مع الإمام الخامنئي: الشباب وصناعة الثقافة أخلاقنا: عقبات في طريق الزواج(*) مناسبة: نحن وعدك الصادق تسابيح جراح: كجراح العبّاس عليه السلام احذر عدوك: احذروا الابتزاز الإلكترونيّ! نظّارات ذكيّة لالتقاط الصور والترجمة الفوريّة طبيب روسيّ يدعو إلى منع الوشم تطبيق لبنانيّ لكبح انتشار كورونا استخدام خلايا الحبل السرّيّ لمعالجة كورونا مع الإمام الخامنئي: قواعد القرآن.. سعادة الدنيا والآخرة

ما بعد الحرب النفسيّة للعدوّ

البروفسور محمّد محسن (*)


بعد أن نجح فيروس كوفيد- 19 في حربه النفسيّة وفرض أجندته على الشعوب والدول في العالم، على الرغم من التفنّن في أشكال المقاومة البشريّة له حتّى في المرحلة الأخيرة والتي تعتبر مرحلة ما بعد انتشار الوباء عالميّاً، سنكتشف لاحقاً أنّه خُطّط جيّداً لهذه المرحلة الصعبة والمهمّة في حياة البشر. عندها سندرك أنّ الضربات العسكريّة القاتلة، والاستعانة بالطابور الخامس في الداخل، وتوسعة مسرح العمليّات تدريجيّاً، والتسلسل في استخدام أنواع الأسلحة بحسب قوّة الدفاعات البشريّة، ما هي إلّا محطّات إلزاميّة للولوج إلى مرحلة الفوضى والانهيار والمعاناة الطويلة الأمد.
 
* عدوّ يُحسن التخطيط والتنفيذ
نحن البشر لا بدّ لنا من أن نعتــــرف بقدراتـــــه الخفيّة والمعلنة، وبأفكـــــــاره الاستراتيجيّة وما بعد الاستراتيجيّة. أنا شخصيّاً، كواحد من سكّان هذه الأرض الطيّبة، والتي أسأنا إليها كثيراً وأفسدناها في البرّ والبحر والسماء، لا أحبّ هذا الفيروس المتعجرف، على الرغم من إعجابي الشديد بما يملك من فكر ثاقب ونظام صارم وتنفيذ مبرمج، فهو لم يترك صغيرةً ولا كبيرةً إلّا وأخضعها للمحاكاة قبل التنفيذ، وأخضعها أيضاً لمصفوفات حسابيّة رياضيّة، وأدخلها في برامجه الحاسوبيّة، عندها تيقّن أنّه سينجح في أداء مهامه على أكمل وجه. صحيحٌ أنّه مهّد للغزو وللحرب عبر استنزاف كلّ مراحل التفكير المسبّق مستعيناً بالأبواق التي قلّلت من خطره وانتشاره، وصحيحٌ أنّه خصّص وقتاً ثميناً للقتل المنهجيّ لكلّ الفئات العمريّة في المجتمع، إلّا أنّه توقّف مليّاً عند مرحلة ما بعد محاولات القتل والإبادة الجماعيّة للبشر في المدن والشوارع والأزقّة والمستشفيات وغرفها وممرّاتها والفنادق ومراكز التسوّق المجهّزة للموت والحجر الصحّيّ..

الحرب الكونيّة الفيروسيّة
إنّها مرحلة تداعيات الحرب الكونيّة للجائحة كورونا، حيث تشكّل العناية المرجوّة لكلّ مشروعها العسكريّ والنفسيّ، وهي المرحلة الأخطر؛ لأنّها ستواجه نتائج مفاهيم الحروب العسكريّة لأهداف نفسيّة، والتي يمكن أن تصيب المجتمعات والدول بصدمات نفسيّة تعوق من تقدّمها، هذا إذا لم تعدها سنوات إلى الوراء.
هذا الفيروس الكونيّ غير المرئيّ سيضحّي بمليارات الفيروسات المقاتلة على الأرض وبالأجسام البشريّة، ولكنّه سيحتفظ بالجائحات الذكيّة أصحاب الاختصاص ممّن لديهم تخصّصات دقيقة في علم الإنسان وممّن يملكون IQ (مستوى ذكاء) مرتفعاً، وسيختار كبيرهم القادة العسكريّين الذين خاضوا بشجاعة وقساوة وقلّة شرف الحرب ضدّ الإنسانيّة.
سيختبئون في مقرّاتهم السرّيّة، ويراقبون عبر المناظير الإلكترونيّة المتطوّرة وصور الساتيلايت والاستشعار عن بُعد وأجهزة التنصّت والرادارات الحديثة كيف سيتعامل بنو البشر مع الخسائر الفادحة التي تكبّدوها وكيف سينهضون من جديد مثل طائر الفينيق.
لقد خسر كوفيد- 19 الانتصار الساحق، ولكنّه أوجع كثيراً التجمّعــــــات البشريّة، وأربـــك الحكومات والسياسيّين، ودمّر الاقتصاد، وسبّب البطالة، وشلّ عمل المؤسّسات بأنواعها كافّةً.

* إدارة الأزمات
درس كوفيد- 19علم إدارة الأزمات، الذي لم يلحظ كثيراً علم انتشار الأوبئة والأمراض، ولكنّه لحظها أكثر من باب الكوارث الطبيعيّة أو البيئيّة؛ لذلك عمل على اتّباع الإجراءات المتّبعة نفسها في هذه الأزمات في مختلف مراحلها: قبل، وأثناء، وما بعد الأزمة. وما يهمّنا الآن هي مرحلة ما بعد الأزمة.
1- ما بعد الأزمة: فبعدما حقّق مبتغاه في خلق الفوضى في المجتمع، وإلحاق الضرر الكبير في النظم والصحّة والاقتصاد والحياة السياسيّة والبرلمانيّة، وفي عمل المؤسّسات التربويّة والشركات والمصانع، وحتّى في طبيعة العلاقة بين أبناء البشر أنفسهم، عليه التركيز الآن على المرحلة الأقرب إلى قلبه، وهي مرحلة الانهيار والركود.
في تجربة الحروب، كالحرب العالميّة الثانية وحرب فيتنام والغزو الأمريكيّ للعراق عام 2003م والحرب الإسرائيليّة على لبنان عام2006م، وعلى الرغم من أنّها ذات طبيعة مختلفة، ولكن يمكن الاستفادة من دروسها وعِبرها. فمرحلة ما بعد الحرب لا تقلّ صعوبة عن مرحلة الحرب، حيث يجب معالجة النتائج الكارثيّة لأعمال القتل والتدمير والتخريب، وانهيار المؤسّسات، والأزمات النفسيّة التي يمكن أن تبقى طويلاً في لا وعي الناس، ممّا يشكّل إعاقة في العودة إلى الحياة الهادئة والهانئة والمستقرّة؛ هذا إذا ما انتهى كليّاً خطر اندلاع الحرب مرّة جديدة.

2- مدى جهوزيّة الدول: هي مرحلة مدى جهوزيّة الدول لمواجهة الأخطار. هل خططها فيما يتعلّق بإدارة الأزمة شاملة ومحيطة بكلّ ما يمكن أن يستجدّ؟ وهل الإجراءات المتّبعة كافية للتعامل معها؟ وهل المسؤولون في الدولة كانوا على جهوزيّة عالية للمتابعة ومواكبة التطوّرات وإعطاء التعليمات الضروريّة؟ وهل التجهيزات العسكريّة والطبّيّة والمدنيّة واللوجستيّة كافية؟ ماذا عن الموارد البشريّة؟ هل هي مدرّبة تدريباً متخصّصاً وفاعلاً للمشاركة في إنقاذ الناس ومعالجة مشاكلهم في المرحلة اللاحقة؟ هذه الأسئلة كلّها مشروعة في خضمّ التعامل مع أزمة كوفيد- 19، وبالأخصّ مساءلة طبيعة العلاقة التي تحكم صانعي القرار السياسيّ مع القائمين على إدارة الأزمة. فأصحاب القرار هم في النهاية من يتحمّلون نتائج القصور أو التقصير في التعامل مع الأزمات.

3- إعادة خلط الأوراق: كوفيد- 19 هو وقيادة أركانه، يدركون جيّداً طبيعة العلاقة بين الحاكم والمحكوم، بعد أن أخضع الحكّام الشعوب على مدى سنوات طويلة للرصد العلميّ للعقل والسلوك. لقد صرفوا الكثير من الموازنات الماليّة على الدراسات التي تشرح طبيعة العلاقة بين الطبقة السياسيّة والمواطنين، كالانتخابات البرلمانيّة والممارسات الديمقراطيّة والتوتاليتارّية في الدول المستهدفة. وهذا لأنّه لم يبدأوا الحرب أصلاً إلّا بعد أن تأكّدوا من أنّ المرحلة الأخيرة هي المرحلة الأصعب والأشدّ، حينها ستدرك الحكومات والمجتمعات البشريّة أنّ الذي حصل معهم لن يقف عند هذا الحدّ، بل سيكون له تداعيات كثيرة على مستوى النظم السياسيّة والعلاقات الدوليّة والتحالفات الدوليّة والإقليميّة وعمل البنك الدوليّ والمنظّمات العالميّة، وسينشغل البشر كثيراً في إعادة بناء وترميم ما تهدّم في تلك الحرب المميتة.

* جبهة القطاع الصحّيّ
سيغيّر كوفيد- 19 مفهومنا للجيوش في العالم وللعلم العسكريّ التقليديّ، حيث ستعجز الطائرات الحربيّة والدبّابات والمدفعيّة والأسلحة النوويّة عن مواجهة هذا الخطر المباشر، وسيقتصر دور الجيوش النظاميّة على مواكبة خطط الطوارئ والتعبئة العامّة والمحافظة على النظام العامّ والخوض في الأمور الكلاسيكيّة للحروب. هذا سيفرض علينا التفكير عميقاً في مفهوم الخطوط الأماميّة للمواجهة مع العدوّ ومن سيحلّ مكان القوّة العسكريّة في أنماط المواجهة الجديدة وأساليبها. حتماً الأطِبّاء والممرّضون والصيادلة والقطاع الصحّيّ كلّه وعلماء المناعة والوقاية سيكون لهم شرف التصدّي والمواجهة؛ لأنّهم الأقدر على خلق استراتيجيّة دفاعيّة جديدة، وإلحاق الخسائر الجسيمة بالعدوّ، والإبقاء على الجبهة الداخليّة متماسكة وسليمة لمنع الانهيار، وإن كان على حساب صحّتهم وسلامتهم.

كشف لنا العدوّ كورونا عن هشاشة أنظمتنا الصحّيّة في مواجهة الأزمات العالميّة، وهذا يستدعي من الحكومات أن تعيد النظر في النموذج السائد، وتعمل على قوانين وتشريعات جديدة، وتبني مؤسّسات قادرة على المواجهة الاستراتيجيّة ولفترةٍ زمنيّة طويلة. وعليها الانتقال إلى تكنولوجيا المعلومات في المجال الطبّيّ بما فيها تعزيز الإعلام الطبّيّ عبر التلفزيون والإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعيّ.

* الأثر النفسيّ
نتيجةً لكورونا، سوف يبتعد الناس عن بعضهم بعضاً ويلجؤون إلى العزلة، وسينصرفون أكثر إلى وسائل التواصل الاجتماعيّ لتفقّد الأقارب وتقديم واجب العزاء، والمشاركة الافتراضيّة في المناسبات الاجتماعيّة والمناسبات الأكاديميّة والتربويّة، وسوف يؤثّر مفهوم التباعد الاجتماعيّ (Social distancing) عليهم لفترة طويلة، وستتكيّف البشريّة مع الاعتزال والحجر خوفاً من موجة ثانية تضرب الكرة الأرضيّة مجدّداً.
الألم الجماعيّ لمرحلة ما بعد الصدمة سيكبر مثل كرة الثلج، وإن لم تبادر الحكومات والجامعات ومراكز الأبحاث ومراكز العلاج النفسيّ من الآن لتخفيف الآثار النفسيّة على الأفراد والجماعات ضمن خطط قصيرة وطويلة الأمد، سوف نتحوّل إلى مجتمعات مريضة، وستزداد الهوّة بين من يخضع للعلاج وينجو، وبين من لا يخضع.

* ما بعد كورونا
سوف يفقد الكثيرون وظائفهم، وسوف تشحّ المصادر الماليّة، وتهبط أسعار البورصة والنفط، وسوف يعاد النظر في النظريّات الاقتصاديّة القائمة حاليّاً في المجتمعات الليبراليّة، وسوف يكتشف الخبراء أنّ الأدوار التي يمكن أن يلعبها القطاع العامّ هي أهمّ وأدوم من الأدوار التي يلعبها القطاع الخاصّ، وخلاص البشر هو أن يكونوا تحت رحمة حكوماتهم القويّة والعادلة، لا تحت رحمة الشركات الرأسماليّة الاحتكاريّة العابرة للقارّات، وسوف يحـــــــاول العقل البشريّ طرح نظريّــــــات ومقاربات جديدة في الاقتصـــــاد والسياسة والتربية والعلاقات الدوليّة.

 
(*) عميد المعهد العالي للدكتوراه في الآداب والعلوم الإنسانيّة والاجتماعيّة-الجامعة اللبنانيّة.

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليقاً جديداً

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع