مع الإمام الخامنئي: قواعد القرآن.. سعادة الدنيا والآخرة أخلاقنا: الزواج سهلٌ يسير مناسبة: الخميني قدس سره..شمسٌ لا تغيب مناسبة: المعصومة عليها السلام: سيّدة قم مناسبة: البقيع.. قطعة من الجنّة ما بعد الحرب النفسيّة للعدوّ البشريّة وصراع الوباء فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَات تغذية: المناعة خيرُ علاج سوريا: حافلات على الطاقة الشمسيّة

أوّل الكلام: ولنا في رسول الله أسوة

السيد ربيع أبو الحسن

 



لم تهمل الشريعة الإسلاميّة الغرّاء مناحي الحياة كافّة؛ المادّيّة والمعنويّة، وحثّت المؤمن على الاستفادة القصوى من الدنيا بما يعود عليه بالخير في الآخرة؛ يقول تعالى: (وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا) (القصص: 77). وقد جاء في تفسيرها عن أمير المؤمنين عليه السلام: "لا تنسَ صِحَّتك، وقوّتك، وفراغك، وشبابك، ونشاطك، أن تطلب بها الآخرة"(1).

وقد رسم الإسلام لنا نمط حياةٍ متوازناً على قاعدة إنّا (جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا) (البقرة: 143)، فلا إفراط ولا تفريط. ومن هذا المبدأ، لم يرضَ للمؤمن أن يعيش حياةً مترفة مليئة بمظاهر الدنيا وزخارفها، وكذلك لم يرضَ له الفقر، وحثّه على تحصيل رزقه بما يؤمّن له الكفاف والعيش الكريم؛ وهذا ما يدعو به رسولُ الله صلى الله عليه وآله وسلم ربّه: "اللَّهُمَّ ارْزُقْ مُحَمَّداً وآلَ مُحَمَّدٍ، ومَنْ أَحَبَّ مُحَمَّداً وآلَ مُحَمَّدٍ، الْعَفَافَ والْكَفَافَ"(2). ومَن أخذ من الدنيا فوق ما يكفيه، أخذ من حَتفه وهو لا يشعر، كما جاء في الحديث الشريف(3).

أمّا من قُدِر عليه رزقُه عن تأمين كفافه؛ فعليه بأطيب العيش، ألا وهو القناعة، وليتأسَّ برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم -والكلُّ مأمورٌ بالتأسّي به صلى الله عليه وآله وسلم-، الذي نزل عليه جبرئيلُ عليه السلام بمفاتيح كنوز الأرض، وقال: يا محمّد، السلامُ يقرئك السلام، ويقول لك: إن شئتَ صيَّرتُ معك جبال تِهامة(4) ذهباً وفضّة، وخذ هذه مفاتيح كنوز الأرض، ولا ينقص ذلك من حظِّك يوم القيامة، قال: "يا جبرئيل، وما يكون بعد ذلك؟ قال: الموت، فقال: إذاً، لا حاجة لي في الدنيا، دعني أجوع يوماً وأشبع يوماً، فاليوم الذي أجوع فيه أتضرَّع إلى ربّي وأسأله، واليوم الذي أشبع فيه أشكر ربّي وأحمده"(5).

لقد عاش صلى الله عليه وآله وسلم بساطة الحياة، فكان "يأتي عليه الشهران والثلاثة فلا توقَد في بيته نار لمصباح، وتوفّي ودرعه مرهونة، ما ترك صفراء ولا بيضاء(6)، ومُنح الغنائم الكثيرة، ولقد كان صلى الله عليه وآله وسلم يقسِّم في اليوم الواحد ثلاثمائة ألف وأربعمائة ألف، ويأتيه السائل بالعشيّ فيقول: والذي بعث محمّداً بالحقّ، ما أمسى في آل محمّدٍ صاعٌ من شعيرٍ ولا صاع من برّ ولا درهم ولا دينار"(7)، وكان صلى الله عليه وآله وسلم "يَأْكُلُ عَلَى الأَرْضِ، ويَجْلِسُ جِلْسَةَ الْعَبْدِ، ويَخْصِفُ بِيَدِه نَعْلَه، ويَرْقَعُ بِيَدِه ثَوْبَه، ويَرْكَبُ الْحِمَارَ الْعَارِيَ ويُرْدِفُ خَلْفَه... فَأَعْرَضَ عَنِ الدُّنْيَا بِقَلْبِه، وأَمَاتَ ذِكْرَهَا مِنْ نَفْسِه... لَمْ يَضَعْ حَجَراً عَلَى حَجَرٍ حَتَّى مَضَى لِسَبِيلِه، وأَجَابَ دَاعِيَ رَبِّه"(8).

وهذه الحياة البسيطة لم تكن لتمنع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من كثرة الإنفاق ومساعدة الفقراء، حيث إنّه صلى الله عليه وآله وسلم لم يكن يدّخر شيئاً من حطام الدنيا لغده، حتّى ولو كان طعاماً محتاجاً إليه، فقد قال صلى الله عليه وآله وسلم يوماً لبلال: "يا بلال، عندك شيء؟"، فقلت: نعم، فجئت به، فقال صلى الله عليه وآله وسلم: "بقي عندك شيء يا بلال؟"، فقلت: ما بقي عندي شيء إلّا قدر قبضة، قال صلى الله عليه وآله وسلم: "أنفق يا بلال، ولا تخَش من ذي العرش إقلالاً"(9).

بل إنّه صلى الله عليه وآله وسلم لم يكن ليردّ سائلاً حتّى لو لم يكن عنده ما يُعطيه، فقد جاءه صلى الله عليه وآله وسلم رجلٌ فسأله أن يعطيه، فقال له صلى الله عليه وآله وسلم: "ما عندي شيء، ولكن ابتَع عليَّ -أي اشترِ ما تحتاج إليه ويكون ثمنُه عليَّ- فإذا جاءني شيء قضيته"(10).

فما أعظم منّةَ الله علينا، حين أنعم به صلى الله عليه وآله وسلم نبيّاً هادياً إلى كلّ خير، فأحينا -يا الله- حياةَ محمّدٍ وآل محمّد، وأمتنا ممات محمّدٍ وآل محمّد، وأوردنا موردهم.

آمين ربّ العالمين.


1.وسائل الشيعة، الحرّ العامليّ، ج1، ص90.
2.الكافي، الكلينيّ، ج2، ص140.
3.جامع السعادات، النراقيّ، ج2، ص20.
4.أرض منخفضة بين ساحل البحر والجبال في الحجاز واليمن.
5.بحار الأنوار، المجلسي، ج42، ص276.
6.كناية عن الدينار (الذهب) والدرهم (الفضّة).
7.إمتاع الأسماع، المقريزيّ، ج4، ص223.
8.نهج البلاغة، الخطبة (160).
9.الاحتجاج، الطبرسيّ، ج1، ص335.
10.مكارم الأخلاق، ابن أبي الدنيا، ص118.

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليقاً جديداً

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع