الحياة الطيبة في ظلّ الإيمان نَمَطُ الحَيَاةِ بين القناعة والترف في فكر الإمام الخامنئيّ دام ظله حياتُـنـا كما يرسمها الدين آخر الكلام: كيف تُطبِّع مع أورام؟ أوّل الكلام: بدرُ سامرّاء مع الإمام الخامنئي: الإنتاج عنوان العزّة من أسرار الغيبة والوعد الإلهي (5)(*) ثلاثون عاماً مباركة أخلاقنا: أيّها الـزوجان.. تنـازلا(*) مناسبة: زيارة الأربعين.. ولو من بُعد

أخلاق‏: النهج الأوحد في السير إلى الله‏


* هل حقاً لا يوجد إلا طريق واحد للوصول إلى الله؟
وبماذا نفسر تعدد المناهج السلوكية التي استقت جميعاً من شريعة الإسلام وتعاليمه؟
إن لهذا الحديث وقع خاص في أذهان الباحثين والقراء المهتمين بهذا العالم المتميز الذي يدخل إلى عمق وجود الإنسان ويعطي لحياته بعداً خاصاً لا يمكن أن نجد مثيلاً له بين جميع الأنشطة والعلوم الإنسانية كافة، أولئك الذين تذوقوا حلاوة الدخول إلى عالم المعنويات وشربوا من كأسه العذب شربة يدركون أن أشد الأمور تأثيراً وأعظمها وقعاً ما يرتبط بمنهاج السير إلى الله.
ولكن قبل أن ندخل إلى صلب البحث نتوقف قليلاً عند معنى السير إلى الله والوصول إلى الله، فقد كثر استعمال هذه المصطلحات في الآونة الأخيرة كثيراً وشاع استخدامها على ألسن الكثيرين من المدرسين والخطباء والوعاظ، ونظراً لعدم انطلاق هذه التعابير من مدرسة علمية فإن احتمال وقوع الالتباس والتشابه في فهمها يبدو كبيراً.

وبتعبير آخر أن هذه المصطلحات قد نشأت بين أحضان الكتب والعلماء وفي أجواء خاصة (لأن لكل علم نمط محدد من المصطلحات)، وبالتالي فإن فهمها يختص بمن ورد إلى هذه المدرسة ونهل من منابعها.
فالسير إلى الله تعبير عن حركة الإنسان المعنوية التي إذا انطلقت باتجاه صعودي وبقوة الشوق والإدارة تكون عاقبتها الوصول إلى الله.
وينبع هذا المفهوم من حقيقة الإنسان المجردة، وليس السفر إلا خلاصة هذه الحقيقة، فالانتقال والتغير والتحول من خصائص روح الإنسان بل في الواقع من خصائص كل مخلوق وإن كان يظهر بشكل أقوى في الإنسان.
إن كل موجود يتحرك بقوة الشوق ليصل إلى الله، ونظراً لمحدودية الموجودات المادية من الجمادات والنباتات والحيوانات، وخلوها من الإرادة والاختيار فإن سيرها يكون جبرياً وتتحرك بالشوق الذاتي الذي لا تخلف عنه ولا مهرب منه، وقد أشار صدر المتألهين إلى هذه الحركة وبرهن على وجودها وسمّاها: الحركة الجوهرية.
ولا يخرج الإنسان عن التحرك والتبدل، ولكن بما أنه أعطي الإرادة والاختيار، فقد يعرض عن سلوك طريق الارتقاء والتكامل وينزل إلى أسفل سافلين بإتباع الشهوات وحب الدنيا وغلبة الأنانية.

فالسير إلى الله إذن، يقصد به الحركة التكاملية التي تكتسب فيها روح الإنسان كمالاتها اللائقة بها، وبما أن الإنسان صاحب النفس المجردة التي تفوق سعةً العوالم المادية (إذ لا مقارنة هنا، ولا يصح ذلك، لأن الروح والمادة ليسا من مرتبة واحدة) فقد جعلت غاية حركته الوصول إلى عالم الإطلاق واللامحدودية، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيه فلقاء الله والوصول إليه تعبير عن غاية كمال الإنسان، حيث يفاض على الواصل بالكمال العظيم من سماء الرحمة الإلهية التي وسعت كل شي‏ء.

قال تعالى:"لم تسعني أرضي ولا سمائي ولكن وسعني قلب عبدي المؤمن".
ثم نطرح هذا السؤال: هل أن الوصول إلى الله أي إلى الكمال اللامحدود يأتي نتيجة حركة مادية يقطع فيها السائر مسافات مكانية؟ والجواب بكل بساطة: إن هذا السفر سفر معنوي وتحرك باطني لا يتم من خلال قطع المسافات وعبور البلدان والقارات، بل إن الإنسان لو قضى آلاف السنين مسافراً في أرجاء هذا الكون الفسيح وسار بسرعة الضوء لن يصل إلا إلى مكان مادي ولن يحصل على الكمال المطلوب.
وفي الحقيقة ربما يطرأ هذا السؤال عند من لم يفهم حقيقة الرابطة الإلهية بالعالم، وظن أن الله موجود في السماء قرب الفلك العاشر: "ذلك ظن الذين كفروا، فذرهم في طغيانهم يعمهون"...
أما التصور القرآني فإنه يبين للإنسان أن الله قريب منه، بل هو أقرب إليه من نفسه ومن حبل الوريد، وقد عبر أمير المؤمنين عليه السلام عن هذه الحقيقة بقوله: "... مع كل شي‏ء لا بممازجة".
فالقرب الإلهي يعني أن فيض الله المطلق متصل بكل الوجود ويفاض على كل ذراته بدون مانع أو حد.

فقد اتضح لدينا أن فيض الله مطلق وقريب ومتصل بالإنسان وإن الإنسان صاحب الوعاء الذي لا حد له كما عبر أمير المؤمنين ومولى الموحدين عليه السلام : "كل وعاء ينضح بما فيه إلا وعاء العلم".
فوعاء العلم الذي هو النفس المجردة العاقلة لا يصل إلى الحد الذي ينضح فيه (أي يطفح)، وذلك بسبب لا محدوديته...
وهنا نطرح هذا السؤال مجدداً: طالما إن الإنسان صاحب الوعاء اللامحدود وطالما أن عطاء الله لا ينقطع ولا ينتهي، فلماذا نجد الإنسان ناقصاً محدوداً؟
وهنا نسجل ملاحظة على السؤال لأن الإنسانية قد قدمت أروع نماذج من أفراد وصلوا إلى أعلى درجات الكمال، والأصح أن يقال: لماذا نجد الكثيرين (ونحن منهم) لم يصلوا إلى الكمال المطلوب؟
وحتى تتم الإجابة عن السؤال بصورة شافية وافية، فإننا نضع جميع الاحتمالات الممكنة التي قد تكون مانعاً من وصول الإنسان إلى كماله اللائق به.

* الاحتمال الأول:
أن يكون المانع هو الله تعالى.
الاحتمال الثاني: أن تكون العوامل الخارجية مانعة وحائلاً بين الإنسان وفيض الله.

الاحتمال الثالث: نفس الإنسان. وفي الواقع فإنه لا يوجد أي شي‏ء متصور يمكن أن يكون خارج الاحتمالات الثلاث المذكورة.
فإذا تأملنا في جميع هذه الاحتمالات وتفحصنا فيها جيداً وجدنا في نهاية المطاف المانع الحقيقي وعرفنا السبب الوحيد الذي يمنع الإنسان بكل ما لديه من استعدادات لا حد لها من الوصول إلى كماله العظيم.

الاحتمال الأول:
هل خلق الله تعالى عباده، وأعطاهم الإمكانات العظيمة ليحرمهم من تلبيتها؟ وماذا نسمي مثل هذا الفعل إذا صدر من أي شخص؟
لا شك أن مثل هذا العمل مخالف للحكمة وهو عين السفاهة، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً.
بل هو عز سلطانه صاحب الرحمة المطلقة التي وسعت كل شي‏ء، قال الله تعالى: ﴿قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى.
بل دعا الإنسان إلى سلوك سبيله ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ وقال: "اهدنا الصراط المستقيم" وقال: "إلا من رحم ربك، ولذلك خلقهم".
وتشهد على ذلك كل أركان الوجود وعوالمه وحقائق الإسلام وتعاليمه، ما من شي‏ء إلا ويسبح بعظمته تقدست أسماؤه.
وقال الله تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُواْ بِمَا قَالُواْ بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاء.
فالاحتمال الأول باطل، ويبقى الاحتمالان الآخران.
 

الاحتمال الثاني أن تكون الأمور الخارجية مانعة من وصول فيض الله إلى الإنسان المستعد، ويمكن حصر هذه الأمور تحت عدة عناوين أهمها الفقر والمرض والسجن والموت والشواغل.
أما الفقر فإنه وإن كان شديداً على الإنسان ويمنعه من الحصول على الكثير من احتياجاته الضرورية لاستمرار معاشه أو للعيش بصورة هنية ولكنه لا يمكن أن يكون مانعاً من الاستفادات المعنوية ويكفي أن نأخذ حياة الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم لندرك أن الفقر لا يحول بين الإنسان وخالقه، يقول أمير المؤمنين عليه السلام في هذا المجال: "ولقد كان في رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ما يدلك على مساوئ‏ الدنيا وعيوبها، إذ جاع فيها مع خاصته، وزويت عنه زخارفها مع عظيم زلفته، فلينظر ناظر بعقله: أكرم الله محمداً بذلك أم أهانه؟ فإن قال: أهانه، فقد كذب- والله العظيم- بالإفك العظيم، وإن قال: أكرمه، فليعلم أن الله قد أهان غيره حيث بسط الدنيا له، وزواها عن أقرب الناس منه".
وصحيح أن أمير المؤمنين عليه السلام، قد قال:" لو كان الفقر رجلاً لقتلته" ولكن ليس لأن الفقر مانع معنوي بل لأن إحدى وظائف الحاكم العادل القضاء على الفقر الإجتماعي وآثاره السيئة، ولو كان مانعاً من القرب لأنشد سيد الوصيين الغنى ولكان من أغنى الناس وأكثرهم جمعاً للمال في الدنيا.

2- المرض: يضرب لنا النبي أيوب عليه السلام أعظم مثل في التعامل مع المرض، فقد مرض مرضاً خطيراً جداً جعل كل الناس ينفرون منه ويلقونه خارج المدينة، ولكنه بقي على يقين من ربه ووصل إلى المراتب العظيمة من خلال صبره، وقد ورد في الأحاديث "أن المؤمن إذا مرض تتحات عنه ذنوبه كما يتحات الورق عن الشجر". فالمرض رغم أنه يمنع من كثير من الشهوات ولكنه قد يكون عاملاً مهماً ليقظة الإنسان، ونحن نسأل: له أن المريض في حالات مرضه يشعر أن الله قد بعد عنه أم العكس، ولا شك إن فطرتنا تجيب: بل هو معكم أينما كنتم.

3- السجن: وهذا النبي يوسف عليه السلام، وهذا الإمام الكاظم عليه السلام قد قدما لكل البشرية أعظم درس في الخروج من السجن بسلام بل جعلاه مدرسة ومرقاة للعروج...
ونحن قد شاهدنا عن قرب كيف أن أخواننا المجاهدين الذين وقعوا في أيدي الصهاينة الأعداء قد خرجوا من هذه المحنة أقوياء بل أشد إيماناً ورسوخاً في الحق.

4- وتبقى الشواغل المختلفة في الاحتمال الثاني، وهي تنقسم إلى قسمين: الشواغل الدنيوية والشواغل الجهادية، فالشواغل الدنيوية إذا كانت منطلقة من قاعدة براءة الذمة وفي دائرة الفراغ من التكاليف الأخرى تكون وسيلة للقرب والطاعة: "العبادة سبعون جزءً أفضلها طلب الحلال"، أما إذا كانت أعمالاً محرمة، كبيع الخمور والاشتغال بالربا، فإن الإنسان هنا يكون السبب وليست هي.
أما في بعض الحالات الخاصة التي يسمح فيها الشارع المقدس بارتكاب بعض المحرمات بصورة استثنائية وعند الضرورات الشديدة، كما هو مبيّن في كتب الفقه، فإن الحرمة فيها ترتفع وترتفع معها حاجيتها ومانعيتها من السير والوصول إلى الله.
وإذا كانت المشاغل جهادية وفي سبيل الله فما أعظمها من طاعة ووسيلة.
وإذا انتفت كل فروع الاحتمال الثاني يبقى الاحتمال الأخير، وهو الصحيح.
فإن الإنسان هو الذي يُعرض عن تلقي فيض الله، وهو الذي يخلد إلى الأرض وهو الذي يسير في أسفل سافلين، وباختياره هو يترك الحق ويتبع الباطل ﴿وَمَا ظَلَمَهُمُ اللّهُ وَلكِن كَانُواْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ النحل33.
وهكذا نكتشف أن المشكلة الأساس والمانع الأوحد هو إخلاد الإنسان إلى الدنيا وإتباع الهوى وتغليب الشهوات على الكرامات.

ويمكننا أن نختصر هذا بالقول: إن حجاب رؤية النفس وحب الأنا هو منشأ كل المفاسد وسبب كل سقوط وهوى.
والله تعالى قد عين للإنسان الطريق الوحيد لعبور هذا الحجاب إزالة هذا المانع وذلك برفضه والاعتراف بذل النفس وعجزها والفقر إلى الله، وهذا هو معنى العبودية.
فالعبودية هي مقام التخلص من الحجاب الأوحد والمانع الأول، حيث يصل السالك إلى مقام لا يرى لهواه قيادة ولا طاعة، ويخرق هذا الحجاب فيتصل بفيض الله المطلق.
العبادة هي فعل مستمر يعبر السالك فيه عن إيمانه بهذه الحقيقة وهي أنه الفقير حقاً والعاجز حقاً والذليل حقاً، وإن الله هو الغني القدير والحي القيوم.
عندما يصل الإنسان إلى هذا المقام لن يبقى بينه وبين الله أي مانع وعندها يصل إلى كماله الحقيقي.
من هنا نفهم لماذا كانت العبودية هي المنهج الأوحد للوصول إلى الله وندرك جيداً أن كل ما خرج عن العبودية فهو من لوازم الشيطان والمعصية.

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليقاً جديداً

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع