أتدرّب على البندقية وأحملها بما يتناسب مع سنّي وبُنيتي. نعم، كنّا نذهب للتحصّن في الخنادق، ونواجه هؤلاء الأشرار الذين كانوا يُغيرون علينا. لقد كان الوضع مُتّسماً بالفوضى والهرج والمرج، ولم يكن لدى الحكومة المركزية القدرة علي السيطرة على الأوضاع. وفجأة سيطروا على خمين، فهبّ الناس لمواجهتهم وحملوا السلاح، وكنتُ من بين الذين حملوا السلاح".


(*) صحيفة الإمام، ج‏ 8، ص 372. الموضوع: حفظ النصر أصعب مِن النصر نفسه. التاريخ 12 شعبان 1399هـ.ق في مدينة قم. ‏

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليق جديد

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع