قراءة في كتاب: مشاهد من سيرة الشهيد الجامعي محمّد حسين جوني احذر عدوّك: فتبينوا (2) كمّامة تضيء لمحاكاة حركة الشفاه عند التحدّث "عصبونات دماغيّة" في رقاقة إلكترونيّة! محطّات شحن سيارات كهربائيّة في إيران "سمكة الترويت": من خيرات الديار كلّنا مزارعون الزارعون كنوز الله في أرضه الاقتصاد المقاوم... تجربـــة رائــــدة اليد المنتجة.. مباركة

المجاهد الجريح علي قاسم جمعة (علي الكرّار)

حنان الموسويّ


"قتلنا عليّ الكرار"، "قضينا عليه"، "ارتحنا منه"... "صوته الذي كان يؤلمنا حين يصدح بالتعليمات لقتلنا اختفى"... "كنّا نعيش الاحتضار يوميّاً بسببه!".

"هو العرس اليوم والحفل الكبير".. هكذا صدحت حناجر التكفيريّين عبر الأجهزة اللاسلكيّة بعبارات التهنئة، بعد أن تخلّصوا من "كابوسٍ" أرّقهم لأشهر طويلة، قضى ومن معه من المجاهدين على أكثرهم.

•الوسام الأخير
مرّت أيّام طويلة على وجودي في الزبداني. حقّقنا انتصارات عديدة. فككنا إزار الوقت عن جسد الأماكن، حتّى لا يُخدش فرحُ المآذن والمقام، وفتحنا سورة الليل الطويل لتشرق شمس نصرٍ جديد، ذلك يرتّب علينا مسؤوليّات جسيمة. كانت التشكيلات الجديدة تقتضي بأن يكلَّف قائدٌ نيابةً عنّي حين أغيب، وعليّ أن أعرِّفه المنطقة بأكملها؛ الخارطة الأساسيّة، والتجهيزات، وكلّ ما تقع عليه الحواس من معرفة.

تسلّم المهامّ رسميّاً. وضعنا المجاهدين أمام السيناريو المحتمل للمعركة، وعلى إثر ذلك قام التكفيريّون بالهجوم. عديدهم كان يفوق عديدنا بكثير، وحرارة المواجهات أنذرت بسقوط قتلى منهم. سهرت الشمس في أعيننا، طالت المعركة، سقط لنا شهداء، وحوصر بعض المجاهدين. أُلغِيت إجازتي عند احتدام الموت، وطُلب منّي العودة للمؤازرة، كان الهدف سحب جثمان شهيد من أحد المباني، فالخبرة في ذلك الميدان ضرورة تُلازم الحيطة والحذر.

وصلت ومن معي إلى المبنى المقصود، وكانت المفاجأة! هناك شهيدان في طابقين مختلفين، سحبنا الأوّل على الرغم من وابل النيران الذي لم يهدأ. شربنا حميمها بلذّة، وعدنا لسحب الشهيد الثاني. كان التكفيريّون قد نصبوا على جثمانه كميناً؛ لذا واجهنا صعوبةً في ذلك، لكن في نهاية المطاف عاد الحبيب إلينا.

في هذه الأثناء، كانت مجموعة أخرى تريد فكّ الحصار عن المجاهدين محاولةً فتح ثغرة. تلك الجلَبة جذبت انتباه القنّاصين الذين يترصّدوننا بشغفٍ، وبينما كنت أحاول ضبط إيقاع الأمور لإعادة الهدوء إلى مكان تمركزنا، وإذ بأحد التكفيريّين يرسل طلقات ناريّة متلاحقة، كان نصيبي منها واحدة اصطدمت بالبوّابة الحديديّة، وعادت إليّ مشتاقةً لتصحب معها عيني وأنفي وبعضاً من وجهي، فكان الاصطدام هو الرحمة المطلقة التي أبقت عليّ حيّاً. كان هذا الوسام الأخير الذي تكفّل بإخراجي من المعركة دون عودة.

•بصلاة زينبيّة
بعد أن غطّى الدم عيني اليتيمة التي احتفظت ببعض النور، نُقِلت إلى المشفى الميدانيّ. كان الدم قد تخثّر في حنجرتي، وكان نزيف أنفي لمّا ينضب بعد. خفَت صوتي وازدادت أوجاعي. نشيج الأنين دفع الأطبّاء إلى تخديري، وبعدها غبت عن الوجود، وما عدت إلى وعيي إلّا بعد أيّامٍ عشرة في مشفى الرسول الأعظمصلى الله عليه وآله وسلم. كانت زوجتي من أيقظني. تلك النعمةُ ما فارقتني لحظة. ما زالت في فكري كلماتها عن مواساتي لأبي الفضل عليه السلام بعيني. أخبرتها أني سعيد بإصابتي، فاستغرب الأطبّاء صلابتي التي استمددتها من الله ومن السيّدة زينب عليها السلام.

أكثر ما عانيته بدايةً، ذاك الأنبوب النابت في حنجرتي، كما أنّ مجال الرؤية في عيني اليمنى لم يكن واضحاً، شبكتها كانت قد تحرّكت من مكانها. بعد إجراء عمليّة جراحيّة لتثبيتها، عاد إليها النظر بنسبة 10% فقط، وبعدها استخدمت نظّارات طبيّة لها مواصفات خاصّة.

مكوثي في المشفى سمح بتكشّف باقي المشكلات، كفقدان حاسّتَي الشمّ والذوق، وعجزي عن رؤية المشهد أمامي بكامل أبعاده، إنّما فقط المستوى الأعلى منه. كما خضعت لخمس عشرة عمليّة جراحيّة للأنف والفكّ. وجودي في المشفى لم يحدّ من تحرّكاتي، ولم يخجلني من لقاء الناس، فقد كنت وزوجتي نتفقّد الجرحى ونهتمّ بهم.

•البداية أوسمة ثلاثة
نشأت وعقيدتي تخطّ لي درب الخلاص من شوائب الدنيا. كانت البداية في كشّافة الإمام المهديّ عجل الله تعالى فرجه الشريف. ترعرعت برعماً فشبلاً إلى أن صرت قائداً كشفيّاً في المتن الشمالي في منطقة الفنار. اختارني الله لمساعدة الشبّان الذين يعملون في هيئة الدعم، وأثناء حرب تمّوز قدّمت المؤازرة لمن كُلّف بمتابعة أمور المهجّرين ضمن اللجان التي شُكّلت لمساعدة الناس.

بعدها طُلب منّي التوجّه إلى الإقليم منبت الشهداء، حيث كانت جرعة العزم الأولى، والاستقاء من مخزون الدم والروح هناك. في تلك الفترة، تعرّفت بالكثير من المجاهدين، بعضهم استشهد لاحقاً، منهم الشهيد إسماعيل زعيتر الذي ترك في داخلي أثراً ما زال حيّاً، وما حديثي عنه سوى دليل حياته وملازمته لي. صوته المميّز وروحيّته العالية، خاصّة عند قراءته دعاء الحزين، ما زال يحزّ أوداج روحي بشجاه.

خضعت للعديد من الدورات، بعدها انتقلنا إلى سوريا للدفاع عن المقامات المقدّسة ولصدّ الهجمات التي قام بها التكفيريّون هناك، وكانت مهمّتنا في منطقة الغوطة الشرقيّة. كنت فرداً ضمن مجموعة. هناك نلت ثلاثة أوسمة متتالية خلال المعارك؛ أوّلها في بلدة القاسميّة، شظية استقرّت في الكوع احتلّت مركزه عازمة على عدم مفارقته، إذ لا جراحة تخلّصني منها، ولا علاج يريحني مما تخلّفه من أوجاع، وعلى قدر الوجع يكون الأجر.

الوسام الثاني كان في منطقة البحّاريّة، أثناء التصدّي لهجوم استخدم المسلّحون خلاله السلاح الكيميائيّ، ما أدّى إلى ضررٍ كبير في الرئتين. في الوقت عينه أُصبت في الزند بطلقة من سلاح BKC، خلال رميي لقذائف الـ B7 بهدف إلهاء مدفع الـ23 عن صبّ غضبه علينا، بينما وصلت باقي المجموعات، وكان حصاد ذاك الدفاع 35 إرهابيّاً؛ وذلك كان الوسام الثالث.

علاقتي مع السيّدة الزهراء عليها السلام أعمق من أن تصفها الكلمات. من هنا انبثقت محبّتي لمدلّلة القلب فاطمة الزهراء ابنتي، العين والكتف، بل الوجود بأكمله. تلك الطفلة التي عايشت جراحي منذ أشهرها الطريّة الأولى، رسمت لي طريق الأمان مع خطواتها النديّة، فكانت الدليل ونور الهداية الأثمن.

لحظاتها العسيرة على فؤادها الحنون كانت حين ترى ضمّاد عيني، فتمسح بيدَيها الناعمتَين الدم والدمع عنها. لكم واستني بنبضها الخجول ودموعها السجيّة. جرحت جفنها لتقدّم لي عينها في بادئ الأمر، وبعدها قدّمت أقراطها الذهبيّة هديّة لدعم المقاومة، مثلما قدّمتُ عيني في سبيل الله. وعيها الذي أذهل الحاضرين دفعني إلى عشقها. فخرها بي بأنّي جريح جعلها محور الكون حولي. لا حرمني الله منكِ يا صغيرتي.

•إنّي نذرتكَ لأئمّة البقيع نصيراً
ويبقى لاسم عليّ الكرار قصّة أخرى. سبب تسمية المولود الجديد بذلك الاسم كان نتيجة للعزّة التي نلتها أثناء التصدّي للتكفيريّين، في سبيل الدفاع عن مهجة الزهراء عليها السلام السيّدة زينب عليها السلام..

ذلك الاسم له حيّزٌ عظيمٌ في تلك الأرض، لذلك كانت أمنيتنا من السيدة الزهراء أن تسأل الله أن يمنّ علينا بطفل يكمل مسيرتي، ويحمل اسمي، ويكون كرّاراً غير فرّار، شهيداً مدافعاً عن قبور أئمة البقيع عليهم السلام..

تمنياتي له أن يكون في المستقبل ملتزماً بنهج أهل البيت عليهم السلام، مناصراً لإمام الزمان عجل الله تعالى فرجه الشريف، مدافعاً عن تراب ضريح السيدة الزهراء عليها السلام، عن أرضها وأعتابها الطاهرة، أن يزدان بالوعي لخطورة الوقت الذي نعيشه وضرورة الحفاظ على الخط ونقاوته تمهيداً للظهور المبارك، فإنّي نذرته لأئمّة البقيع عليهم السلام نصيراً..

•كانت عيناي درعاً لزينب عليها السلام، فكن يا ولدي حصناً للزهراء عليها السلام
تلك الكلمات كانت الهاجس الذي تملّكني، بعد ولادة زوجتي وعند خروجها وطفلي من مشفى الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم. ذهبنا لزيارة الشهداء في روضة الشهيدين مباشرةً؛ وذلك لسببين: الأوّل هو المثول بين يدَي الحاجّة أمّ عماد مغنيّة، تلك العظيمة التي ربّت في حضنها كلّ المجاهدين، لكنّ حجاب الموت حال دون ذلك، أحببنا أن يتربّع قرّة العين في حِجر تلك الملكوتية وينهل من فيض النور؛ لذا وضعناه عند ضريحها للتبرّك..

والسبب الثاني، كي يكتمل معنى مقولتي: "كانت عيناي درعاً لزينب عليها السلام، فكن يا ولدي حصناً للزهراء عليها السلام"، فتلتحم الفكرتان معاً.. مشروع الشهيد لا يولد صدفة، التعب في الوصول إلى الله هو من يصنع الشهداء، وهم بداية النصر لا نهايته، كذلك الأمر بالنسبة إلى الجرحى، بعد الإصابة تبدأ حياتهم الجديدة، وفي قاموس معنويّاتهم لا مكان للاستسلام..

•نحيا بجراحنا
إن عاد النور إلى عيني، أتوسّل الله أن يرزقني شهادة أذوب بها وأتلاشى، وطالما الحياة تختلج في أوردتي، سأؤدّي رسالتي. مواساتي لأبي الفضل العبّاس عليه السلام تبقى شحيحة مقابل سخاء جراحه، ووجعي ضئيل لا يقارن بأوجاعه. ما كانت الجراح عائقاً يوماً، ها أنا أكمل حياتي، أتابع عملي الجهاديّ في مكانٍ جديد، أدرّب المجاهدين على رابيل عليهم السلامaصلى الله عليه وآله وسلمe عليهما السلام، كما أنني عضوٌ في فرقة جراح الإنشاديّة، نحيي المناسبات باسم الجرحى وننفّذ الأنشطة، لنثبت للعالم أجمع أنّ حياتنا لا تنتهي حين نُجرح، بل نحن قومٌ نحيا بجراحنا.


اسم الجريح: علي قاسم جمعة.

الاسم الجهادي: عليّ الكرار.

تاريخ الولادة: 25/4/1989م.

مكان الإصابة وتاريخها: الزبداني 22/8/2015م.

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليقاً جديداً

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع