مع الإمام الخامنئي: الإنتاج عنوان العزّة من أسرار الغيبة والوعد الإلهي (5)(*) ثلاثون عاماً مباركة أخلاقنا: أيّها الـزوجان.. تنـازلا(*) مناسبة: زيارة الأربعين.. ولو من بُعد مناسبات العدد قصّة: كأبيه عليّ عليه السلام مجتمع: أرضــــــي (تجربة خاصّة) أوّل الكلام: ثلاثون عاماً من الحبّ والعطاء قراءة في كتاب: مشاهد من سيرة الشهيد الجامعي محمّد حسين جوني

تحقيق: شهيدة الوطن (الممرّضة زينب حيدر)

تحقيق: كوثر حيدر


هي إحدى المحاربات، وممرّضة بحجم وطن. مسيرة عطاء إنسانيّ، ما برحت عن الخدمة منذ نعومة الصبا الجميل. أخمد شعلتها ألم المرض المباغت على حين غرّة، لم يمنحها فرصة العناق الأخير، دفء حنان محبّيها، لمّة أهلها وإخوتها. كان وداعاً بارداً، أشبه بمدينة خالية من الأصوات فقط صور معلّقة لأناس مرّوا من هنا، وغرف الموتى الموزّعة بالمجّان وعدّادات لا عداد لها لأرواح أزهقتها جرعة ناقصة من الهواء.

"في قلبي نار مشتعلة لا أدري إن كان الزمن قادراً على إخمادها.. زينب لم تكن شقيقتي فقط، هي أختي وصديقتي وجارتي"

•من هي الممرّضة "زينب"؟
لم تعتبر الطبّ والتمريض مهنة ماديّة فحسب، بل أحبّت هذا العمل من قلبها، وهي مجازة في العناية التمريضيّة عام 1992م، مضافاً إلى شهادة امتياز فنّيّ في العناية التمريضيّة عام 2007م، وإجازة فنيّة في العناية التمريضيّة عام 2008م. وقد عملت في مستشفى الزهراء عليها السلام، وهو مركز طبّيّ جامعيّ، بصفة ممرّضة مجازة في أقسام العناية الفائقة منذ العام 1993م. وحازت تنويهاً إداريّاً لاستحقاقها صفة "متميّز" في حسن التعامل والتواصل مع المرضى، لتنال في ختام مسيرتها وحياتها وساماً أبديّاً بصفة "ممرّضة برتبة شهيد" تقديراً لتفانيها غير المتناهي على خطوط الجهاد التمريضيّ، ومؤخّراً على وجه الخصوص في مجابهة وباء الكوفيد - 19 المستجدّ، الذي تمّ تشخيص إصابتها به في 10 تمّوز 2020م، لتُنقل بعدها في 14 تمّوز 2020م إلى مستشفى رفيق الحريريّ الجامعيّ، معلنةً سلامها الأخير في 3 آب 2020م.

•"أتعبني رحيلُكِ"
تختصر "خديجة" الأخت الكبرى لزينب، وجارة سكنها في الوقت نفسه، وداع شقيقتها الذي لم يكن في الحسبان: "في قلبي نار مشتعلة لا أدري إن كان الزمن قادراً على إخمادها.. زينب لم تكن شقيقتي فقط، هي أختي وصديقتي وجارتي، علاقتنا تتعدّى كونها علاقة أخوّة عاديّة، كانت بمثابة أمّ لأولادي، أأتمنها عليهم. كانت المتنفّس الذي ألجأ إليه عندما تعييني الحياة. اليوم لم يعد هناك من صديق أشاطره آلامي وأحزاني، هذا السند الرقيق والحنون أخلى مكانه".

•المتفانية والمخلصة
تقول خديجة: "27 سنة من الخدمة أدّتها في مستشفى الزهراء عليها السلام، إلى جانب خدمتها للأهل والجيران دون مقابل. فقد كان ابن جارتنا مصاباً بالسرطان وحالته شديدة الصعوبة، فكانت زينب تخدمه من فترة إلى أخرى دون تقاضي أيّ مبلغ، حتّى باتت أمّه ترسل إليها الهدايا تعبيراً عن محبّتها".

وقد عُرفت "زينب" طوال السنوات التي أمضتها في مستشفى الزهراء عليها السلام، بحنانها المفرط وهدوئها وتفانيها في العمل. فبحسب رئيسة هيئة التمريض في مستشفى الزهراء عليها السلام سمر العرب: "زينب صبورة إلى أقصى الحدود، ويشهد كلّ من عرفها خلال السنوات التي أمضتها معنا في المستشفى، تضحياتها الكثيرة في العمل. دائماً كان المريض وصحّته أولويّتها".

•"لا أستطيع التنفّس"
تقول خديجة: "لحظة تلقّي (زينب) نبأ إصابتها بالفيروس، قامت بحجر نفسها وزوجها في المنزل، متّخذةً أعلى درجات التدابير الوقائيّة حرصاً على عدم عدوى زوجها. وكنت أوصل لها حاجاتها من الخارج إلى أمام باب منزلها متّخذةً الإجراءات الوقائيّة اللازمة. تفاقمت حالة (زينب) بدءاً من الأسبوع الأوّل، فلزمت العلاج في المنزل إلى أن هاتفتني ذات ليلة مستنجدة: "خديجة لا أستطيع التنفّس". كلّ الأدوية التي كانت تأخذها لم تجدِ نفعاً، الحرارة لم تنخفض عن الـ39 درجة، ومع مرور أيّام قليلة كانت حركتها الجسديّة تسوء سريعاً، حتّى إنّها لم تستطع الأكل والشرب، وعجزت عن أداء فرض الصلاة من شدّة الألم!! إلى أن أعادت في اليوم الثامن الفحص في مستشفى الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم لتكون النتيجة إيجابيّة ونسبتها عالية جدّاً!".

•"لحقوني"
تتابع قائلة: "في أحد الأيّام، تواصلت زينب مع أحد الأطبّاء المقرّبين لها شارحة له وضعها الصحيّ، فقال لها حرفيّاً: يا زينب، فوراً إلى المستشفى. فما كان منّي إلّا أن قمتُ الساعة العاشرة ليلاً بمساعدة زوجها في تجهيزها كي ننقلها عبر الصليب الأحمر، وفي هذه اللحظات ظلّت زينب تصرخ: (يا خديجة لحقيني! يا علي! لحقوني! أنا ضاق نفسي وعم بختنق!). وصلنا إلى مستشفى الحريريّ، فأظهرت نتائج الفحوصات سوء حال رئتيها، ما استدعى إبقاءها لديهم. مضى الأسبوع الثاني في المرض، والأوّل في المستشفى، وحالة (زينب) تزداد سوءاً.

صباح يوم الثلاثاء في 7/4/2020م، انقطع التواصل معها، وتبيّن أنّهم اضطرّوا لتنويمها إثر تزايد ضعفها، وبسبب الإجراءات اللاحقة من إمدادات للأوكسيجين والتي تتطلّب ذلك، ما سيحدّ من تغلغل المرض. ومنذ ذلك الحين وحتّى يوم عيد الأضحى و(زينب) على هذه الحال، إلى أن بدأ الحديث عن عدم استقرار ضغطها وضربات قلبها. (زينب) لم تكن تعاني من أيّ مشاكل سابقة، لذلك خلص الأطبّاء في النهاية إلى احتمال تطوير الفيروس لنفسه بعد أن تملّك من رئتيها بالكامل!". تضيف خديجة: "28 يوماً تبدّل فيه شكل أختي إثر تغلغل المرض وسرعته، ولولا أنّهم أشاروا إليها لما عرفتها. لم تكن أختي النائمة أمامي، لم تكن صورة الممرّضة التي أعرفها أمامي. بُترت رئتاها باكراً.. بسرعة".

•رفيق الدّرب ينعى شريكة العمر
يقف "علي أيّوب" في مشهد مماثل، مفجوعاً برحيل رفيقة دربه، والساهر قربها في أحلك الليالي التي جابهاها معاً، حائراً بوصف يليق بها على حدّ قوله: "إنّها الزوجة المخلصة والحنونة. إنّها ملاك مركبا الجنوبيّة، التي تربّت على الحب والعطاء، والتي نذرت نفسها لرسالة التّمريض السامية. كانت (زينب) ملاك الرحمة وشعاع الشمس الذي يتسرّب من الظلام.. تلقّت خبر المرض برحابة صدر، وتعاملت معه بحذر. لم تيأس يوماً لشدّة إيمانها بالله وتسليمها لمشيئته. كان خوفها الوحيد من احتمال نقلها العدوى -التي تلقّتها من زميلتها في العمل- إلى أحد آخر.

لقد أدّت رسالتها الإنسانيّة حتّى الشهادة، فجسّدت أسمى آيات العطاء وبذل النفس. رحلت من على محراب الواجب الذي تؤدّيه بإيمان وإتقان، على الرغم من كلّ المخاطر المحيطة بها. رحيلها ترك مكاناً خالياً ومؤلماً، كانت الرفيق والحبيب والأخت، والأنيس الذي لا يعوّض غيابه أيّ إنسان".

•"شهيدة الوطن الأولى"
نال نبأ استشهادها تعاطف أبناء الوطن على اختلافهم، فراح كلّ ينعاها على طريقته وعبر منبره الخاصّ. كما نعت جهات رسميّة عديدة الشهيدة، فتوجّه وزير الصحّة الدكتور حمد حسن بالتعازي لعائلتها وأهلها ومحبّيها، مؤكّداً أنّها "أدّت رسالتها في مهنة التمريض حتّى الشهادة البيضاء، فجسّدت أسمى معاني الخدمة الإنسانيّة التي تقتضيها المهنة". وأيضاً، نعتها نقابةُ الممرّضين، فأصدرت بياناً: "خسر الجسم التمريضيّ إحدى المدافعات عن الصحّة في وجه وباء كورونا، وانضمّت شهيدة الواجب إلى قافلة الشهداء الذين يبذلون حياتهم من أجل حياة الآخرين".

وكان مدير مستشفى رفيق الحريري الحكوميّ الجامعيّ فراس الأبيض، قد أعلن في تغريدة على حسابه عبر "تويتر"، عن استشهادها، كاتباً: "شهيدٌ آخر يقدّمه الجسم التمريضيّ والطبّيّ في سبيل الواجب، زينب بطلة، واحدة منّا، والآن هي في مكان أفضل". وأضاف: "رحمها الله، وألهم أهلها الصبر والسلوان، وألهم أهل هذا البلد ومسؤوليه الوعي للخطر المحدق بنا، واتّباع إجراءات الوقاية والسلامة".

ليست "زينب" أولى ضحايا هذا الوباء، ولكنّها أولى المستشهدات في الطاقم الطبّيّ على خطوط المواجهة المباشرة. لقد أسمع أنينها الأخير كلّ المستخفّين والمستهترين بفيروس حَجَرَ معظم دول العالم، ومنع الناس عن مزاولة حياتهم بشكل طبيعيّ، لتكون بختام مسيرتها "شهيدة الوطن الأولى". ونختم بما كتبت ابنة أختها على صفحتها على الفايسبوك: "خالتي لم تكن مصابةً بالسرطان، أو السكّري أو الضغط، رغم ذلك فتك بها الفيروس، وعمرها 48 سنة فقط. يجب على الجميع عدم الإهمال والاستهتار".

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليقاً جديداً

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع