مضغ الطعام جيداً يحمي من ألزهايمر لا علاقة للشمس بالاحتباس الحراريّ ابتعد عن الراحة للحفاظ على صحتك! الأعمال المنزلية تنقذ حياتكِ! الكافيين يسبّب زيادة الوزن! احذر "الغفوة الصباحيّة" التحصيل العلمي يحدّ من الاكتئاب اختراع ملابس جديدة تنمو مع الأطفال السيّد نصر الله "يغزو" الجامعات "شراء الوقت" يزيد الشعور بالسعادة

جــراحٌ تشعّ بالحياة


الشيخ نزار كامل سعيّد(*)


﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا (الأحزاب: 23).

من قضى قد ارتفع شهيداً، أمّا من ينتظر، فقد يكون مِنْ ثلّة مَنْ احتفظ جسده بوسام مقدَّس يُعبّر عنه الناس بـ"الجراح والإصابات".
وهنا تبدأ معه معركة ثانية، فإذا كان من مدرسة الانتصار على الظلم والجهاد، كيف يستمرّ صموده ويتعالى على الجراح ويحوّل نزيفها إلى نورٍ معه "ينتظر"؟

* ثقافة الانتظار
ثقافة "الانتظار" علامة فارقة في مدرسة الإمام الخمينيّ الراحل قدس سره، فقد حوّلها من مفهوم قابع تحت ظلمات الجهل والتخلّف عن التقدّم البشريّ وأداة تدفن فيها القيم النورانيّة وتقيّد طاقات الشعوب التي يجب أن تكون هدّارة بروح الحياة، إلى قيمة بشريّة وإنسانيّة تصنع حياة أمم وشعوب ليس في إيران فحسب، بل على امتداد تواجد عشّاق أهل البيت عليهم السلام، حيث يقول الإمام القائد الخامنئيّ دام ظله عن مرحلة الثورة:

"هناك من كان يقول: العين لا تقاوم المخرز وأنتم عبثاً تناضلون وتقاومون، كانت مجموعة تقول: كلا، فقد ﴿صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ (الأحزاب: 23). فلقد أجرى الله تعالى حادثة ما كان أحد في العالم ليتصوّرها لا في إيران فحسب، بل في العالم كلّه... العالم اليوم يمرّ بمرحلة انتقال إلى وضع جديد، وإنّ سلوكنا ونوايانا وأعمالنا لها دور مصيريّ في تعيين وتشكّل هذه الوضعيّة الجديدة"(1).

ومن هنا، بات الانتظار يعني التمهيد للعدالة، ومواجهة الظلم، بات مدرسةً تُخَرّج المجاهدين والشهداء، والسؤال: إذا أقعدت الجراحُ المجاهدَ عن حركته التمهيدية تلك، كيف ينتظر؟ وكيف يجاهد؟

* مشاعل مضيئة
إنّ هذه التحوّلات الكبرى في حياة أمّتنا منذ انتصار الثورة الإسلاميّة المباركة في إيران، وصولاً إلى الانتصار الإلهيّ الكبير للمقاومة الإسلاميّة في لبنان على عدوّ الأمّة، وتسجيل أوّل وأكبر هزيمة في تاريخه الأسود عام 2000م، جاءت نتيجة الروح الإيمانيّة والثقافة الحسينيّة التي زرعها الإمام الخمينيّ قدس سره في قلوب أبناء الأمّة الإسلاميّة على امتداد وجودها والتي ما بخلت في العطاء والتضحية.

ولذلك أثمرت تضحيّات كلّ المضحّين من الشهداء إلى الجرحى وعوائلهم، وكانوا مشاعلَ مضيئة وأنجماً هادية، تثبّت قلوبنا وتقوّيها كي لا نضلّ الطريق.

فسماحة الإمام القائد دام ظله يخاطب الجرحى وعوائلهم بقوله: "إنّ هذه التضحيات هي في ديوان القيم الإلهيّة من أفضلها وأعلاها. إنّها تحفظ حياة أيّ مجتمع أو شعب في أعلى مستوى وتجعلها مهيّأة لبناء الذات"(2).

* قافلة الجرحى الشهداء
في لقاء لإمام الجرحى ووليّ أمر المسلمين في هذا العصر سماحة آية الله العظمى الإمام الخامنئيّ يخاطب الجرحى قائلاً: "جَرحانا هم أشخاص قطعوا علاقاتهم حتّى القلبية بكلّ رغباتهم الشخصيّة، فكما الشهيد ينقطع قلبه عن عواطفه الشخصيّة ويتحرّك نحو أداء التكليف، فكذلك جرحانا هم شهداء أيضاً وكانوا قد وضعوا أقدامهم في وادي الشهادة، وقد اختار الله تعالى مجموعة فرحلت، ومجموعة بقيت للاختبار والاستمرار، ولكن الجميع قد نال مرتبة الشهيد والشهادة... والباقون على العهد سوف يشهدون ثمار هذه الغرسة واستحكامها، فإنّ هذا البناء العظيم والشامخ، وهذه الحركة العظيمة لن تهتزّ بتراجع بعض الأشخاص، فهذه القافلة لن تتوقف أبداً ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ (المائدة: 54)"(3).

* من نَزْف الجراح إلى نورٍ وحياة
كان لزاماً على الجرحى ومن خلفهم المؤسّسة الكريمة الراعية لهم أن يبادروا إلى القيام بمسؤوليّاتهم في تحويل الجراح من حالة نزف إلى حالة نور يشعّ بالحياة من خلال ممارسة دورهم الفاعل والناشط في المجالات كافّة التي تعتبر امتداداً لاستمرار مشروع المقاومة ونموّه ورقيّه ليكون ﴿وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا (الفرقان: 74).

1 - جرحى شهداء

ولذا نجد بين الجرحى مَن وسمت جراحه جسده مرات عدّة إلّا أنّ ذلك لم يمنعه من استكمال حركته الجهاديّة، ليصبح بعضهم قائداً ميدانيّاً، وبعضهم ارتقى إلى مرتبة الشهادة. فكان بعد الجراح يستكمل مشروعه التأهيليّ الجهاديّ عبر مشاركته في أعلى مستويات الدورات العسكريّة والثقافيّة ليتنقّل في حمل المسؤوليّات من ميدان إلى ميدان وخلال كلّ تلك المراحل كان لا ينقطع عن متابعة علاجاته الطبيّة التي أحياناً تتراكم لتراكم الجراح.

2 - جرحى أساتذة ومتخصّصون

ومع آلام العلاج وصعوبة بعضه وما يستغرق من وقت زمنيّ، لم تكن الجراح مانعاً من استكمال الدراسة الأكاديميّة؛ ليتخرّج الكثير منهم في مجالات علميّة مختلفة، إلى أن ارتقى البعض منهم ليكون أستاذاً ناجحاً في جامعات عدّة، فضلاً عن المدارس والثانويات والمعاهد الفنيّة بالإضافة إلى المهندسين وغيرهم.

3 - جرحى مبدعون

أمّا فقدان البصر أو استخدام الأطراف الصناعيّة لدى جرحى آخرين فلم يكن مانعاً أمام العزم والمثابرة ليتحوّلوا إلى مبدعين في المجالات الفنيّة والحِرَفيّة البارعة ويديروا مؤسسات إنتاجيّة أصبحت اليوم في مصاف مثيلاتها من الدرجة الأولى والممتازة على مستوى الوطن.

4 - جرحى نحو العمل المدني

وسام الجراح المعلّق على أطراف تلك الأيادي أو الأقدام التي سبقت الجريح إلى الجنان واستُبدلت بالصناعيّة، لم تمنع بعض الجرحى من أن يُثبتوا أنّهم على قدر الأمانة والثقة التي منحها لهم أبناء بلداتهم وقراهم ليكونوا ممّن يمارس العمل الإنمائيّ والخدماتيّ من خلال المشاركة في مؤسسات المجتمع المدني من البلديّات؛ ليقدّموا نموذجاً صالحاً حريصاً على مصالح الناس وخدمتهم.

5 - جرحى نحو التبليغ الديني

كما إنّ تقطيع الأوصال وفَقْد النظر لم يكونا حاجزاً أمام استكمال السير نحو الله في تهذيب النفس ونيل كمالاتها؛ فأولئك الذين استكْملوا دراستهم الدينيّة الإسلاميّة، يتحوّل الجريح منهم إلى عالِم وإمام ومبلّغ ناجح ومؤثّر يمارس دوره التبليغيّ بين أبناء مجتمعه كما يمارسها في الخطوط الجهاديّة المتقدّمة على الجبهات في مواجهة الأعداء فتجدهم من المبدعين والمؤثّرين والمثابرين في تثبيت الناس والمجتمع وهدايته والدفاع عنه في مواجهة الحروب الثقافيّة والفكريّة الناعمة التي يحاول أعداؤنا من خلالها السيطرة علينا.

6 - جرحى يقدّمون أجيالاً للمقاومة

هذا ناهيك، أخي القارئ، عن عموم الجرحى الذين استكملوا حياتهم وعملوا على تأسيس النواة المقدّسة للمجتمع الإسلاميّ، وهي صناعة الأسرة الصالحة، وتخريج الأجيال المتميّزة من أبناء الجرحى الذين نفتخر، ونعتزّ بهم وبما يقدّمونه لأمّتهم وخاصّة الجرحى الذين ارتقوا إلى مرتبة الشهادة في ميادين الدفاع المقدّس عن الدين، والقيم، والإنسانيّة والوطن.

اليوم، نجلس على مائدة العزّ والكرامة والأمن والطمأنينة والتي هي مائدة الشهداء والجرحى، وكلّ المجاهدين في سبيل الله تعالى، وأنّ أعظم أجر يمكن أن يُعطى للشهيد أو الجريح في هذا العالم هو بقاء ورسوخ تلك الحقيقة التي ضحّى بنفسه وجسده من أجلها، وقد وعد الله تعالى أن يحفظ هذه المسيرة والنهج ببركة وعطاءات هؤلاء المجاهدين شرط أن لا نبدّل أو نتراجع أو ننحرف عن هذا الطريق المستقيم ﴿وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا (الأحزاب: 23).

فسماحة الإمام القائد دام ظله يخاطب الجرحى في أحد لقاءاته بهم: "إنّ الذين بقوا على العهد سوف يشهدون إثمار هذه الشجرة واستحكامها، فإنّ هذا البناء العظيم والشامخ لن يهتزّ وهذه الحركة العظيمة وهذه القافلة لن تتوقّف أبداً"(4).


(*) المسؤول الثقافي في مؤسسة الجرحى.
(1) لقاء مع الأسرى المحرّرين، طهران، 5/8/2012م.
(2) لقاء مع عوائل الشهداء والجرحى، 13/10/2012م.
(3) (م.ن).
(4) كلمة الإمام الخامنئيّ دام ظله في محافظة خرسان، 13/10/2012م.

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليق جديد

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع