أخلاقنا: بيوتٌ تحيا فيها المحبّــة(2)(*) بطّة الاستحمام.. خطر يهدّد الأطفال التخزين على الزجاج.. تقنيّة مذهلة من مايكروسوفت تطبيق يصحبك في "رحلة مجانيّة" إلى الأراضي المحتلّة ثقب الأوزون يتقلّص أخلاقنا: بيوتٌ تـحــيـا فيــها المحبّة(1)(*) من القلب إلى كلّ القلوب: نتاج بيت الوحي والرسالة احذر عدوك: أولادي في خطر (1) البرزخ بين ناجٍ وهالك برّوا موتاكم

عوائل الشهداء والجرحى والأسرى شواهد حق في مجتمع التضحية والفداء


إعداد: محمد ناصر الدين‏/ إيفا علوية ناصر الدين‏


ليس أسهل من أن يتكلم الإنسان عن التضحية وأن يفلسف معانيها ومفرداتها، لكن أن يعيش واقعها وحقيقتها فهنا يكمن الامتحان الصعب. وفي المجتمع المقاوم تنوعت التضحيات وتوزعت المهمات فقام كل فرد بدوره وانضم الجميع في مسيرة متكاملة لكن تميز عطاء بعض الأفراد عن غيرهم فارتسمت معالم تضحياتهم شواهد حق تنطق بأسرار عظمة هذا المجتمع وسمو عطائه. منهم نتعلم ومنهم نستلهم الدروس والعبر فكيف يرى هؤلاء الناس التضحية ومن أي منظار ينظرون إلى تجربتهم في الحياة؟ إنها وقائع حقيقية ومشاعر حيَّة بعيدة عن التكهن والنظريات.

أول هؤلاء الأفراد هم الشهداء الذين قدموا أغلى ما يمكن أن يقدمه الإنسان وبذلوا دماءهم في سبيل الله وتبرعوا بها هبات تمد شرايين الأمة بالحياة فكانوا الأمل المتجسد بالنصر والجسر الذي يربطنا به. وخلف هؤلاء الشهداء كانت تقف عوائل الشهداء سنداً قوياً وجداراً صلباً يصون هذه المسيرة ويحفظها فكانوا رمزاً للصبر عند المصيبة عندما تكون في عين الله. ولما كان حجم التضحية وعظمتها لا يظهر إلاَّ عند رؤية حجم المصيبة أو المعاناة فإن تضحية عوائل الشهداء تتلخص عظمتها بأنهم فقدوا أعز من لديهم وليس سهلاً على الإنسان أن يفقد أحبته خصوصاً إذا كانوا أولاده. يقول والد الشهيد الحاج وائل محمود عناني عند سؤاله عن معاناته: "لقد فقدنا أعز شي‏ء لدينا، فقمة البلاء للإنسان هي عندما يفجعه الله بولده. لا أحد يجهل مدى تضايق الأهل إذا أصاب ولدهم مرض فكيف أن يرحل عنهم ابنهم الذي ما زال في ربيع عمره؟". لكن والد الشهيد والذي هو والد لشابّين كان الشهيد احدهما، يعتبر انه شارك الله سبحانه وتعالى بنصف ما يملك وهو ليس كثيراً: "نحن مؤمنون بالله وكلامه عزَّ وجل عظيم وعزيز ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُون، هذه الكلمات كانت تسكّن آلامنا ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ " كان عزائي دائماً أن أرجع إلى الله.

إن مجتمعاً يضم هؤلاء الأفراد لا يمكن أن يعرف الهزيمة أو الانكسار أبداً فأي عظمة اكبر من أن تذهب إلى عائلة شهيد وأنت خائف من أن تفتح عليهم أبواب الألم والمعاناة فتفاجأ بقوة صبرهم وإرادتهم وتتعلم منهم حسن التأسي: "ينتاب الإنسان شعور رهيب عندما تتجسد أمامه الخسارة الكبيرة لكن الله سبحانه وتعالى ينتزع منه العاطفة ويُبقي له الصبر ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ فالله تعالى يبتلي العبد ليمتحن صبره حتى يعززه في الآخرة والإنسان يجب أن يقدم قرباناً يتقرب به إلى الله. ليس لنا مرجع إلاَّ الصبر. نحن كنا وسيلة لتربية هذا الشاب. فقد أودعه الله لدينا وشاء أن يكبر أمام أعيننا ثم أحبه وأراد أن يأخذه لأنه كان أهلاً لذلك". وعندما يبدأ الوالد بالحديث عن ابنه الشهيد يحاول أن يذكر كل شي‏ء فهو ولده الذي أحبه ولطالما افتخر به: "لقد عرضت عليه مغريات مادية وكان متاحاً له الكثير من الأشياء منها فرصة السفر إلى استراليا والعيش براحة ورفاهية هناك لكنه كان زاهداً عن كل هذه الأشياء وقد قال لي لن أضيّع لك أموالك فإذا أردت أن تعطيني إياها سوف أتبرع بها للمقاومة، كان يرى ما لم نكن نراه. هذه الأمور قد تعني للبعض الكثير لكنها لم تكن تعني أي شي‏ء بالنسبة له". ولم تقتصر أخلاق الشهيد ومميزاته في هذه الدنيا فقط حيث كان يتميز بالتواضع رافضاً أن يشير احد إليه انه ابن كابتن طيران بل حلت آثار شخصيته العالية حتى بعد استشهاده. يقول والد الشهيد وائل "من أثر الشهيد انه اهتدى به الكثير من الأشخاص في العائلة فبعض الأقارب تأثروا به فقد غيَّر فيهم الشهيد الحاج أشياء كثيرة. لقد هداهم وقد حلَّت بركته علينا وعلى عائلته كلها".

نعم إن إحدى كرامات الشهيد وبركاته هي الأثر الذي تركه على العائلة فهذه العائلة لا تشعر الآن فقط بالصبر إنما هناك أشياء اكبر وارفع تشعر بها يعبّر عنها الوالد قائلاً: "نشعر بالارتياح وشعور لا يوصف بالفخر والاعتزاز. نحن كعائلة شهيد ازددنا رفعة ومكانة بشهادة ولدنا، أنا والد شهيد أمشي وأرفع رأسي وهذا يزيدني احتراماً وتقديراً. أينما ذهبت تشير الناس إليك على أنك والد شهيد وتقول إن ما قدمته لا يمكن أن يكافأ لأن الدم غالٍ جداً ولذلك فإنه ببركة الشهيد ينال أهله الشفاعة". وكلمة الوالد الأخيرة تبقى عن الشهادة والشهداء فهم "رفعوا رأس الأمة عالياً. من خلال تجاربي في الخارج لم ألمس عزة وانتصاراً مثل ما حققناه هنا فحتى العدو يشهد لنا بالمصداقية وهذا نتيجة لجهاد المقاومين والشهداء، ونحن يلزمنا الكثير لنصل إلى مراتبهم في العطاء. لماذا شهداؤنا عظماؤنا؟ لماذا مرتبة الشهيد عند الله عالية جداً؟ لأن الجود بالنفس هو قمة العطاء، فهنيئاً لكل الشهداء لأن دماءهم هي التي أثمرت النصر وهنيئاً لمن اختاره الله وكرَّمه وفتح بصيرته فالله تعالى لا يفتح باب الجهاد إلاَّ لخاصة أوليائه".

وهذا المنطق الذي يتحدث به عوائل الشهداء ليس بعيداً عن منطق جرحى المقاومة الذين كانوا الشاهد الأوفى لتذكير الناس بجهاد المقاومين وهم إضافة إلى جهادهم قبل الإصابة فقد عضُّوا على الجرح واستمروا بالتضحية بتحملهم الآلام والجراح والمعاناة. أحد هؤلاء الجرحى هو الجريح مصطفى الحاج حسن الذي تتجلى إصابته في بتر يد وساق وإصابة في العين والأذن، وبالرغم من هذه الإصابة وكل ما يمكن أن تختصره من معاناة يصر هذا الجريح على عدم وجود معاناة قائلاً: "ليس هناك معاناة، عندما يقدّم الإنسان في سبيل الله لا يتطلع إلى الأمور المادية، عندما يعتبر الإنسان هذه الدنيا جيفة ويكون في طريق تقديم روحه وجسده لا يشعر بالألم أو بالوجع، فإذا افتقدنا الله بيد أو برجل فهذا ليس بتقديم ونحن كنا ننوي أكثر من ذلك". وعمّا ما شعر به لحظة الإصابة لا يتذكر مصطفى إلاَّ أنه: "في لحظتها كنا على بعد شعرة من العالم الثاني وفي هذه الوضعية يكون الإنسان على أتمّ الاستعداد روحياً ونفسياً وعقائدياً. عند الإصابة كنا نعيش أرقى درجات الصفاء الروحي". وعّما يمكن أن يواجهه الجريح من أثر نتيجة الإصابة يقول مصطفى: "الجريح ليس قادراً أن يعمل كإنسان طبيعي لكن على قدر ما يكون عنده إصرار على قدر ما يمكن له المواجهة، فالجريح يمكن له أن يواجه نظرة الاستعطاف من المجتمع لأن الناس تحب الأشياء الكاملة لذلك يجب على الجريح أن تكون إرادته صلبة لأن ما قدّمه في سبيل الله كان عن قناعة وفخر واعتزاز". وهذا الفخر والاعتزاز ليس آخر ما يملكه الجريح لأن الإصابة زادتهم: "إقداماً وإصراراً لمواصلة الطريق وهناك عدد كبير من الجرحى يرجون إرسالهم في عمليات استشهادية وهذا ليس هروباً أو يأساً بل إصرارٌ على الاستمرار والمتابعة في هذا الخط وهذا منطق جميع الجرحى".

وروح الاستمرار هذه موجودة عند الجريح من قوة مبدئه ونظرته إلى الحياة، فهو يعتبر انه: "يجب على الكانسان أن يعيش في هذه الحياة على قول الإمام علي عليه السلام "اعمل لدنياك كأنك تعيش أبداً واعمل لآخرتك كأنك تموت غداً" كم سيعيش الإنسان على هذه الدنيا وإذا طالت حياته كيف ستكون نهايته لكن إذا عمل فسوف يغادرها وهو عزيز لذلك فإنه في بالنا دائماً مشروع الشهادة ومعظم الجرحى لديهم هذه النظرة". ليس هو فقط من يشعر بالعزة والافتخار لسلوكه هذا الطريق ولم يكن وحيداً في اختياره لنهج المقاومة وتبني خيارها والاستعداد المطلق لمواجهة كل الصعوبات التي يمكن أن تنتج عن هذا الاختيار. وهناك من يشاركه هذه العزيمة، وهذا الإصرار موجود عند الأولاد فهم فخورون دائماً بأن أباهم كان مقاوماً يقاتل العدو الإسرائيلي: "ترى الولد من صغره يفكر انه سيكون مقاوماً في المستقبل ويتكلم بهذا المنطق مع انه عاش معك ألم التجربة التي تعيشها وقد رآك في هذه الوضعية وزادت شجاعته". وكيف لا تزيد قوة إرادتهم في خوض هذه الحياة وقد رأوا بأم أعينهم قوة صبره وصلابته في تحمُّل الألم والاستمرار رغم الجراح وما يمكن أن تشكله من تأثيرات سلبية ما لم يقف الإنسان صامداً ومواجهاً، متخذاً طريق الصبر وتحمل المشاق والصعاب عندما تكون القضية اكبر من أن تترك لتضيع في زوايا الوهن والضعف. وكيف لا يعشق هؤلاء الأولاد المقاومة والتحدي وقد جاؤوا ثمرة زواجه بعد إصابته فتعلموا منه العزم والشدة والإصرار على متابعة الحياة وعدم الوقوف في منتصف الطريق. الدرس الآخر الذي تعلَّمه هؤلاء الأبناء كان من والدتهم التي لم تتلخص تضحيتها في اختيارها للعيش كزوجة للجريح فقط بل تخطّيها لجميع المصاعب التي فرضتها عليها الحياة فهي الآن زوجة لجريح وأم لثلاث أولاد منه ولكنها كانت أيضاً زوجة أخيه الشهيد وأماً لولدي الشهيد وهؤلاء الأولاد الخمسة يعيشون الآن في كنف هذه الأم المجاهدة وذلك الأب المجاهد وهل يمكن الاستفسار بعد عما يدفعهم إلى هذا الاختيار؟

أمر آخر يدعو إلى التأمل أكثر من التفاجؤ والاستغراب وهو معرفة أن مصطفى الحاج حسن بالإضافة إلى أن تلك البسمة التي تنطبع بها ملامح وجهه على الدوام هي الدليل الأكبر على التحدي وان من هواياته الحركة المستمرة والمداومة على ممارسة التمارين الرياضية كل صباح فهو يعشق العمل ويحبه لكن أي عمل؟ فمصطفى يحب عمله في مؤسسة الجرحى فهو يعمل هناك ليس فقط من اجل كسب العيش بل من أجل "إضفاء روحية المقاومة وخدمة الناس الذين خدموا المجتمع من خلال تقديمهم أغلى ما عندهم من أعضاء جسدهم الجرحى وضحوا بأمنهم واستقرارهم وباعوا كل ملذات الدنيا. إذا كان الإنسان ضريراً فهذا يعني عدم تمتعه بزينة الحياة والتي هي النظر، وعندما يكون أصمّاً فهذا يعني انه محروم من سماع الأصوات وهذا يعني ألماً دائماً ومعاناة دائمة. وهذا الإنسان ليس كثيراً عليه إذا ضحينا من أجله فهو قد ضحَّى من أجلنا وهو شهيد حي. عندما نخدمه ونحضن آلامه وجراحه فإننا نتقرب إلى الله من خلاله".

هذا الكلام ليس لموظّف عادي في مؤسسة الجرحى وهو مهم جداً إذا كان كذلك فكيف إذا كان هذا الكلام لجريح يعمل في هذه المؤسسة التي هو جزء لا يتجزأ منها وهو بحاجة لمن يحضنه فتراه ينطلق لخدمة إخوانه الجرحى لأنه يشعر بهم أكثر من أي إنسان آخر، وهو يعتبرهم: "همزة الوصل ما بين المقاوم والشهيد فهم صورة حية عن الشهداء والمقاومين والشاهد الدائم الحضور على معركتهم وجهادهم. الجريح هو رمز يبقى ليذكر المجتمع بالعطاء ويجسّد مرحلة المقاومة والتضحية في ذاكرة ووجدان الأمة". وبعد هذا الكلام الذي يشعر الإنسان انه يجب أن يقف عند كل كلمة من كلماته ليتمعن في معانيها ويستلهم منها ما كان غائباً عن باله لا ينسى مصطفى أن يشدد على أن الهدف الأساس في المرحلة المقبلة هو: "تحرير القدس ونحن لدينا حافز واستعداد كبير، إذا لم نتمكن نحن من الدخول إليها فسوف يفعل ذلك أولادنا إن شاء الله".

نموذج آخر من أرقى نماذج التضحية التي كانت من صفات وسمات المجتمع المقاوم هي تضحيات الأسرى وعذاباتهم في سجون الاحتلال القاهر. فإذا كان أكثر ما يتميز به الإنسان عن سائر المخلوقات هو حريته فإن سلبه لهذه الحرية وحرمانه منها هو من أصعب الأمور التي يمكن أن يعاني منها أي إنسان فكيف إذا كان فقدان هذه الحرية مترافقاً مع التعذيب والقهر. عن هذا الموضوع يتكلم الأسير المحرر علي حيدر والذي قضى ما يقارب الأحد عشر سنة في معتقل الخيام شهد خلالها على همجية العدو وعملائه وكان خير من اختبر إنهم أعداء الإنسانية بكل ما للكلمة من معنى: "الأسر بحد ذاته يندرج تحت عنوان المعاناة حتى لو كان في قصر فكيف إذا كان عند عدو وكيف إذا كان عند العدو الإسرائيلي وعملائه وفي معتقل الخيام؟". ويتحدث عن المعاناة خلال الأسر والتي تنقسم إلى جسدية ونفسية يحاول المعتقِل من خلالها فرض حالة مأساوية على الأسرى ثم يتحدث عن نوع آخر من المعاناة وهي معاناة بعد الأسر: "يعبر عنها البعض بأنها الانتقال من سجن صغير إلى آخر كبير. فالمعاناة التي نتجت عن أسره تركت على جسده ونفسه تأثيراً يبقى إلى ما بعد التحرر وحتى مجرد أن يكون الأسر قد تم في مرحلة من ربيع العمر فهذا يعني بالنسبة له انهيار مستقبله على مستوى الزواج والتعليم والتخطيط المادي. مشكلة أخرى قد يعانيها الأسير وهي أن ينظر بعض الأشخاص إليه وكأن لديه مشكلة نفسية وهذا ليس صحيحاً لأن معظم الأسرى لديهم الثقة الكبيرة بالنفس". أن العذاب والألم الذي يعاني منه الأسير خلال وجوده في المعتقل يترافق مع جهاد يفرضه عليه الوضع في ذلك المكان وهذا الجهاد أول عنوان له هو: "الصبر على الأذى والتعذيب وما إلى ذلك من محاولات عدم وصول العدو إلى المعلومات والمرحلة الثانية هي أن لا ينكسر معنوياً بمعنى أن لا يتراجع أو ينحرف عن الخط الذي هو فيه ومن ثم تنفتح أمامه مرحلة أخرى أو ما يمكن وصفه بأنه الجبهة بين الأسرى والجلاد فيقوم هناك صراع لتحسين الأوضاع في المعتقل أو قد تصل المسألة إلى أن يقاتل الأسرى للمحافظة على أجواء العداوة مع العملاء فيصير المعتقل ساحة جهاد من خلال عملية التوعية التي تتم بين الأسرى".

بعد شرح كل هذه المعاناة وما تتضمنه من ألوان العذاب التي يمكن أن نشعر به من أماكننا البعيدة وليس بالمستوى الذي شعر به من عرف هذا الألم وذاقه، يعتبر الأسير المحرر علي حيدر أن لقب "الأسير المحرر" هو: "وسام يعلَّق لنا وهو مثل لقب الحاج للإنسان الذي يحج بيت الله. وهذا الوسام يتطلب من الأسير إكمال مهمته التي تزداد بعد التحرر وتكون بمثابة فضح حقيقة هذا العدو وأساليبه وهمجيته". وهدف الأسرى المحررين ونشاطهم لا يقف عند هذا الحد بل أن هناك أسرى يحاولون أن يعودوا إلى العمل المقاوم مع معرفتهم بإمكانية معاودة أسرهم أو إصابتهم وبالرغم من ذلك فإن الأسرى يعتبرون: "إن تصنيف جهاد الأسير يجب أن يكون في المرتبة الأخيرة لأن تضحية الشهيد أكبر من تضحية الجريح الذي تكون تضحيته أعلى من تضحية الأسير، فماذا قدّمنا نحن أمام الذين قُطّعت أيديهم أو أرجلهم أو خسروا عيونهم، نحن نستحي أمام تقديمات هؤلاء". يحتار الإنسان عند سماع هذا المنطق الذي يتكلم به هؤلاء الأشخاص فهم بالرغم من الأشياء التي قدموها لا يقبلون أن تُقاس تضحياتهم بميزان الكلمات والتعابير: "كلمة أسير هي عنوان يختصر معاني كثيرة إن شاء الله نكون على قدر حجم هذه العزة ولذلك فإن شعور الفخر والاعتزاز يغلب علينا".

ويعتبر الأسير علي حيدر أن آثار بركات الأسير والاعتقال لم تنله فقط بل توسعت هذه الآثار لتشمل عائلته ويفسر ذلك بقوله: "خلال الأسر كان شعورهم مزيجاً من الفخر والألم وبعد الأسر صار الألم للذكرى وغلب الطابع الآخر، الآن الوالد يحكي عن الاعتقال بعزة وفرح كما يفعل الوالد عند حصول ابنه على شهادة عالية في اختصاص معيّن. أيضاً لقد تعلموا الاستعداد بشكل أفضل لمواجهة الحياة. عندما سألوا الوالد قبل عملية تبادل الأسرى، ماذا تفعل إذا لم يخرج ابنك؟ قال: يخرج أحد الأسرى بدلاً منه. هو يتمنى أن يتحرر ابنه لكن كلامه هذا يعني أن لديه إصراراً. الأهم من ذلك هو أن معرفتهم عن إسرائيل قد زادت أكثر".

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليق جديد

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع