قراءة في كتاب: مشاهد من سيرة الشهيد الجامعي محمّد حسين جوني احذر عدوّك: فتبينوا (2) كمّامة تضيء لمحاكاة حركة الشفاه عند التحدّث "عصبونات دماغيّة" في رقاقة إلكترونيّة! محطّات شحن سيارات كهربائيّة في إيران "سمكة الترويت": من خيرات الديار كلّنا مزارعون الزارعون كنوز الله في أرضه الاقتصاد المقاوم... تجربـــة رائــــدة اليد المنتجة.. مباركة

مع الإمام الخامنئي: العمـل... العمـل(*)


يُطرح مفهوم العمل في الإسلام بمعنيَين: العمل بالمعنى العامّ، الذي يشمل العمل المعنويّ والدنيويّ والأخرويّ والاقتصاديّ والفكريّ والجسديّ والبدنيّ، والعمل بمعناه الاقتصاديّ الخاصّ، حيث تُعرض حاليّاً في العالم مسألة العمل والعمّال بمعناها الخاصّ.

•مفهوم "العمل" في الإسلام
1- المفهوم العامّ للعمل: يقول الله تعالى: ﴿وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ (النجم: 39)، وعن أمير المؤمنين عليه السلام: "العمل العمل، ثمّ النهاية النهاية"(1).

"العمل العمل"، شعار يطلقه الإمام عليه السلام للتشديد على أهميّة العمل، ثمّ "النهاية النهاية"؛ يعني ضرورة إتمام العمل. في الحقيقة، إنّ إحدى مشاكلنا وعيوبنا هي أنّنا أحياناً نبدأ العمل ثمّ نتركه في منتصفه غير مكتمل، وهذا ما يجب أن نلتفت إليه فعلاً.

هذا المعنى العامّ للعمل، لا يخصّ العمل بمفهومه الاقتصاديّ فقط، بل العمل العمليّ، والعمل الدينيّ، والعمل الدنيويّ، والعمل الجماعيّ، والعمل الجمعيّ، والعمل السياسيّ، والعمل الجهاديّ. هذا المعنى للعمل يشمل جميع الأعمال والأفعال. تلاحظون في القرآن أيضاً كم تكرّرت الآيات حول العمل: ﴿وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ﴾ (البقرة: 82)، ﴿الَّذِين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ﴾ (البقرة: 25)، ﴿وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ (البقرة: 62)، وذلك كلّه للتأكيد على أهميّة العمل.

وَفق مفهوم العمل هذا، يمثّل العمل النقطة المعاكسة للبطالة وحالة الخمول وانتظار مساعدة الآخرين. يجب أن ننتبه لألّا نتوقّع الحصول على شيء بالمجّان؛ سواء في مجال القضايا الدينيّة والأجر الأخرويّ، أو في القضايا الدنيويّة، أو القضايا الوطنيّة المهمّة، والقضايا السياسيّة والاجتماعيّة. فيجب العمل، والسعي، وبذل الجهد في العمل، وهنا يجب المطالبة بنتيجة العمل؛ فالخمول وتوقّع العون المجانيّ أمر خاطئ، أمّا الاعتماد على العمل بهذا المعنى فهو لأجل هذه الميزة.

2- المفهوم الخاصّ للعمل: أمّا المفهوم الثاني للعمل، أي المفهوم الاقتصاديّ، فهو موجود أيضاً في الإسلام، وخير دليل على ذلك، حين كان يمسك النبيّ الأكرمصلى الله عليه وآله وسلم يد العامل ويقبّلها. هذا أمر في غاية الأهميّة، وكذلك قول النبيّ الكريم صلى الله عليه وآله وسلم: "ولكنَّ الله يُحبُّ عبداً إذا عمِلَ عملاً أحكمَه"(2). فالله يحبّ ذلك الإنسان الذي يعمل ويتقن العمل ويُحكِمه، والذي يشعر بالمسؤوليّة في عمله. نتيجةً لهذا الكلام، طرح الإسلام العمل بكلا المفهومين؛ العامّ والخاصّ، ولكنّني سأتعرّض لأفكار حول المفهوم الثاني.

•هدف اقتصاد البلاد
هدف الاقتصاد هو إنتاج الثروة وتقسيمها بعدالة. والاقتصاد السليم هو ذلك الاقتصاد الذي يتمكّن من إنتاج الثروة في البلاد وتوزيعها بعدالة وبطريقة صحيحة بين الناس. ولتحقيق هذا الاقتصاد السليم، هناك ركيزتان أساسيّتان يجب التركيز عليهما:

1- العامل: إنّ العامل هو من عناصر الدرجة الأولى في إنتاج الثروة في البلاد. بالطبع، كلّما كان العامل ماهراً ومبتكراً ومبدعاً، تكون نتيجة العمل أفضل وأعلى. لذلك، إنّ أحد واجباتنا في مجال قضايا العمّال، هو أن نتمكّن من الارتقاء بعلوم ومهارات مواردنا البشريّة. وإنّ إحدى مهمّات المؤسّسات الاقتصاديّة، أن تتمكّن من الارتقاء وزيادة المعرفة والمهارات عند القوى العاملة والموارد البشريّة الموجودة لديها. هذا يمكن أن يحقّق النتيجة المطلوبة.

في المقابل، إنّ العامل الذي يؤدّي عمله بمزيد من المهارة، ومع شعور أكبر بالمسؤوليّة -هذا الشعور هو الذي جاء في الرواية: "فأحكمَه" أو "فأتقنه"- فإنّه يُحكم العمل، وينجزه بإتقان وأسلوب صحيح، ولا يتساهل فيه.

2- ربّ العمل (أو المستثمر): إنّ التعاون المتبادل والحقيقيّ بين القوى العاملة والمستثمر، والذي يُطلق عليه مصطلح ربّ العمل، يمكن أن يضاعف الإنتاج والقيمة المضافة. على القوى العاملة والعمّال زيادة مهاراتهم، ورفع مستوى شعورهم بالمسؤوليّة، والتزام الدقّة، والعمل بمسؤوليّة أكبر. وفي المقابل، على ربّ العمل زيادة حصّة القوى العاملة من أرباح المؤسّسة الاقتصاديّة، وهذا أحد الأمور المطلوبة.

مضافاً إلى ذلك، يجب أخذ آراء العمّال بالاعتبار. ويجب على المسؤوليّن في المؤسّسات الانتباه إلى هذه النقطة، ليكون هناك تعاون بين العامل وربّ العمل؛ لأنّهما يشكّلان الركيزة الأساسيّة للازدهار والتقدّم الاقتصاديّ.

•من واجبات ربّ العمل
من النقاط الجيّدة التي يَحْسُنُ التركيز عليها في مجال العمّال، مراعاة الحقوق الطبيعيّة للعمّال؛ أي الأجور العادلة، والدفع المنتظم من دون تأخير، والاستقرار والأمان الوظيفيّ -وهو من القضايا المهمّة جدّاً-، وقضايا التأمين، والتعليم، وخدمات الرفاهيّة، والرعاية الصحيّة؛ فهذه الأمور جزء من حقوق العمّال، وهي واجبات ربّ العمل الطبيعيّة.

وإذا تمّ إيلاء المزيد من الاهتمام بالعامل، مثل تلبية احتياجات الأسرة أو تعليم الأبناء أو الزواج، وما شابه، فمن الطبيعيّ أن يكون لهذا تأثير أكبر في العلاقة والانسجام بين العامل وربّ العمل، وهو أمر حَسَن مبارك.


(*) من لقاء الإمام الخامنئيّ دام ظله مع الشركات الإنتاجيّة (عبر تقنيّة الاتّصال المتلفزة)، بتاريخ 6/5/2020م.
1.نهج البلاغة، من خطبةٍ له عليه السلام (176)، ج2، ص92.
2.الأمالي، الصدوق، ص468.

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليقاً جديداً

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع