نور روح الله: وصاياهم تهزّ الإنسان مع الإمام الخامنئي: أدب الجبهة: إرث الشهداء(*) المودّة العشقيّة للإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه من القلب إلى كل القلوب: لو لم نَقُم بتكليفنا! قصة: عندما ألقى اللهُ الليرةَ(*) تربية: وصايا الشهداء: فرصة تربويّة حروفهم: بصمة المقاومة على التاريخ إنّها وصايا الشهداء قرى صامدة النتائج الدنيويّة لخذلان الإمام الحسين عليه السلام

احذر عدوك: إفشاء السرّ خيانة



قال الله- عزّ وجلّ-:
﴿وإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى (طه: 7). خلق الله سبحانه للإنسان ظاهراً مكشوفاً يراه الناس، وهو جسده وما يصدر منه من أعمال، وباطناً خفيّاً عنهم، وهو نفسه وروحه، وما يختلج فيها من معارف ومعتقدات ومَلَكات وصفات وتخيّلات وأوهام تشكّل شخصيّته وذاته التي لا يعرفها إلّا الله سبحانه والإنسان نفسه.

* ما هو السرّ؟
يحبّ بعض الناس أن يُطلع الآخرين على مكنونات نفسه، ويكره بعضهم ذلك، كلٌّ بحسب طبعه وشخصيّته وأخلاقه ونوع المعلومات التي قد يفصح عنها. مثلاً هناك أشخاص يحبّون أن يفصحوا عن أعمالهم العباديّة، وفي المقابل لا يحبّ الإنسان المؤمن بالله سبحانه ذلك؛ لأنّ هذه الأمور تُعتبر سرّاً، والسرّ مكانه القلب، وحقّه الكتمان.
هل السرّ هو باطن أنفسنا وما هو موجود فيه، أم أنّه الشيء الذي نخفيه ولا ينبغي أن نعرّف به أحداً؟
يمكن أن يقال: إنّ كلّ ما في باطن النفس هو سرّ؛ سواء كان أمراً مهمّاً شخصيّاً أو دينيّاً أو اجتماعيّاً أو سياسيّاً. روي عن الإمام الباقر عليه السلام -في قول الله عزّ وجلّ: ﴿فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى-: "السرّ ما أخفيته في نفسك، وأخفى ما خطر ببالك ثم أنسيته"(1). فكلّ ما في باطن النفس هو سرّ. والسرّ لا ينبغي إظهاره إلّا لأمر راجح ومطلوب. وقد يكون هناك أمرٌ حدّثك به جليسك، فهو أيضاً سرّ وأمانة يجب عليك حفظها، ويحرم إفشاؤه. ورد عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم: "إنّما يتجالس المتجالسان بأمانة الله، فلا يحلّ لأحدهما أن يفشي على أخيه ما يكره"(2).

* أهمية كتمان السرّ
روي عن الإمام الرضا عليه السلام: "لا يكون المؤمن مؤمناً حتّى يكون فيه ثلاث خصال: سُنّة من ربّه، وسُنّة من نبيّه، وسُنّة من وليّه، فالسنّة من ربّه كتمان سرّه، قال الله -عزَّ وجلَّ-: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا * إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُول (الجن: 26-27)، وأمّا السنّة من نبيِّه، فمداراة الناس؛ فإنّ الله عزّ وجلّ أمر نبيّه بمداراة الناس، وقال: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ (الأعراف: 199)، وأمّا السنّة من وليّه، فالصبر على البأساء والضراء، فإنّ الله -عزّ وجلّ- يقول: ﴿وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاء والضَّرَّاء (البقرة: 177)"(3).

يفيد هذا الحديث أنّ صفة كتمان السرّ ليست من الصفات العاديّة التي لا أهميّة لها، بل هي صفة عظيمة يبتني عليها نظام الوجود كلّه وإرسال الأنبياء وإنزال الشرائع وإقامتها وإقامة الحكم الإلهيّ في الأرض، كما في الحديث عن الإمام الصادق عليه السلام: "... إنّ العالِمَ لا يَقدِرُ أن يُخبِرَكَ بِكُلِّ ما يَعلَمُ؛ لأنَّهُ سِرُّ اللَّهِ الّذي أسَرَّهُ إلى جَبرئيلَ عليه السلام، وَأسَرَّهُ جَبرئيلُ عليه السلام إلى مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وآله وسلم، وأسَرَّهُ مُحَمَّدٌ صلى الله عليه وآله وسلم إلى عَلِيٍّ عليه السلام، وَأسَرَّهُ عَلِيٌّ عليه السلام إلى الحَسَنِ عليه السلام، وَأسَرَّهُ الحَسَنُ عليه السلام إلى الحُسَينِ عليه السلام، وأسَرَّهُ الحُسَينُ عليه السلام إلى عَلِيٍّ عليه السلام، وأسَرَّهُ عَلِيٌّ عليه السلام إلى مُحَمَّدٍ عليه السلام، وَأسَرَّهُ مُحَمَّدٌ عليه السلام إلى مَن أسَرَّهُ، فلا تَعجَلوا، فَوَاللَّهِ لَقَد قَرُبَ هذا الأمرُ (الخروج على الحاكم الظالم واسترجاع الخلافة المغصوبة) ثَلاثَ مَرّاتٍ فَأذَعتُموهُ، فَأخَّرَهُ اللَّهُ. وَاللَّهِ ما لَكُم سِرٌّ إلّا وَعَدُوُّكُم أعلَمُ بِهِ مِنكُم"(4).

* المأمونون على سرّ الله
وأوّل من اتّصف بهذه الصفة لعظمتها وسموّها هو الله -عزّ وجلّ-، الذي يعلم الغيب الشامل لكلّ ما هو خارج عالم المادّة؛ من الذّات والأسماء والصفات والأفعال الإلهيّة والوسائط بين الله وخلقه وأسرار هذا الخلق وحقائقه. واتّصف بها أولياء الله -عزّ وجلّ-، فهم حَفَظة سرّ الله -تعالى- كما في الدعاء: "اللهمّ! إنّي أسألك بمعاني جميع ما دعاك به عبادك الذين اصطفيتهم لنفسك، المأمونون على سرّك، المحتجبون بغيبك، المستسرّون بدينك..."(5).

* لا تؤذوا أهل البيت عليهم السلام
اهتمّ أهل البيت عليهم السلام بموضوع الأسرار وحفظها، وقد آلمهم ما كان يقع فيه بعض شيعتهم من كشف أسرارهم الخاصّة، وأسرار الأئمة عليهم السلام؛ ففي الحديث المرويّ عن الإمام الصادق عليه السلام: "أُمِر الناس بخصلتين فضيّعوهما، فصاروا منهما على غير شيء: الصبر والكتمان"(6). كما ورد عن الإمام الصادق عليه السلام: "يا بن النعمان! إنّ المذيع لسرّنا كقاتلنا بسيفه، بل هو أعظم وزراً، بل هو أعظم وزراً، بل هو أعظم وزراً"(7). وروي عن أمير المؤمنين عليه السلام: "سرّك من دمك فلا يجرينّ من غير أوداجك"(8)؛ أي أنّ كشف السرّ قد يصل الخطر فيه إلى حدّ إراقة دمك، بل يمكن أن يُقال إنّه بمنزلة إراقة دمك وقتلك، كما أنّ كشف سرّ غيرك إراقة لدمه أو بمنزلته.

* قبح صفة كشف السرّ
من هنا، نعرف أنّ كشف السرّ صفة قبيحة، ولو لم تكن كذلك لما عيَّر الله به بعض الناس، كما روى محمّد بن عجلان قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: "إنَّ الله -عزَّ وجلَّ- عيّر أقواماً بالإذاعة في قوله- عزَّ وجلَّ-: ﴿وَإِذَا جَاءهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُواْ بِهِ (النساء: 83) فإيّاكم والإذاعة"(9). لذلك كان الإمام زين العابدين عليه السلام، كما روي، يتمنّى أن تقطع يده مقابل أن تزول هذه الصفة من الشيعة، وأن يتعلّموا الكتمان ويعتادوه: "وددت أنّي افتديت خصلتين في الشيعة لنا ببعض ساعدي: النزق(10) وقلّة الكتمان"(11). بل هو من أقبح الصفات كالخيانة والغدر، كما روي عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم: "يا أبا ذر، المجالس بالأمانة، وإفشاء سرّ أخيك خيانة"(12). وعن أمير المؤمنين عليه السلام: "أقبح الغدر إذاعة السرّ"(13).

* لستم معذورين
يسعى أصحاب العيوب، لتبرير عيوبهم، إلى إظهار أنّ عيبهم موجود عند أكثر الناس، وأنّهم لا يستحقون اللّوم. يقول أمير المؤمنين عليه السلام: "ذوو العيوب يحبّون إشاعة معائب الناس ليتّسع لهم العذر في معايبهم"(14). ولكن لن يفيدهم هذا في تحسين صورتهم الحقيقيّة، بل يزيدها قبحاً وسوءاً، وكأنّ هذا هو مراد النبي صلى الله عليه وآله وسلم ممّا روي عنه: "لمّا عرج بي مررت بقوم لهم أظفار من نحاس، يخمشون وجوههم وصدورهم، فقلت: مَن هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس ويقعون في أعراضهم"(15).

*كيف نحفظ السرّ؟
ما هي الأساليب والطرق التي تؤدّي إلى حفظ السرّ وعدم إذاعته؟ وما هي المعايير والضوابط؟
يعلّمنا أمير المؤمنين عليه السلام وسيّد القادة الإلهيّين أهمّ طريقة وقاعدة أوّليّة في كتمان السرّ، سواء أكان سرّاً عاديّاً أم مهماً، وهي أن تخفيه حتّى عن نفسك، ولا تطلع عليه حتّى جوارحك، حيث قال عليه السلام:لا(16). وروى أبو الطفيل أنّه سمع أمير المؤمنين عليه السلام يقول: "إنّ بعدي فتناً مظلمة عمياء متشكّكة، لا يبقى فيها إلّا النومة. قيل: وما النومة يا أمير المؤمنين؟ قال: الذي لا يدري الناس ما في نفسه". ففي الظروف التي تكثر فيها الأعداء والفتن والحروب، يكون حفظ السرّ أَوْلى، بل أكثر وجوباً، ويكون كشفه أكثر حرمة.

إذاً "المرء أحفظ لسرّه"(17)؛ كما روي عن أمير المؤمنين عليه السلام؛ لأنّه هو وحده يعرف أهميّة الأمور التي يضمرها، ويعرف أضرارها وخطورتها، فيكون الأقدر على حفظها، بعكس من لا يعرف أهميّتها؛ فإن أردت مكاناً لسرّك فإن "صدرك أوسع لسرّك"(18)، فغيرك قد يفرّط فيه لجهله بقيمته؛ فإنْ كنت من الأبرار فاعلم أنّ: "صدور الأبرار قبور الأسرار"(19)، كما نسب إلى الإمام علي عليه السلام.


1- الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل، الشيخ ناصر مكارم الشيرازي، ج 9، ص 529.
2- وسائل الشيعة، الحرّ العاملي، ج8، ص471.
3- الخصال، الصدوق، ج1، ص 41.
4- بحار الأنوار، المجلسي، ج52، ص183.
5- مصباح المتهجد، الطوسي، ص 669 – 670.
6- الكافي، الكليني، ج2، ص222.
7- تحف العقول، ابن شعبة الحراني، ص307.
8- بحار الأنوار، (م.س)، ج5، ص75.
9- شرح أصول الكافي، المازندراني، ج10، ص33.
10- النزق: الطيش والبساطة، والتسرع عند الغضب.
11- بحار الأنوار، (م.س)، ج71، ص172.
12- (م.ن)، ج 74، ص 89.
13- مستدرك الوسائل، النوري الطبرسي، ج12، ص305.
14- موسوعة أحاديث أهل البيت عليهم السلام، هادي النجفي، ج7، ص 390.
15- ميزان الحكمة، الريشهري، ج3، ص2328.
16- بحار الأنوار، (م.س)، ج 72، ص71.
17- (م.ن).
18- (م.ن).
19- شرح أصول الكافي، (م.س)، ج2، ص115.

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليق جديد

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع