وسائل التواصل الاجتماعي تلتهم وقت القراءة موظفي المكاتب: أنقِذوا عقولكم! قلة النوم كالتدخين "غوغل" تُحارب روسيا وإيران اللحم المشوي على الفحم التلوث الهوائي يدمّر "الذكاء المعرفي" أكثر من 500 مليون صيني يعانون من "قصر النظر" غلاف "ذكي" يخبرك بجودة المواد الغذائيّة سليماني خادمٌ لضريح الإمام الرضا عليه السلام بعض ذكرياتنا الأولى وَهمٌ ابتدعته أدمغتنا!

ماذا لو اجتاحت القسوة حياتنا؟


د. سحر مصطفى(*)


"يا إلهي، ما هذا الطقس الجافّ والحار!"، تمتمت فاطمة وهي تدخل إلى البيت، فاستقبلها صوت مريم المرتجف: "ليس الطقس وحدَه الجافّ، بل قلوب الناس أشدّ جفافاً وقسوةً". تقدّمت فاطمة نحو ابنتها مستغربةً ومتسائلةً عن سبب هذا الكلام، فما كان من مريم إلّا أن أجهشت بالبكاء...

من المؤسف أنّ هذا المشهد ليس حالةً فرديّة، بل تحوّل إلى مسلسل تتوالى حلقاته في ساحات مختلفة: في العمل والمنزل والحيّ والمدرسة. كلمات وأفعال جارحة، وأشخاص مكسورو الخاطر ولا يوجد من يُكفكف دموعهم أو يمدّ لهم يد العون...
في احتفال نهاية العام في إحدى المدارس، نبّه المدير في كلمته من مشكلة الجفاف العاطفيّ التي يعاني منها الطلّاب، وخاصّةً في مرحلة رياض الأطفال...
وتتمظهر القسوة على شكل سلوكيّات متكرّرة... سنقوم باستعراض بعض هذه السلوكيات في ميادين عدّة. فهذا العرض يساعدنا على تشخيص المرض بشكل أفضل، ومن ثمّ سنحاول استكشاف أسباب هذا الداء، وصولاً إلى تقديم بعض التوصيات التي تساهم في التخفيف منه...

* مظاهر القسوة وتداعياتها في الميادين المختلفة
1- القسوة داخل الأسرة
تحتاج الحياة الأسريّة إلى التعاطف والتفهُّم والرفق والصبر، حتّى تستطيع سفينتها أن تخوض غمار بحر الحياة بنجاح وتوازن. فالعلاقات التسلُّطيّة، وغياب الحوار الهادئ، وكثرة الخلافات والغلظة في التعامل، والتصلّب في الرأي، وعدم تفهّم ظروف وخصوصيّات الشركاء داخل الأسرة، تدفع بها إلى البرودة والجفاف، وتسحب منها دفء المودّة والرحمة...
ويحدث هذا الأمر عندما تتسلّل القسوة وتطبع أجواء التعامل داخل هذه الخليّة الاجتماعيّة الأساسيّة، فتصبح الأسرة عبارة عن مجموعة أشخاص غرباء، تسود بينهم أجواء المشاحنات، وتصعب عليهم المسامحة وتقديم يد العون... والقسوة ترتبط بسلوكيّات تتّسم بالعنف، الذي يزيد من تفاقم المشكلة، ويصعّب عملية التواصل السليم، فتدخل الغيرة والحسد والمشادّات الكلاميّة واليدويّة...

2- القسوة في العلاقة مع الأرحام والجيران
تتمظهر القسوة في علاقاتنا مع الأرحام، بضعف التواصل معهم، وغياب السؤال عن أحوالهم، وعدم الاكتراث لما يلمّ بهم... وكذلك استسهال مقاطعتهم لأتفه الأسباب، مقابل استصعاب المصالحة وإعادة المياه إلى مجاريها...
وإذا كانت القسوة تجعل أرحامنا غرباءَ بالنسبة إلينا، فما بالك بما تفعله بعلاقاتنا مع الجيران، حيث تتحوّل علاقات الجيرة إلى مجرّد مجاملات رسميّة مرتبطة بالمناسبات، بعيدة عن حرارة التزاور والتعاون والألفة، هذا، إن لم تنشب بينهم النزاعات لأتفه الأسباب؛ من موقف السيارة، والاستفادة من الأقسام المشتركة في المبنى، وغيرهما من مظاهر الأنانيّة التي لا تقيم أيّ وزن للتفهُّم وتقدير الظروف وأخذ المؤمنين على محمل حسن؟

3- القسوة في العمل
كأنّه لا يكفينا في بيئة العمل وجود أنظمة غير منصفة في بعض الأحيان، فتأتي القسوة لتنزع صبغة الإنسانيّة في التعامل بين العاملين أنفسهم وبينهم وبين المسؤول عن العمل، فتطغى الخشونة في التواصل والخطاب، وتسود العلاقات السلطويّة، ويهيمن التفرُّد بالرأي حتّى لو على حساب مصلحة العمل، ويصبح نظام العقوبات بدلاً من التحفيز الإيجابيّ هو المسيّر لعملية ضبط حسن سير العمل، هذا كلّه يحوّل بيئة العمل إلى بيئة تفتقر إلى الروح المعنويّة اللّازمة لإنجاح العمل وتقدّمه وتطوّر العاملين...

4- المدارس والطلاب
من خلال الدراسة التي أجريناها في مركز أمان للإرشاد السلوكيّ والاجتماعيّ، حول الاتّجاهات القيميّة والسلوكيّة لتلامذة المرحلة الثانويّة، وكذلك طلّاب المرحلة الجامعيّة، ظهر جليّاً توجُّه هؤلاء إلى الحياد السلبيّ من قضايا المجتمع، وكانت العبارة البارزة في الإجابة عن العديد من القضايا: "لا يعنيني"... هذا مضافاً إلى ضعف المشاركة في الأنشطة التطوّعيّة... والحقيقة، إنّ عدم المبالاة بما يحدث من حولهم هو أحد مظاهر القسوة وضعف التعاطف والاهتمام لما يدور في المجتمع... كما تطغى على لغة التخاطب في ما بينهم مسحة من العنف، ويُلحظ ضعف مهارات التواصل اللّفظيّ السليم، لصالح الميل إلى الاستهزاء وتحطيم معنويّات الآخرين، واستسهال جرح مشاعر الرّفاق وإحراجهم تحت عنوان "المزح". هذا، مضافاً إلى وجود تراجع كبير لقيمة الاحترام، وميل لاقتناء الأسلحة والأدوات الحادّة واستخدامها...
ما ذكرناه آنفاً يعتبر جزءاً من ملامح اللّوحة القاتمة التي ترسمها القسوة لمختلف أوجه نشاطاتنا الاجتماعيّة. ولكن لماذا؟ ومن أين نأتي بكل هذا القدر من الجفاف العاطفيّ والقسوة واللّامبالاة؟

* أسباب القسوة

تختلف الأسباب بين ما يرتبط بالظروف الفرديّة الشخصيّة، وما يرتبط بالنمط العامّ لحياتنا، والذي يرخي بثقله على الناس كافّة... لن ندخل في الأسباب الفرديّة التي سبقت معالجتها في مقالات أخرى في هذا الملف، بل سنتناول العوامل التي تساهم في خلق بيئة جافّة تستدرجنا نحو القسوة والجفاف العاطفيّ...
1- أسباب اجتماعيّة
عندما تغيب العدالة الاجتماعيّة وتكافؤ الفرص، ويسود الظلم والاستبداد والفساد في أنماط الحكم، تتحوّل الرحمة والرفق واللّين إلى كلمات تترجم في قاموس المجتمع بالضعف وقلّة الحيلة، وتصبح طيبة القلب صفة مُخجلة تعادل البساطة في العقل، ويسود التسلُّط والغلظة وعدم المبالاة بشؤون وشجون المحيطين... فتجفّ القلوب؛ لتصبح كالحجارة وأحياناً أشدّ قسوةً..

2- أسباب اقتصادية
إنّ اللّهاث المتواصل لتأمين ضرورات الحياة، يحوّل الإنسان عن الاهتمام بجماليّة ما يحيط به، ويجعله أسير الضغوطات اليوميّة، فلا يبقى في يوميّاته متّسعٌ للترفيه والتمتّع بخلق الله؛ ما يسلب منه رهافة الحسّ، ويسير به نحو البلادة العاطفيّة...

3- أسباب ثقافيّة
إنّ طغيان الثقافة المادّيّة، والقيم الفرديّة، يجعل الإنسان يدور في حلقة التنافس المستميت للفوز بحصّته، ويعزّز الأنانيّة، وبالتالي القسوة، ومن جهة أخرى إهمال الفنون والناحية الجماليّة في تفاصيل حياتنا كافّة لصالح التنافس على الأغلى والانبهار بالموضة السائدة، يسلب منّا رهافة الحسّ، لتحلّ القسوة بدلاً منها.

4- التنظيم المدني
عشوائية الأبنية وتراجع المساحات الخضراء، وضعف العلاقة مع الطبيعة، هي أيضاً من الأسباب التي تميل بالإنسان نحو القسوة.

5- الإعلام ووسائل التواصل
إنّ الإعلام ووسائل التواصل تعزّز انتشار أخبار ومشاهد العنف والقتل والتعذيب والدمار، حتّى تتحول إلى مادّة مألوفة عند الناس، فتنزع منه التعاطف والرحمـة، حيث يعتادون على مشاهد الدمّ والوحشيّة، هذا، فضلاً عن الألعاب الإلكترونيّة العنيفة.
تطـــول لائحة الأسبـاب التي تدفع الــنــاس إلى الابتعاد عن الرفق والـلّيــن والــرحمـة، لصالح القسوة والفظاظة والعنف، ولكن هل هذا الداء لا علاج له؟
هناك العديد من التوصيات التي تساعدنا في التـخفيــف من حدّة مشكلة القسوة في حياتنا.

* توصيات لمعالجة مشكلة القسوة

1- العمل على تعزيز قيم الرفق واللين والرحمة، فالمؤمنون "رحماء بينهم". وبحسب الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم: "الرفق لَمْ يُوضَعْ عَلَى شَيْءٍ إلّا زَانَهُ وَلَا نُزِعَ مِنْ شَيْءٍ إلّا شَانَهُ"(1). والرحمة هي روح الدين، والله سبحانه هو الرحمان الرحيم.
2- إقامة الأنشطة الفنيّة الهادفة، ورعاية المواهب، ورفع الذوق والمهارات الفنيّة...
3- تجميل الأحياء والمرافق العامّة وزيادة المساحات الخضراء.
4- تعزيز العلاقة مع الطبيعة، والقيام بالعديد من الأنشطة التي تشجّع على الزراعة، والاهتمام بالشتول والنبتات.
5- إقامة ورش تثقيفيّة لتزويد الناس بمهارات التواصل وإدارة الانفعالات وحلّ المشكلات...
6- تعزيز العمل التطوّعي الذي يجعلنا أكثر نفعاً لعيال الله، وبالتالي أقرب إلى الخالق(2).
7- الاستفادة من المناسبات الخاصّة، مثل شهر رمضان المبارك وعاشوراء، لتكثيف الأنشطة التي تساهم في إحياء القلوب.
8- مواجهة الضخّ الإعلاميّ الذي يقوم بنشر العنف والمواد العنيفة، من خلال إنتاجات تركّز على المحبّة والتراحم، وتبيّن خطورة الاستغراق في القسوة والغلظة...
9- التشجيع على التربية المفعمة بالعاطفة، وإظهار الحبّ داخل الأسرة.

وختاماً، علينا التذكّر أنّ الرّفق واللّين، واستشعار الرحمة هي ليست أخلاقاً على هامش الحياة، وليست كماليّات مثاليّة، فبحسب ديننا هي أخلاق وفضائل واجبة، مطلوبة من كلّ إنسان، واكتسابه لها عبادة وطاعة، لعظيم دورها وأهميّتها في نفسه وفي أمن مجتمعه.


(*) مديرة قسم البحوث في مركز أمان.
1- الكافي، الكُلَيْني، ج2، ص119.
2- وفق الحديث الشريف: "الخلق كلّهم عيال الله، وأحبّهم إلى الله أنفعهم إلى عياله".

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليق جديد

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع