الحياة الطيبة في ظلّ الإيمان نَمَطُ الحَيَاةِ بين القناعة والترف في فكر الإمام الخامنئيّ دام ظله حياتُـنـا كما يرسمها الدين آخر الكلام: كيف تُطبِّع مع أورام؟ أوّل الكلام: بدرُ سامرّاء مع الإمام الخامنئي: الإنتاج عنوان العزّة من أسرار الغيبة والوعد الإلهي (5)(*) ثلاثون عاماً مباركة أخلاقنا: أيّها الـزوجان.. تنـازلا(*) مناسبة: زيارة الأربعين.. ولو من بُعد

النهج الأوحد للوصول إلى الله



إذا تتبّعنا مناهج جميع المدارس الأخلاقية والطرق العرفانية والفرق الصوفية وجدناها تختلف حول تحديد المنهج العملي والطريق السلوكي اختلافاً فاحشاً، وأن الباحث المبتدئ قد لا يلحظ مثل هذا الاختلاف من كثرة المسائل وتشعّبها، وربما يرجعه إلى مبدأ واحد، وهو حتمية الاختلاف في القضايا السلوكية، لهذا يعتقد بعض الجاهلين أن هذه العلوم والمعارف إنما هي معارف ذوقية وأمور اجتهادية تابعة لتجارب السالكين وآراء المشايخ وروّاد الطريقة.

ولكن الحق يقال أنه لا يوجد من قضية بعد المبدأ أو الغاية، أشد تأثيراً من قضية المنهج الذي يجب اعتماده للوصول إلى الغاية النهائية.
إن ابتعاد الناس عن هذا العالم المعنوي ينشأ في العديد من الأحيان من الحيرة التي تصيبهم عند معالجة الكثير من مزاحمات الحياة وابتلاءاتها، هذه الابتلاءات التي تتسع بشكل ملحوظ عندما يريد الإنسان أن يدخل إلى عالم المعنويات وساحة السير والمجاهدة النفسانية.

فإذا كان الضرر الذي ينشأ من جرّاء عدم الاختيار الجيد لنوعية السيارة مثلاً، يصل إلى حدود بعض الآلاف من الدراهم، إن الضرر الذي يحدث للسالك نتيجة عدم وضوح منهج السلوك قد يعوّض إطلاقاً.
وقد شاهدنا في هذا المجتمع، وما زلنا، الآثار السلبية لمثل هذا التخبط الذي يوصل أصحابه أحياناً إلى حالات الانتحار وفقدان التوازن النفسي أو الاجتماعي والادّعاء والغرور والإباحة و..

وغالباً ما يندفع البعض إلى اعتماد برامج سلوكية قاسية لأجل تحصيل الكرامات الرفيعة بسرعة، ولأنه سمع عن حالات بعض الأولياء الذين تطوى لهم الأرض ويعرفون ما في الضمائر والنفوس وتتجلى لهم الأرواح والأنوار، وعندما يمارس أحدهم ذكراً لآلاف المرات ولعشرات الأيام ثم لا يجد في نفسه شيئاً سوى التعب والضنك يشعر بيأس قاتل أو اضطراب مؤلم وتبدأ عيناه تغوران في وجهه كأمٍ ثكلى تنتظر عودة ابنها الفقيد.

والواقع أن تحديد طبيعة الطريق، أو بتعبير آخر أن امتلاك التصور الإجمالي الواضح والمحدد لحقيقة الصراط أمر يعتمد بشكل أساسي على النقاط التالية:
أولاً:
معرفة الله تعالى وصفاته.
ثانياً: معرفة الغاية النهائية وتمييزها عن الغايات المرحلية أو الوهمية.
ثالثاً: معرفة جوهر الشريعة الإسلامية.

وعندئذٍ يمكن الإجابة بشكل واضح عن التساؤلات التالية:
1- ما معنى الطريق؟
2- هل يجب أن يكون للإنسان طريق للوصول؟
3- كيف يمكننا أن نتعرف إليه؟
4- لماذا لا يوجد إلا طريق واحد؟
فالله تعالى هو الحكيم الذي لا يفعل شيئاً عبثاً، وبمقتضى حكمته المطلقة وفيضه اللامحدود فقد جعل لكل موجود غاية كبرى وهدفاً سامياً، وبمقتضى رحمته الواسعة وعدلة الشامل يعين لكل مخلوق طريقاً لبلوغ مقصده: ﴿قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾.

ومن العبث والسفاهة والظلم والجهالة أن يدعو أحدنا صديقاً لضيافته، ويعده بأشهى الأطعمة وألذ المأكولات ثم يدله على الطريق، لا بل يتوعده بالعقاب الأليم والعذاب المقيم!

وهذا يعني أن الطريق لكل مخلوق- وبالأخص الإنسان- هو عبارة عن انتقاله من حالته الأولى إلى الغاية التي خُلق لأجلها. أما استعمال كلمة الطريق فهو من باب المجاز، ولتقريب الصورة إلى الذهن، ولا دخل للزمان والمكان في أصل الموضوع.

ويتضح أيضاً أن وجود هذا الطريق أمر تستوجبه الرحمة الإلهية والعادلة الربانية وإن إنكاره يعود بالدرجة الأولى إلى الجهل بمقام الربوبية وحقيقة الألوهية، وإذا كان الأنبياء يمثلون هذا الطريق، فإن إنكارهم يرجع إلى عدم معرفة الله حقاً:
﴿وَمَا قَدَرُواْ اللّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُواْ مَا أَنزَلَ اللّهُ عَلَى بَشَرٍ مِّن شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاء بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِّلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا وَعُلِّمْتُم مَّا لَمْ تَعْلَمُواْ أَنتُمْ وَلاَ آبَاؤُكُمْ قُلِ اللّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ﴾.

وبمعرفة حقيقة الغاية التي خلقنا الله لأجلها وتمييزها عن الغايات الكثيرة التي تنشأ في نفوس الناس من هنا وهناك، وتمييزها أيضاً عن الغايات المرحلية التي تمثّل المحطات والمنازل المتوسطة بين الانطلاق والنهاية؛ بهذه المعرفة يمكن فهم عشرات النصوص التي اشتبهت على البعض وجعلتهم يتصورون طريقاً أو طرقاً مخالفة للواقع. "لو كان عرضاً قريباً وسفراً قاصداً لاتبعوك ولكن بعدت عليهم الشُّقة".

هناك عشرات المحطات التي أشير إليها في الآيات والأحاديث وذكرها أهل الله في كتبهم واهتموا بها اهتماماً خاصاً، وهناك عشرات المقامات والكرامات التي هي آثار ولوازم السفر وقد ذكرت في النصوص الشريفة أيضاً، بل ذكرت معها الشروط والمقدمات. وبالنظر إلى هذه المسألة قد يظن البعض أن المقام الفلاني هو الغاية وأن الأعمال المقدَّمة له هي الوسيلة.
وتزيد صعوبة الشبهة وخفاؤها إذا لم نقدر أن نميز بين الآثار والمقدمات، فما يكون ثمرة لعمل ما يصبح وسيلة ومنهاجاً، كالحب الخالص الحقيقي، فإن من لم يلتفت إلى هذه القاعدة يظن أن الذكر هو الوسيلة والحب هو الثمرة، بينما: "إذا أحب أحد شيئاً أكثر ذكره".
ونحن هنا لا ننفي ما للذكر من تأثير في تأجيج المحبة، ولكن لا ينبغي النظر إليه على أنه وسيلة لا أكثر.

إن دعوة الإسلام ليست منحصرة في أي سعادة بل إلى السعادة المطلقة، وأن الغاية التي خلقنا الله لأجلها ليست في الكمال بل الكمال اللامحدود، وبفهم هذه النقطة يمكننا أن نفسر بشكل دقيق سبب وصول البعض إلى درجات رفيعة من الكمال، وهم مخالفون (جزئياً أو كلياً) للنهج الأوحد والصراط المستقيم.

أما معرفة جوهر الشريعة فهي بالوقوف عند مغزى التشريع وسره وحقيقته، التي يمكن اختصارها بالتسليم التام والعبودية الكاملة لصاحب الشريعة سبحانه.

إن أدنى تأمل في معاني التشريعات المختلفة التي تشمل جميع أبعاد وجود الإنسان يدلنا على أن كل شيء فيها يوجه وجهة الإنسان نحو مبدأ الوجود ليصل إلى الخضوع التام والتسليم المحض لإرادة الله، وأن ظهور هذا الأمر لهو أشد وأجلى من المصالح الظاهرة والمتخفية في كل التشريعات.

أما ضرورة وجود الطريق الموصل إلى الغاية فإنها تستلزم ضرورة المعرفة به، فإذا كان الله سبحانه يأمرنا بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَابْتَغُواْ إِلَيهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُواْ فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ .

فلا شك أنه ييسر لنا معرفة هذه الوسيلة: ﴿ قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَىَ.

وذلك لأن الهداية تتفرع من الرحمة الواسعة والعدل الشامل والحكمة المطلقة: ﴿قُل لِّمَن مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ قُل لِلّهِ كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لاَ رَيْبَ فِيهِ الَّذِينَ خَسِرُواْ أَنفُسَهُمْ فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُون.

وحيث أن الإنسان موجود قد أُعطي زمام الاختيار وأوكل إليه أن يكتب مصيره بقلم أفعاله، فإن هذه الهداية أيضاً تكون إختيارية. وهذا يعني أن على كل إنسان أن ينال هذه الهداية بسيرة الاختياري، وأن معرفة الطريق مظهر لهذه الهداية.

ويتضح هذا المعنى أيضاً فيما إذا التفتنا إلى أن كمال الموجود الإنساني ممتزج بالوعي والاختيار. فحيث لا وعي ولا اختيار ولا كمال البتة، وهذه هي البصيرة التي وردت في حديث أمير المؤمنين عليه السلام: "السالك على غير بصيرة كالسائر على غير الطريق لا تزيده كثرة السير إلا بعداً".

ومن رحمة الله تعالى سريان هذه الهداية في آفاق الوجود وآيات الأنفس ومعارف التشريع وأحكامه.
فوجود الإنسان الواصل والولي الكامل من أعظم الشواهد، كما قال الإمام علي عليه السلام:"مالله آية أكبر مني".

والنظر والتدبر في حقائق النفوس، والتفكر في أصل الخلقة وسر الوجود الإنساني يهدي إلى الصراط.
وكذلك إذا رجعنا إلى معارف هذا الدين وأحكامه يتبين لنا أن كل ما ورد فيه يمثل هذا الطريق.

* كيفية تحديد المنهج الأوحد
من خلال الإشارات السابقة نعلم أن تحديد منهج الوصول يمكن أن يتم عبر ثلاثة طرق:
الأول:
بمراقبة سيرة إنسان وصل إلى الغاية النهائية، حيث يمكن اعتبار التجربة هنا خير دليل، بل أقوى برهان، ويعبَّر عن هذا البرهان في النصوص الشريفة بالحجة التامة، لأن الإنسان الواصل هو حجة الله على الناس، فهو يساويهم بالقابليات والظروف ومع ذلك تمكن من الوصول بسيره الاختياري.فإذا تعرفنا إلى نهجه في السلوك كانت هذه المعرفة حجة علينا أيضاً، لأن أقواله وأفعاله ومواقفه تمثل طريق السير والسلوك لبلوغ المقصد النهائي.

الثاني: إذا نظرنا في حقيقة أنفسنا وتعرفنا على القابليات التي أودعها الله فينا، فهي ميثاق الله ونداء الغيب الذي يمكن أن نقرأ منه طبيعة الطريق، فإذا عرفنا أن الله قد أودع فينا قابليات لا تعرف حداً، وأدركنا أن المانع الوحيد الذي يحول بين هذه القابليات اللامتناهية والفيض الإلهي المطلق هو حجاب النفس، نعلم ييناً أن الطريق الوحيد هو نفيض هذا المانع، وذلك على الشكل التالي:

1- القاعدة الأولى: الله يفيض على كل الوجود بالفيض المطلق، وهذا الفيض المطلق، وهذا الفيض متصل بالإنسان أكثر وأشد من اتصال شعاع الشمس بالشمس كما جاء في الروايات الشريفة ويشهد عليه البرهان القوي والآية الكريمة: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنزِلُ مِنَ السَّمَاء وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ناظرة إلى هذا المعنى.

2- القاعدة الثانية: كل إنسان يمتلك في أصل خلقته وعاءً لا حد له، هو وعاء النفس والروح التي تتسع للفيض المطلق: "لم تسعني أرضي ولا سمائي ولكن وسعني قلب عبدي المؤمن".

3- القاعدة الثالثة: جميع الموانع الخارجية المتصورة لا يمكن أن تحول بين الروح والفيض، وذلك لشدة الاتصال من جهة، ولأن الموانع الخارجية ليست موجودة إلا في عالم المادة، وهي لا يمكن أن تقف مانعاً بين شيئين متصلين حقيقة.

4- القاعدة الرابعة: أن واقع أكثر الناس يشهد على عدم استقبالهم ونيلهم للفيض المطلق، ولأن فيض الله يستحيل أن يتوقف لأنه من صفات الله تعالى، نعلم يقيناً أن كل ناقص وبعيد هو الذي يحتجب عن هذا الفيض والكمال، وذلك عندما يُعرض عنه لأجل هذا العرض الأدنى الذي هو بعض ملذات وكمالات محدودة زائلة، وهذا الأعراض عن الله والإقبال على الدنيا الفانية يسمى طغياناً: ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَى﴾.

وهذا الطغيان يشكل حالة من العبودية للنفس والهوى عندما يكون الإنسان مصراً على تلبية رغباته بنفسه عن طريق الدنيا.

إن منشأ جميع الخطايا في هذا العالم هو حب الدنيا، وأن منشأ حب الدنيا، هو حب النفس واتباع الهوى، وهذا هو المانع الوحيد الذي يعمي الإنسان عن حظه الحقيقي وكماله النهائي، إننا إذا فكرنا في أحوال هذه الدنيا وملذاتها نجد أن كل ما فيها لا يمثل كمالاً للنفس وغنى لها، فالدنيا أصلها الفناء والزوال وجوهرها المادة التي تشكل كمالاً للجسد الفاني والناقص.

وبمجرد أن ندرك هذه الحقيقة نعلم أن الحل الوحيد هو فيما يقابل المانع الوحيد تماماً، فإذا كان الهدف هو الكمال المطلق يجب إزالة المانع كلياً وإلا لم يصل السالك إلى هدفه، وما دام في النفس حجاب أو أثر من حجاب لن يصل إلى الكمال المطلق، ومن هنا نعلم معنى الروايات التي تحذر من وجود حب الدنيا في النفس ولو بمقدار حبة من خردل.

والواقع أن ما يمكن أن يقابل العبودية للنفس كلياً هو العبودية لغيرها مطلقاً. وهذا لا يمكن أن يحصل إلا في العبودية لله جلّ وعلا. فكل طاعة لغير الله سوف تشوبها شائبة للنفس وخصوصاً إذا علمنا أن في النفس مراتب لا يعلمها إلا الله سبحانه.
فالعبودية لله هي فناء إرادة العبد في إرادة المعبود حيث لا يبقى معها أي شيء من النفس التي هي أم الأصنام وأساس كل حجاب. وهذا هو الطريق الوحيد للوصول إلى الله تعالى.
 

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليقاً جديداً

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع