قراءة في كتاب: مشاهد من سيرة الشهيد الجامعي محمّد حسين جوني احذر عدوّك: فتبينوا (2) كمّامة تضيء لمحاكاة حركة الشفاه عند التحدّث "عصبونات دماغيّة" في رقاقة إلكترونيّة! محطّات شحن سيارات كهربائيّة في إيران "سمكة الترويت": من خيرات الديار كلّنا مزارعون الزارعون كنوز الله في أرضه الاقتصاد المقاوم... تجربـــة رائــــدة اليد المنتجة.. مباركة

أخلاق:أهل التقوى من الهجرة إلى الإمامة

آية الله جوادي الآملي‏


كان البحث في أن أفضل وأعظم كمال للإنسان هو صيرورته في مقام عند الله الشامخ، بحيث ينال الإنسان مقام حضور الله المتعال وهو حضور الكمال اللامحدود. وأفضل طريق يوصل الإنسان إلى حضور الله هو أن يرى الله حاضراً في أعماله وشؤونه. وبتعبير آخر أن يصل إلى المكان الذي يشاهد فيه نفسه في مشهد الله ومحضره.

فإذا حصل هذا الشهود للإنسان، فإنه سوف يحرص على عدم ارتكاب المحرمات وإذا حصل هذا الأمر فإنه يسعى لإصلاحه. وإذا لم يصدر منه ما يخالف رضا الله وانتبه إلى أعماله ولم يصدر منه إلا الطاعة، فإنه سوف يقيس طاعاته مع نعم الله، وسوف يرى هذه النعم أكثر من طاعاته، فيشعر بالقصور ولا يصاب بالغرور أبداً. ثم يسعى بعدها لسبق الآخرين في الفضائل والتقدم عليهم ليصبح إمامهم. ففي الصراط المستقيم وسبيل الخير لا يوجد أي مانع أو حد يمكن تصوره.

وعندما يتعرف الإنسان على الصراط المستقيم ويصبح ممتزجاً به ويتقدم فيه، ويطوي هذا السبيل مع شهود الحق يمكن أن يصبح إمام المتقين. وتعاليم الله وأوامره لطيِّ هذا الطريق هي على الشرح التالي:
بالنسبة للخطوة الأولى يأمر بالسعي لاجتناب كل سفه، قذارة. فالأمور السالفة لا تدع الإنسان يدخل في الصراط المستقيم، والخطوة الأولى هي مقام الهجرة، فما دام الإنسان حياً فهو مكلف بالهجرة إلى الله وهجرة كل دناءة. عندما يترك الدناءة ويهاجر إلى الحق، فإن الأمر الثاني هو أن يسرع في هذا التحرك، ويعطي لهجرته سرعة وعجلة. فإذا تقدم ببطء وتمهّل في هذه الهجرة يمكن أن يعترضه قاطع الطريق. وإذا وفق في المرحلة الثانية - وهي الإسراع في الهجرة - فالقرآن الكريم يأمره بسبق الآخرين، ولا يتقنع في طريق الخير بالدرجات السفلى ولا يقيس نفسه مع الأسوأ ولا يقارن نفسه بالمتأخرين بل يجعل أئمة سبيل الخير معياراً له وأسوة. فيسعى بعد الإسراع للتفوق على الآخرين والتقدم عليهم والتصدر في الفضائل.

عندما يتقدم على الآخرين لا ينبغي أن يجعل همه أن يحفظ نفسه ويصل إلى المقصد، بل ينبغي أن يفكر بإمامة أهل الطريق وهداية الناس. فإذا أصبح إماماً للآخرين فإن مقامه عند الله، هذا المقام الشامخ يفتح أمامه شيئاً فشيئاً.
هذه مراحل يدعو القرآن إليها. فيقول أولاً: أهجر السوء والدناءة ﴿والرجز فاهجر. وهذا أمر الله لرسوله صلى الله عليه وآله وسلم، وهو يثني على المؤمنين الصادقين فيقول: ﴿الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا.
وكما أن الإيمان لم يكن مختصاً بعصر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو مطلوب اليم، وكما أن الجهاد والدفاع عن حريم الدين لم يكن مختصاً بصدر الإسلام وهو تكليف اليوم، كذلك فإن الهجرة في سبيل الدين لم تختص بعصر صدر الإسلام بل هي من واجبات العصر. فإن كل إنسان مكلف بترك السوء والدناءة.

في الأبحاث السابقة ذكر أن القرآن الكريم يبين أن زبارج الدنيا وزخارفها تعد شراك أهل الطريق وقطّاعها. فأهل الطريق مكلفون بهجرة كل خادع ومتلون، وترك العادات والرسوم السيئة، وهجران رفقاء السوء في الباطن والظاهر، واجتناب كل السنن الباطلة والمناهج الفاسدة ﴿والرجز فاهجر﴾.
الإنسان الذي يصبح من أهل الطريق إذا هاجر من الدناءة والرجز فإنه يتبّع أمر القرآن الكريم: ﴿سارعوا إلى مغفرة من ربكم (آل عمران، 133).
فالإسراع في طريق الخير والصراط المستقيم لا خطر فيه ولا ضرر. قد يتحول الإنسان في جلسة واحدة، أي أنه يطوي طريقاً يقطعه الآخرون في عدة سنوات.
فهذه العلائق الدنيوية سرعان ما تتحطم، وهذا القفص من الميول والأهواء سرعان ما يكسر ليحرر نفسه. هذا ما يقال عن الإنسان السالك الذي يقطع في ليلة واحدة مسافة مئة سنة.

الأمر القرآني في المرحلة الثالثة هو السبقة في الخيرات والتقدم على الآخرين ﴿فاستبقوا الخيرات (البقرة، 148).
فلا تجعلوا في فكركم أنكم سوف تلاقون صدمة في هذا السياق أو أن هذا السباق أمر مجازي وغير متيسر. فالإنسان له روح أبدية وخالدة بحيث لا يشبعها كل ما في السموات والأرض. فهذا النظام الواسع لنجوم الكون أصغر من أن يقنع روح الإنسان، لأنه نظام مادي أما نفس الإنسان فهي مجردة ومنزهة عن عالم الطبيعة. فلا شي‏ء مادي يمكن أن يكون غذاءً لروح الإنسان إلا غذاء عالم القدس وقرب الله. ولهذا فإن الأمر في المرحلة الثالثة هو السبقة. إذا كان الآخرون يمتلكون عشر فضائل، فاسعوا لكي تحصلوا على الحادية عشر إذا كان الآخرون لا يرتكبون خلافاً فاسعوا لكي لا تتخيلوا ارتكاب الحرام. إذا كان غيركم يفرح لإقبال الناس ويحزن من إدبارهم فاسعوا لكي لا يكون لإقبال وإدبار غير الله أي أثر فيكم.
فإذا طوى السالك هذه المرحلة وسبق الآخرين، فعليه أن يعمل بمقتضى أمر القرآن في الوصول إلى إمامة أهل التقوى والأخذ بأيديهم: ﴿واجعلنا للمتقين إماماً (الفرقان، 74).

من الممكن أن يتأسى عدد من الفاسدين بإنسان ويكون هذا الشخص إمام الجور عندهم. ولكنهم لن ينالوا من هذا الاقتداء نفعاً ولن يحصل هو على شي‏ء فالإمام والمأموم في طريق الضلال والفساد محكومان بالنار ﴿وجعلناهم أئمة يدعون إلى النار (القصص، 41)، فالبعض يتقدمون إلى النار؛ ويسلكون سبيل الفساد قبل الآخرين، ويجلبون معهم أناساً آخرين، فهؤلاء هم أئمة النار. وإذا كان هؤلاء أئمة شعلة جهنم، فعليكم أن تسعوا لتكونوا أئمة أهل التقوى وتقولوا ﴿واجعلنا للمتقين إماما. فهذا مقام متيّسر للإنسان.

إن الله تعالى يعلمنا الدعاء والمناجاة لنكون من أهل الدعاء ولا نقطع ارتباطنا به، هذا أولاً. وثانياً، لنعلم ماذا ينبغي أن نطلب. فقد أمرنا أن تطلب هذا المقام مقام إمامة أهل التقوى. يقول أمير المؤمنين ومولى الموحدين - عليه أفضل صلوات المصلين - في وصفه للإنسان عندما يموت "صار جيفة بين أهله" فأسلموه فيه إلى عمله" (نهج البلاغة/خ‏108). إذا كان الإنسان يستطيع أن يكون ملاكاً في الأخلاق، فلماذا يبقى في وضع الجيفة والميتة؟! ما يستفيده الإنسان من الطبيعة لا ينفع إلا جسده الذي سوف يكون في المستقبل جيفة، يكره الناس وأهله رائحتها ويصرّون على دفنها. أما حقيقة هذا الميت فهي: "فأسلموه فيه إلى عمله". إذا كان (مآل) البدن من عالم الدنيا والطبيعة أن يكون جيفة، فلماذا تكون الروح التي يمكن أن تكون "إمام المتقين" مستسلمة وخاضعة له؟ إذا كان الله في هذه الآية الكريمة يعلمنا أدب الدعاء لنطلب إمامة المتقين، فلماذا لا نحصّل هذا المقام؟ يروي الإمام الحسين بن علي عليه السلام عن جده خاتم الأنبياء صلى الله عليه وآله وسلم قال: "إن الله تعالى يحب معالي الأمور ويكره سفاسفها". فالله تعالى يحب للإنسان أن يقطع هذه المراحل من الهجرة إلى الإمامة ليكون إمام المجتمع الفاضل، فيقتدون به في الفضائل، ويكون قدورة في كل مجال للمتقين. إذا كان الإنسان قادراً على الوصول إلى قمة عرض الكمال الإمكاني فلماذا يبقى في ظلمة هذه الطبيعة.

والآيات التي ذكرت سابقاً، حذرتنا من هذا الخطر: ﴿يا أيها الناس إنما بغيكم على أنفسكم متاع الحياة الدنيا (يونس، 23). فهذا البغي والظلم يقع على الإنسان نفسه. والإنسان ليس له تماس مباشر مع خارجه سواء في البعد العلمي والفكري أو الخير والشر. فكل ما في فكره هو الذي يشكل حقيقته. إذا كان عالماً بشي‏ء، فهو ما سيحضر في فكره. وإذا أدى عملاً أو نية، فإنه يفعل ذلك ضمن محيط روحه. وكذلك إذا ارتكب معصية، فإن هذا الفعل لا يتعدى محيط وجوده هو. فالنفع يعود عليه بفعل الخير، والشر يرجع إليه بارتكاب المعصية وهو لا يستطيع أن يوصل الشر أو الخير مباشرة إلى الآخرين. إذا صدر من الإنسان فعل الخير، فمثله كمن زرع بشجرة في بستانه فانبتت ثمرة عطرة تعود عليه بالنفع، ولا ينال العابر منها إلا العطر الطيب. فإذا غرس شجرة فقد غرس لنفسه ولا يستفيد الآخرون إلا من ظلها. وإذا حفر بئراً كنيفاً يقع فيه وغيره يتنفر من رائحته. إن كل عمل خير يفعله الإنسان نحو الآخرين كمثل شجرة طوبى قد غرسها في ملكه ويستيد من ظلها غيره.

كذلك إذا ارتكب ذنباً أو إساءة تجاه الآخرين مثل بئر عميق قد حفره في ملكه يقع هو فيه وينزعج العابرون من رائحته. فلا يمكن أبداً أن يظلم شخص شخصاً. فكل ظلم يفعله الإنسان بغيره هو الذي سيتحمل عاقبته وقد يصل جزء منه إلى الغير. الإنسان لا يخرج عن محيط وجوده لا في المسائل العلمية ولا في المسائل العملية، والله تعالى يقول: ﴿يا أيها الناس إنما بغيكم على أنفسكم. فكل ظلم وإساءة وجفاء يقع عليه. وفي الليل والنهار حين يكون مشغولاً بعمله، إما أن يكون كمن يغرس الأشجار الطيبة أو كمن يحفر آباراً عميقة تكون عاقبتها ويل جهنم في باطنه.

وينقل المرحوم ثقة الإسلام الكليني، رضوان الله عليه عن الإمام المعصوم عليه السلام أن الراوي سأله عن الملكين قال: هل يعلمان بالذنب إذا أراد العبد أن يفعله أو الحسنة؟ فقال: ريح الكنيف وريح الطيب سواء؟ قلت: لا قال: إن العبد إذا همّ بالحسنة خرج نفسه طيب الريح فقال صاحب اليمين لصاحب الشمال: قم فإنه قد همّ بالحسنة، فإذا فعلها كان لسانه قلمه وريقه مداده فأثبتها له وإذا همّ بالسيئة خرج نفسه منتن الريح فيقول صاحب الشمال لصاحب اليمين: قف فإنه قد همّ بالسيئة فإذا فعلها كان لسانه قلمه وريقه مداده فأثبتها عليه. (الكافي - ج‏2)
فطبق بيان المعصوم سلام الله عليه يكون باطن الإنسان إما بستاناً طيب الريح وإما بئراً سيء الرائحة، ويوم القيامة يخرج هذا الباطن إلى العلن: ﴿يوم تبلى السرائر. وأسوأ من عذاب جهنم هو الفضيحة المخزية: ﴿ربنا إنك من تدخل النار فقد أخزيته. فإذا علمنا أنه سيأتي ذلك اليوم الذي تبلى فيه سرائرنا. إما بستاناً عابقاً وإما كنيفاً نتناً - أيصح أن نبقى مكتوفي الأيدي ولا نفكر بأنفسنا ومصيرنا؟

﴿يا أيها الناس إنما بغيكم على أنفسكم... ولا يحيق المكر السي‏ء إلا بأهله (فاطر، 43). فالخير والشر في فعلنا يرجعان إلينا. وفي سورة الإسراء يقول الله تعالى: ﴿إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم فلها في كلا الجملتين جاء التعبير "باللام" وهو حرف اختصاص أي أن العمل يختص بالعامل. وهذا ما سيظهر يوم القيامة. اليوم يستطيع العاصي أن يخفي عصيانه ويكتم أسراره. وقد يتمكن من عدم الوقوع في الفضيحة فإذا كان قلبه أسوداً يمكنه أن يخفيه، وإذا أطلع البعض عليه يمكنه أن يهرب من أمامهم ويختفي عنهم. ولكن هذا الأمر لن يكون ممكناً في ذلك المحضر. كما يقول الله تعالى: ﴿لا يكتمون الله حديثاً (النساء، 42) لأنه لا حجاب ولا ساتر. ربما يكون في هذا العالم جبل أو تلة أو بيت أو جدار يتوارى خلفها. ولكن عندما تكون ساحة القيامة كلها صحراء مستوية، ونظر أهل القيامة قوياً أين يمكن أن يفرّ الإنسان؟

جاء في القرآن الكريم قوله تعالى لرسوله: ﴿يسألونك عن الجبال (طه، 105) فقل: ﴿ينسفها ربي نسفاً فيذرها قاعاً صفصفاً لا ترى فيها عوجاً ولا أمتا. وفي موضع آخر يقول تعالى: ﴿فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد (ق،22). فإذا كان نظر أهل القيامة حديداًحاداً ولا مكان للتواري، فماذا يفعل العاصي؟ الذي ضل سعيه في الحياة أين يذهب لتلافي الفضيحة. يحكي القرآن عن هذه الطائفة بقوله: ﴿لنذيقهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا ولعذاب الآخرة أخزى وهم لا ينصرون (فصلت، 16). إذا كان الإنسان يستطيع أن يكون إمام المتقين، فلماذا يتحول بهذا الاستعداد إلى إمام للجور ويجر وراءه أهل المعاصي؟!
أعاذنا الله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا.

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليقاً جديداً

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع