قراءة في كتاب: مشاهد من سيرة الشهيد الجامعي محمّد حسين جوني احذر عدوّك: فتبينوا (2) كمّامة تضيء لمحاكاة حركة الشفاه عند التحدّث "عصبونات دماغيّة" في رقاقة إلكترونيّة! محطّات شحن سيارات كهربائيّة في إيران "سمكة الترويت": من خيرات الديار كلّنا مزارعون الزارعون كنوز الله في أرضه الاقتصاد المقاوم... تجربـــة رائــــدة اليد المنتجة.. مباركة

حكمة الأمير: أفضل الزهد إخفاؤه


الشيخ علي ذو علم

عن أمير المؤمنين عليه السلام: "أفضل الزهد إخفاء الزهد"(1).
لا شك في أن الزهد هو واحد من الخصائص الأساسية في الثقافة الإسلامية. وهو عند الإمام أمير المؤمنين عليه السلام صفة المتقين، وأفضل العبادات، وزينة الحكمة، وعضد الدين وثمرته، وهو أساس اليقين وصفة أفضل الناس.


*صفة أهل الإيمان
ولا نشك في أن الزهد هو إحدى صفات أهل الإيمان، وهو خاصّة من خصائص المهتدين إلى طريق السعادة. إلا أن سوء فهم البعض لمسألة الزهد وعدم امتلاكهم فهماً عميقاً وحقيقياً له دفعهم لاعتباره مرادفاً لمفاهيم الكسل، عدم التنظيم في الحياة، والانزواء، واللامبالاة في خصوص المسائل الاقتصادية والسياسية للمجتمع وبالتالي التهرب من المسؤولية، ما أدى إلى خروج هذا المفهوم من حياة المجتمع. كما أدى إلى لجوء المتعلقين بالدنيا والغافلين عن المذهب الديني الصحيح إلى إيجاد مبرّرات تصحّح سبب إقبالهم على الدنيا فاعتبروا أن التدين هو الزهد، والزهد مفهوم انحرافي فكانوا في غنى عن الدين.

*حقيقة الزهد
الزهد، في الحقيقة هو عدم التعلق بالأمور الدنيوية، وعدم الانجرار وراء آمالها الخداعة والخيالية، حتى يتحقق الواقع الإلهي العميق. هذا الواقع الذي يؤدي إلى نجاة الإنسان وسعادته الأبدية. فعندما يتمكن الإنسان من التخلص من التعلّقات المادية القصيرة يصل إلى حقيقة النعمة الإلهية التي تعطيه الكمال والسعادة.

الزهد عند الإمام عليه السلام هو أن نوجه رغباتنا وآمالنا إلى ما هو عند الله تعالى وليس إلى ما هو عندنا. فننجذب إلى نعم الله ورضاه وليس إلى ظواهر النعم الطبيعية. وهكذا لا نتحرك في الاتجاه الذي يتحرك فيه الجهلة، بل نستفيد من النعم كما قدرها الله تعالى لنا على أساس أن النعم جميعها تعود إليه تعالى.

*جوهر الوجود والإنسانية
وجاء في مفهوم بعض الروايات التي تحدثت عن الزهد أن المقصود منه هو أن لا نسرّ ولا نفرح إذا أقبلت النّعم إلينا، ولا نحزن أو نتحسر إذا فقدناها. يجب أن لا نغرق في التفكير بالنعم التي تنسينا العبادة والشكر وتجرّنا إلى فعل الحرام. لا يفترض بالإنسان أن يقدّم جوهر وجوده وإنسانيته فداءً للشهوات المادية، بل يجب العمل على تعزيز جانب الحكمة والمعرفة والولاية الإلهية في ذواتنا فنكون ممن يسيرون في جانب الزهد الحقيقي.

الزهد هو أمر داخلي وصفة نفسانية تنشأ من خلال معرفة الإنسان الصحيحة والعميقة بالدنيا مما يؤثر على سلوكه. والزهد ليس مجرد تظاهر صرف وسلوك صوفي، وليس هو مجرد حالة قلبية داخلية لا تترك آثاراً على الفرد والمجتمع.

الزهد حالة تساعد في تغيير نظرة الإنسان إلى النّعم والمشكلات التي تعترضه، ولا يقدم الحدود الإلهية والتعاليم الدينية والأخلاقية من أجل الحصول على الثروة والمنصب والمقام أو إرضاء الشهوات الدنيوية، بل مع الحفاظ على الجانب الإلهي يجب على الإنسان أن يسعى للحصول على النعم الإلهية من خلال التدبير والتصرف الصحيح. الزاهد هو الذي لا يترك النعم الإلهية إلا أنه يعتبر النعم الدنيوية مجرد أداة ووسيلة لأجل جلب رضا الله تعالى والحصول على سعادته وكماله، لذلك على المؤمن أن لا يجزع لفقد نعمة من النعم التي يواجهها في حياته.

*لو خالف الزهد التقوى!!
من هنا نعلم السر الذي جعل الإمام يجعل أفضل الزهد إخفاءه. على اعتبار أن عدم التظاهر بالزهد وإخفاءه هو من اللوازم الضرورية لعدم الإقبال على الدنيا. وكل من يتصرف عكس هذا الأمر فإنه يساهم في إخراج هذا المفهوم عن معناه الصحيح، لا بل يكون عمله مخالفاً للزهد ويساعد أصحاب الدنيا الذين لا يفقهون معنى الزهد سوى أنه التعارض مع النمو والتطور والحياة الاجتماعية.

يعتبر الإمام أمير المؤمنين عليه السلام، ومن أجل الابتعاد عن فهم البعض الخاطئ للزهد، أن أفضل مرتبة من مراتب الزهد إخفاؤه. طبعاً لا يقصد من هذا الكلام ترك الزهد حتى لا يظهر للناس، بل المقصود هو الابتعاد عن التظاهر بالزهد، على أساس أن هذا التظاهر يتعارض والروح الحقيقية للزهد، بل على الزاهد أن يتجلى الزهد في سلوكه وعمله. الزهد مقدمة ووسيلة للتقوى والفلاح والكمال، فلو خالف التقوى فلن يكون زهداً حقيقياً.


1.نهج البلاغة، من كلام له عليه السلام (28).
 

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليقاً جديداً

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع