خطوات لطفلك على طريق القناعة بساطة العيش في سيرة العلماء شعاع المحبّة رحل العالِم المربّي في جوار العقيلة(2) قصة: قبل أن يصلوا إلى ظلِّ "محمّد" فقيد العلم والجهاد: حارس المسيرة(*) تحقيق: صافي دربٌ عانق السحاب احذر عدوك: صدورهم وعاءٌ لسرّ الله حكايا الشهداء: "إنّي أرى نور الشهادة بين عينيك"

إخوانُ الشياطين

الشيخ صلاح العسّ(*)

 



كثيرٌ منّا قد يقع في شِباكه، سواء عن قصدٍ أو غير قصد. يخيّم على موائدنا، وملبسنا، وحاجيّاتنا، ونُظُم عيشنا، وحتّى كلامنا، إلى درجة أنّه قد يُحكم قبضته على الإنسان، فيقع أسيراً تحت رحمة أهوائه وشروره، دون أن يتمكّن من الإفلات منه بيسرٍ وسهولة.
إنّه الإسراف، أو ما يُصطلح لدينا بـ"التبذير"، سلوك سلبيّ نبذه الله تعالى وأولياؤه والعقلاء جميعاً، لما فيه من ضررٍ على الفرد نفسه والمجتمع ككلّ.


•الإسراف في القرآن والروايات
الإسراف هو صرف المال زيادةً على ما ينبغي، وأمّا التبذير فهو إنفاق المال فيما لا ينبغي. وبعبارةٍ أخرى: الإسراف هو تجاوز الحدّ في صرف المال، والتبذير هو إتلافه في غير موضعه. ويختصّ التبذير بالحالات التي تُصرف فيها الأموال هدراً ولو كانت قليلةً، بينما إذا صُرِفت في محلِّها فلا يكون تبذيراً ولو كانت كثيرةً، فقد سئل الإمام الصادق عليه السلام عن قول الله تعالى: ﴿وَلاَ تُبَذِّرْ تَبْذِيراً﴾ (الإسراء: 26)، فقال: "مَن أنفق شيئاً في غير طاعة الله فهو مبذّرٌ، ومن أنفق في سبيل الخير فهو مقتصِدٌ"(1).

لقد حذّرت الآيات الكريمة والأحاديث الشريفة من مغبّة الوقوع في الإسراف، وذمّت مرتكبه. قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ﴾ (غافر: 28).

وقد أرسل الإمام عليٌّ عليه السلام كتاباً لزياد ابن أبيه في ذمّ الإسراف، جاء فيه قوله: "فدع الإسراف مقتصِداً، واذكر في اليوم غداً، وأمسك عن المال بقدر ضرورتك، وقدِّم الفضل ليوم حاجتك"(2)؛ أي استفد من الفائض من مالك ليوم حاجتك إليه، فكم من أناسٍ ندموا على مالٍ صرفوه في غير موضعه، ولم يجدوه عندما احتاجوا إليه.

•ضوابط الصرف المعتدل
إنّ المطلوب من الإنسان هو الاعتدال في طعامه وشرابه ولباسه وكلامه ووقته، فالإنسان ليس حرّاً في أن يفرّط بصحّته أو ماله أو الإمكانات التي أودعها الله لديه. قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً﴾ (الفرقان: 67).

لقد بيَّنت هذه الآية بوضوحٍ، أنّ من حقّ كلّ إنسان أن يأكل ويشرب ويحصل على حاجته من الطعام والشراب، ولكن ليس من حقّه أن يتجاوز في ذلك، فيأكل أو يشرب ما يزيد على حاجته إلى حدّ التخمة، فهذا فضلاً عن كونه مذموماً في الشريعة، هو منبع الكثير من الأمراض، فعن الإمام الصادق عليه السلام: "إنّ القصد أمرٌ يحبّه الله عزّ وجلّ، وإنّ السرف أمرٌ يبغضه الله"(3).

•لا للتباهي
من صفات المتّقين الاقتصاد، فقد جاء عن الإمام عليٍّ عليه السلام في صفاتهم: "منطقهم الصواب، وملبسهم الاقتصاد"(4). لذا ينبغي ألّا يكون الإسراف في الملبس والمأكل والمسكن وسيلةً للتباهي والتفاخر، أو هدفاً وغايةً تُشغل بال الإنسان، وتأخذ الكثير من وقته، كما يحدث في واقعنا الحاليّ. ويقول الإمام عليٌّ عليه السلام أيضاً: "إذا أراد الله بعبدٍ خيراً، ألهمه الاقتصاد وحُسن التدبير، وجنّبه سوء التدبير والإسراف"(5).

وقد وضع الفقهاء قاعدةً عامّةً لحكم شراء الأشياء الغالية فقالوا: إن كان ما يشتريه الإنسان يعدّ من شأنه، فلا يعدّ إسرافاً، وإن كان ثمنه غالياً، لكن مراعاة الآخرين أمرٌ محبّبٌ إلى الله تعالى.

•الإسراف بين الضروريّات والكماليّات
الإسراف يؤدّي إلى تبديد الطاقات والإمكانيّات التي يمتلكها الأفراد والمجتمعات والأوطان، وهو يخرجهم عن حدّ التوازن الذي بنى الله تعالى على أساسه الكون والحياة، وأراد للإنسان أن يلتزم به ولا يخرج عنه. والإسلام حين حذَّر من الإسراف لم يمنع الإنسان من لذائذ الدنيا وطيّباتها، فقد قال تعالى: ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِين﴾ (الأعراف: 31)، بل حذّر الإنسان من الوقوع في الإسراف الذي يتجلّى في المآدب الفارهة التي تفوق حاجة المدعوّين إليها، وعدم الضّبط في أسلوب استخدام الكهرباء والماء والهاتف ووسائل التواصل، واستعمال وسائل النقل الخاصّة، ويتّسع ذلك ليشمل الإسراف في الوقت، حيث ورد عن الإمام عليٍّ عليه السلام أنّه قال: "احذروا ضياع الأعمار فيما لا يبقى لكم، ففائتها لا يعود"(6). والإسراف في الكلام، كما ورد عنه عليه السلام: "الكلام كالدّواء، قليله نافع، وكثيره قاتل"(7).

•بين الإسراف والكرم
ولا ينبغي حتّى نبرّر الإسراف أن نعتبر ذلك كرماً، فهناك فرقٌ بين الكرم والإسراف؛ فالإسراف يكون حين يُصرف المال من غير فائدةٍ وبغير وجه حقٍّ، أمّا الكرم فيكون عندما يُصرف المال في موقعه الصحيح، ولأشخاصٍ يحتاجون إليه أو يستحقّونه، فعن الإمام عليٍّ عليه السلام أنّه قال: "ألا وإنّ إعطاء المال في غير حقّه تبذيرٌ وإسرافٌ، وهو يرفع صاحبه في الدنيا ويضعه في الآخرة، ويُكْرِمُهُ في الناس ويُهينُهُ عند الله"(8). وإذا كان لا بدّ من مآدب وزوائد تنتج عنها، فلا بدّ من عدم رميها، بل توزّع على من يحتاج إليها وما أكثرهم!

•المبذّرون إخوان الشياطين
قال الله تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ﴾ (غافر: 43)، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ﴾ (الإسراء: 27).

وقد اعتبر الإسلام المبذّرين إخوان الشياطين؛ لأنّ التبذير أعظم من الإسراف، ولأنّهم كفروا بنعم الله تعالى ووضعوها في غير مواضعها، فأصبحت أعمالهم متطابقةً مع أعمال الشيطان.

ومن علامات المسرف، كما ورد عن الإمام عليٍّ عليه السلام أنّه: "يأكل ما ليس له، ويشتري بما ليس له، ويلبس ما ليس له"(9). لذلك، في مواجهة الإسراف لا بدّ من حُسن التدبير. وقال عليه السلام أيضاً: "وحسن التدبير مع الكفاف أكفى لك من الكثير مع الإسراف"(10).

•آثار الإسراف
ويمكن أن نلاحظ الحكمة من ذمّ الإسراف من ملاحظة مجموعة من آثاره على الصعيدين:

1- الفرديّ: يؤثّر الإسراف في إتلاف المال المحتاج إليه بما يلحق الضرر بالأهل والعيال، ويضع المسرف أمام حالة اقتصاديّةٍ غير محمودةٍ. هذا من ناحية وضعه الاقتصاديّ، أمّا لناحية أثره على قيم الفرد وأخلاقه، فالإسراف يورث الاستهتار بالأموال؛ لاستسهال صرفها وهدرها، وعدم تحمّل المسؤوليّة؛ لأنّه يهدر شيئاً ويأتي بشيء آخر دون مدعاة أو سبب. وقد تزيد مشاكله الأخلاقيّة ليبتلى بالعبثيّة والفوضى والتكبّر على الآخرين؛ لأنّه يعتقد أنّ بإمكانه أن يحصل على أيّ شيء، وأن يتخلّى عن أيّ شيء؛ لأنّه أفضل الناس، ويستحقّ كلّ جديد ونفيس. وهنا، سيكون قد أصيب بمرض (الرفاه) إن صحّ التعبير.

2- الاجتماعيّ: سعى الإسلام إلى ردم الهوّة على المستوى المعيشيّ بين الناس، والقضاء على التفاوت الفاحش بينهم، وذلك بمنع إسراف المال وإنفاقه في غير حقّه أو في الأغراض غير العقلائيّة، في حين لا يستطيع بعض الناس الإنفاق في سبيل الوصول إلى حياةٍ كريمةٍ. وحينئذٍ، لو تُرك الناسُ يتصرّفون في أموالهم كيفما شاؤوا ومن غير ضبط من تجاوز الحدّ المعقول والنمط الأوسط في الإنفاق، فسيكون ذلك مدمّراً للمجتمع، ويتسبّب في نشوء الأحقاد والكراهية بين أبناء المجتمع الواحد وظهور الجريمة.

وقد بيّنت الشريعة أنّ آثار الإسراف وتداعياته لا تقف عند حدود الأفراد والمجتمعات والأوطان، في حاضرهم ومستقبلهم في هذه الحياة، بل تمتدّ إلى موقف الإنسان بين يدي ربّه في الآخرة، وإلى علاقته به، فقد قال الله تعالى عن مصير المسرف: ﴿وَأَهْلَكْنَا الْمُسْرِفِينَ﴾ (الأنبياء: 9).

•توصيات في علاج الإسراف
يمكن علاج الإسراف من خلال اتّباع الأمور الآتية:

1- التفكير والتأمّل في النتائج الوخيمة على البدن والنفس والقلب والمال، وعلى الأفراد والمجتمعات نتيجةً للإسراف.

2- مجاهدة النفس لترويضها على الاعتدال وعدم الإسراف، وأخذها بالشدّة عن طريق امتثال أوامر الشرع وعدم التهاون فيها.

3- دراسة سيرة المعصومين عليهم السلام ومداومة تأمّلها للاقتداء بهديهم في حياتهم العامّة والخاصّة.

4- الابتعاد عن المسرفين إذا عدّ الاختلاط بهم تشجيعاً لهم على الإسراف، وتحرّي صداقة ذوي النفوس التي تحقّق التوازن في حياتها.

5- اهتمام الفرد ببناء شخصيّة أفراد أسرته، والعمل على تعويدهم الحياة الصحيحة قواماً واعتدالاً.

6- العمل على نشر الفضائل الخلقيّة التي تقوّم سلوك المستهلك وتميّزه عن غيره من الأفراد كإنسانٍ تحصّنه القيم والأخلاق والضوابط الشرعيّة عن فعل كلّ ما يخالف تعاليم الدين الحنيف.

إنّ الإنسان في حسابات الله مسؤولٌ عن أن يبقى على توازنه عند كلّ نعمةٍ وعطاءٍ، فهو يتحمَّل مسؤوليّةً ماديّةً عن أيّ إسرافٍ يحصل منه في الأموال أو غيرها. لذا، نحن بحاجةٍ إلى تربية أنفسنا وأولادنا على ثقافة حفظ النّعم، كما كان يفعل الإمام عليّ عليه السلام حيث كان يوجِّه عمّاله إلى أن يدقّقوا أقلامهم، وأن يقاربوا بين السطور، حتّى لا يهدروا الورق الذي يكتبون عليه.


(*) مدير الإشراف الدينيّ - جمعيّة التعليم الدينيّ الإسلاميّ.
1.مستدرك الوسائل، النوري، ج15، ص269.
2.نهج البلاغة، الكتاب (21)، ص377.
3.الكافي، الكليني، ج4، ص52.
4.نهج البلاغة، (م.س)، الخطبة (193)، ص303.
5.غرر الحكم، الآمدي، ص353.
6.(م.ن)، ص160.
7.(م.ن)، ص211.
8.نهج البلاغة، (م.س)، الحكمة (126)، ص183.
9.وسائل الشيعة، الحرّ العاملي، ج17، ص65.
10.تحف العقول، الحرّانيّ، ص79.

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليق جديد

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع