مع الإمام الخامنئي: الإنتاج عنوان العزّة من أسرار الغيبة والوعد الإلهي (5)(*) ثلاثون عاماً مباركة أخلاقنا: أيّها الـزوجان.. تنـازلا(*) مناسبة: زيارة الأربعين.. ولو من بُعد مناسبات العدد قصّة: كأبيه عليّ عليه السلام مجتمع: أرضــــــي (تجربة خاصّة) أوّل الكلام: ثلاثون عاماً من الحبّ والعطاء قراءة في كتاب: مشاهد من سيرة الشهيد الجامعي محمّد حسين جوني

العبودية الطريق الوحيد للوصول إلى الله



إنّ معرفة منهج الوصول إلى الغاية النهائية التي خلقنا الله تعالى لأجلها تعتبر شرطاً أساسياً من شروط السلوك المعنوي:
"فالسالك على غير بصيرة كالسائر على غير الطريق لا تزيده كثرة السير إلاّ بعداً".
ولا يخلو إنسان من تصور لنهج في الحياة يظن أنّه يوصله إلى السعادة المنشودة. كلّ واحد من البشر ينتهج طريقه في الحياة ويرسم حدوداً لعلاقاته وآفاقاً لنشاطاته تبعاً لهذه الطريقة. ولكن المسألة هي في معرفة النهج والطريق الذي يوصل إلى الغاية الحقيقة.

لقد اتضح لنا في المقال السابق أنّ الله سبحانه وتعالى خلقنا لأجل الوصول إلى الكمال المطلق. هذا الكمال الذي لا يوجد إلاّ عنده سبحانه، كما قال الإمام الخميني قدس سره: "كان هدف الأنبياء صناعة الإنسان وإيصاله إلى الكمال. لقد كان الهدف هو الكمال المطلق".

واتضح لنا أيضاً أن أكثر الناس يتصورون كمالهم موجوداً في الدنيا وملذاتها الفانية، وهم على هذا الأساس يرسمون نهجهم في الحياة.

ولكن عندما يستيقظ الإنسان من غفلته ويدرك حقارة الدنيا وصنعتها، ويتعرف على سرّ وجوده وأصل خلقته يعلم أنّه لم يخلق لهذه الدنيا. فهي دار الممر وأنّ العيش هو عيش الآخرة كما قال مولى الموحدين عليه السلام. وهناك يتعلق قلبه بالمبدأ الأول وغاية الغايات ويبحث عن السبيل للوصول إليه، يناجيه بقلبه راجياً راغباً ويدعوه راهباً طالباً الوصال واللقاء، فيأتيه النداء من سماء الرحمة الإلهية يعرفه على طريق الوصول ومفتاح القبول.

هناك يسمع دعوة الحق في سره، ويعرف نداء الرب في جهره:
"إنّ لله على الناس حجتان، حجة ظاهرة وأخرى باطنة، فأما الحجة الظاهرة فهي الرسول وأمّا الحجة الباطنة فهي العقل"
(حديث شريف).

وقد قال أمير المؤمنين عليه السلام:
"إنّ لله عباداً ناجاهم في فكرهم وكلّمهم في ذوات عقولهم..".

فمعرفة الطريق الإجمالي تحصل من خلال العقل والباطن، ومعرفة الطريق التفصيلي تحصل من خلال الرسالة والشريعة.

* نموذج من بين البشر
وإذا أردنا أن نضرب مثلاً من الواصلين والكمّل البالغين، لأخذنا الأنبياء عليهم السلام، فهم المظهر الأتم للإنسان الكامل الذي هو حقيقة الأسماء والصفات الإلهية.
فالنبي في البداية يدرك بعقله وفطرته أن لا معبود في الوجود إلاّ الله سبحانه، ويتعلّق قلبه بذي الجلال والإكرام وينجذب إلى أصل كلّ كمال وجمال، وتشتدّ جذبته إلى الدرجة التي تستغرق كلّ وجوده وتأخذ بمجامع قلبه فتنسيه كلّ ما عدا الله ويسلو عن الدنيا ويستحقر حطامها من الجاه والمنصب والمال والشهوات فلا يرى في الوجود إلاّ الله. ويصبح طالباً للقاء في كلّ آفاقه.

وعندما يرى الله الصدق والعزم في نيّته يوحي إليه، ويلقي إليه بشريعته التي هي طريق الوصول لبلوغ المقصد الأسمى. وهناك يستقيم النبي على الطريقة فيؤمر بالتبليغ ودعوة الناس والأخذ بأيديهم. فهو يدعو بالرسالة كلّ غافل، ويعلّم كلّ جاهل عسى أن يتّبع الهدى فينجو..
وقد يحصل للكثيرين من اتباع الرسل والأنبياء أن ينجذبوا بعد فترة ويصلوا بعد السلوك.

فهنا نجد نوعين من الواصلين:
الأول:
جُذب فسلك فوصل.
الثاني: سلك فجذب فوصل.

فالأول هو المجذوب السالك، والثاني هو السالك المجذوب... والجامع بينهما طريق الله الأنور الذي هو شريعته..
إنّ كل من يدرك حقيقة اللقاء وغاية الغايات يعلم أنّه لا طريق إلى بساط رحمته وعزّ ربوبيته إلاّ بالسلوك في ذلك عبوديته، لأنّه لا حجاب بين الإنسان ورب الأرباب إلاّ حجاب أنانيته وإنيته.

* وقفة قصيرة
فلنتأمل قليلاً في حقيقة أنفسنا وسر خلقتنا، فإنّنا إذا قرأنا كتاب فطرتنا – الذي هو كلمات الله الصافية – لعرفنا أنّ الله سبحانه قد جعل كلّ واحد منّا طالباً للكمال المطلق الذي لا حدّ له. وإنّه تعالى لا يمكن – لحكمته المطلقة – أن يفعل ذلك بنا عبثاً:
﴿  وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِين- الدخان - الآية - 38

فكلّ إنسان يشبه وعاءً لا حدّ له، تطلب كلّ ذرة فيه لذة وسعادة وكمالاً: "كلّ وعاء ينضج بما فيه إلاّ وعاء العلم (النفس)".
والله سبحانه وتعالى صاحب العطاء المطلق والكمال اللامحدود يفيض على كلّ الوجود بفيضه المطلق، ولا يعجزه شيء وهو أقرب إليه من حبل الوريد.

فالنداء الإلهي للإنسان ليس نداءً مجازياً أو صوتاً يتردد في الهواء، بل هو عين الفيض والعطاء:  ﴿كُلاًّ نُّمِدُّ هَؤُلاء وَهَؤُلاء مِنْ عَطَاء رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاء رَبِّكَ مَحْظُورًا - الإسراء - الآية - 20 . ويقول عزّ من قائل: "يا ابن آدم خلقت الخلق لأجلك وخلقتك لأجلي فهل تفرّ مني".

ولكن هذا الإنسان يعرض وينأى بجانبه ويتبع عرض هذا الأدنى فيستغني متمرداً ويستكبر جاحداً: ﴿إنّ الإنسان ليطغى إن رآه استغنى﴾.
إنّ مشكلة الإنسان يمكن اختصارها بكلمة، وهي الإعراض. هذا الإعراض الذي يأخذ أشكالاً كثيرة وينبع من حب الأنا والنفس. وبكلمة أخرى، عندما يتخذ نفسه معبوداً له يحتجب عن الله وفيضه، فيكون محروماً.

وهنا يأتي دور العبودية لله تعالى، حيث تمثل الأداة الوحيدة لتحطيم هذا الصنم الأكبر الذي هو أب الأصنام كلّها، فلا يجتمع في قلب الإنسان عبوديتان: ﴿ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه.
لأنّ العبودية لله تتناقض مع العبودية للنفس، فالأولى هي ترك الهوى والخضوع لإرادة الله والفناء في مشيئته. أمّا الثانية فهي ترك عبادة الله والشك به: ﴿أفرأيت من اتخذ إلهه هواه فلو رجع كلّ إنسان إلى نفسه لأدرك ظلمه ﴿ فَرَجَعُوا إِلَى أَنفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنتُمُ الظَّالِمُون.
ولعلم كم بعد عن كماله بركونه إلى نفسه واتكاله عليها واتخاذها غاية: "إلهي لا تكلني إلى نفسي طرفة عين أبداً".

* طريق الله
وهذا الدين الحنيف الذي يمثل منهج الوصول إلى الله، نجده يقوم في كلّ تعاليمه وأحكامه على أساس العبودية لله. وما أجمل ما قاله أمير المؤمنين عليه السلام في وصف الإسلام: "إنّ الإسلام هو التسليم".
ويقول العلامة الطباطبائي في رسالة الولاية: "إذا تتبعنا الكتاب والسنة، وتأملنا فيها تأملاً وجدنا أنّ المدار في الثواب والعقاب هو الإطاعة والانقياد والتمرد والعناد".

ولا يشكّ اثنان من المسلمين في أنّ كلّ ما يدور في أحكام هذا الدين وتعاليمه إنّما هو لتحكيم الرابطة بين الإنسان وخالقه، وإنّ هذا الدين ليس إلاّ وسيلة الربط بين الخالق والمخلوق، وإنّ هذه الرابطة لا تتحقق إلاّ بفناء إرادة العبد وخضوعه التام لرب العالمين.

فكلّ ما في الجنة من مقام وثواب إنّما ينشأ من صحة هذه الرابطة التي هي الطاعة، وإنّ كلّ عقاب وجحيم إنّما هو بسبب العناد والعصيان وقطع الارتباط.
وهكذا، يمكن القول إنّ الطريق الوحيد للوصول إلى الغاية النهائية هو العبودية والطاعة، وترك المعصية والاستكبار.

ولكن، ومع وضوح هذا المبدأ وسريانه في كلّ فكرة من الأفكار الإسلامية، نجد الكثير من الشبهات تدور حوله، وهذه الشبهات يمكن تقسيمها إلى قسمين:
- شبهات فكرية، وأخرى عملية
فإنّ كلّ مسلم لا يمكن أن ينكر أنّ طاعة الله هي السبيل إليه، ولا أحد منهم يقول بأنّ المعصية قد تقرب الإنسان من الله، ولكن عندما نتفحص في أحوال الفرق الكثيرة وأحوال السالكين نجد أنّ البعض منهم يعتقد بأنّ هذا المبدأ لا دخل له في السير والسلوك المعنوي أو أنّه مختص بالجنة والنار فقط. ورغم أنّه لا يعبر عن هذا الرأي صراحة،

 ولكنّه يمارسه عملياً. فإذا وصل الأمر إلى الحالات المعنوية أو إلى المقامات العرفانية، فإنّه يأخذ ممن يعرض بضاعته مهما كانت، وليس هذا إلاّ تعبيراً عن تقديم إرادة العبد على إرادة المرولى عزّ وجل.

ولخطورة هذه المسألة وحساسيتها، نستعرضها بشكل مفصل فنقول:إنّ من يطيع أو يتبغ غير أوامر الله قد يكون أحد اثني إمّا عامداً﴿فهو الجاحد الكافر، وإمّا جاهلاً غافلاً.
فالثاني يجهل إن دين الله شامل لكلّ زوايا الحياة طولها وعرضها، ولا يعلم أنّ من رحمة الله وحكمته أن يتمّ دينه ولا يترك شيئاً مما يحتاج إليه الإنسان في سلوكه إلاّ ويبينه له.

ومن جملة الاحتجاجات التي واجه بها أمير المؤمنين عليه السلام تلك الحملة الاجتهادية الخاصة مقابل النص (والتي حدثت قبل حكمه الشريف) ما قاله عليه السلام: "أنزل الله ديناً ناقصاً لتكملوه؟!" (نهج البلاغة)

وعندما يذكر القرآن الكريم في الذكر الحكيم فإنّه يوصف:  ﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِم مِّنْ أَنفُسِهِمْ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَى هَؤُلاء وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾.

وقد استغلّ البعض هذا الجهل، فقاموا بالاجتهاد الشخصي ومارسوه دون الرجوع إلى النصوص الشريفة وسيرة المعصومين عليهم السلام. وقد حدث هذا الأمر كثيراً – وما زال – في مجال علم الأخلاق والسير والسلوك. بل يمكن القول إنّ أكثر علم تعرض للاجتهادات الخاصة هو علم الأخلاق والمعنويات.
أمّا الجاحدون فهم الذين يعلمون أنّ هذا هو حكم الله ويلتفتون إلى وجود إرادة لله عزّ وجل في المسألة الفلانية ولكنه يخالفونها. وهذا الصنف من الناس مثله كما قال الله تعالى: ﴿أخذته العزة بالإثم.

فخلاصة الكلام، إنّ مقتضى الرحمة الإلهية والعدل الشامل أن يكون لله في كلّ شيء حكم، كما قال صادق أهل البيت عليهم السلام: "إنّ لله في كلّ شيء حكماً"
والذي ينكر هذا الأمر، فإنّ إنكاره يعود إلى الجهل أو عدم الإيمان بحقيقة الألوهية. تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً.

وإلى هذه الحقيقة أشار القرآن الكريم في قوله تعالى:  ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ  حيث بيّن الله عزّة آلاؤه أنّ الطريق الوحيد لكلّ مكلف من الجن والإنس هو طريق العبودية.

وللبحث صلة
 

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليقاً جديداً

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع