تحقيق: صافي دربٌ عانق السحاب احذر عدوك: صدورهم وعاءٌ لسرّ الله حكايا الشهداء: "إنّي أرى نور الشهادة بين عينيك" آخر الكلام: هديّة الحسين عليه السلام مع إمام زماننا: السلام عليك يا خليفة الله(*) مع الإمام الخامنئي: التكليف: مسؤوليّة وتشريف من القلب إلى كل القلوب: عــاشـــوراء والإحياء الحسـينيّ(*) تسابيح جراح: لو قُطِّعنا..لو حُرقِّنا..لن نتركك حكايا الشهداء: صورتان وبسمة جوائز مسابقة المهدي الموعود عجل الله تعالى فرجه الشريف

تسابيح جراح: جراحي جعلتني قويّاً

لقاء مع المجاهد الجريح جعفر ريّا
داليا فنيش



"إنّ المقاومة تحتاج إلى رجال أقوياء، ذوي عزيمة عالية، لدحر كلّ محتلّ من أرضنا، وأنا مستعدّة لتقديم أبنائي جميعاً فداءً لهذا النهج".
بهذه الكلمات التشجيعيّة من الوالدة، التحق جعفر، ابن بلدة تمنين التحتا، بصفوف المقاومة، لتسلك قدماه طريق ذات الأشواك، طريقاً عبّده بجراحٍ سوف تبقى تواسي جراح العبّاس، والقاسم، والطفل الرضيع مع عدد أنفاسه.


•صمودٌ وثبات
"لطالما تمنّيتُ الشهادة، فهي عشقي الذي يزداد يوماً بعد يوم، والحلم الذي لا يفارقني، إلى أن تلقّيتُ ذات يومٍ اتصالاً هاتفيّاً للالتحاق بالعمل في سوريا. وفي صباح الغد، ودّعتُ الأهل والزوجة وانطلقت". يضيف جعفر: "بدأت الشمس تترنّح نحو الأفق عازمة على الأفول، إلى أن كان المساء، أدّيتُ صلاة المغرب، ومن ثمّ دعاء كميل، والأعمال المستحبّة لليلة الجمعة. وعندما حلّ الليل، وزّع قائد المجموعة المهام على الشباب، لتطهير المكان من التكفيريّين، ومن ثمّ تمركز كلّ منّا في مكانه". عند الساعة الثالثة فجراً، انطلقت المجموعة في مهمّة الاستطلاع، وإذ بالمجاهدين يفاجأون بكمينٍ على رأس الجبل، فشرعوا بالهجوم بعد أن تغيّرت قواعد المعركة المقرّرة. "كان عدد التكفيريين أربعة عشر، فيما كنّا نحن خمسة. اشتعلت المواجهات وبات علينا حسم المعركة. استشهد شاب وأصيب اثنان آخران. طلبتُ الدعم فيما كنّا نتبع مصدر النيران ونرمي نحوه، إلى أن أصبت، ولكنّني كنتُ لا أزال أستطيع الصمود".

استمرّ جعفر في المواجهة رغم الجراح، وبعد نحو ساعة من الوقت، وصلت فرقة الدعم إلى المكان. نظر إلى الساعة فإذا هي تشير نحو السادسة صباحاً. كان يشعر بالإرهاق والتعب الشديدين، دون أن يعرف مدى إصابته. وكان أكثر ما يشغل باله خلال المعركة أن لا يدع أحداً من المجاهدين يقع أسيراً في قبضة الأعداء. وبفضل الله، تمكّنوا من القضاء على التكفيريّين جميعاً. بدأ جعفر يشعر بألم في خاصرته، وعندما وضع يده عليها، وجد دمه يسيل، فتمّ نقله إلى مستشفى ميدانيّ، وأُجريت له عمليّة؛ لأنّ الرصاصة كانت داخل الكلية، ومن ثمّ نُقل إلى بيروت.

•"ردّ لي ولدي جعفراً"
تقول والدة جعفر: "عند الساعة السادسة من يوم الجمعة، شعرتُ بضيقٍ في صدري. خرجتُ إلى الشرفة كي أتنفّس الهواء، فبدأ قلبي يخفق بسرعة. ناديتُ: يا زهراء، ما الذي يحدث؟ هل استشهد ولدي جعفر؟ كنتُ أخاف عليه كثيراً بسبب طبيعة عمله. ثمّ رحتُ أردّد دعاء: (يا ربّ، رُدّ لي ولدي جعفراً بخير وعافية، كما رددتَ يوسف ليعقوب عليهما السلام)". بعد ساعات، رنّ هاتف الأمّ، إنّه الابن الأكبر: "أريد الذهاب إلى بيروت، لديّ بعض الأعمال، ما رأيك لو تأتين معي؟"، فصرخت الوالدة قائلة: "هل استشهد جعفر؟!". لم تتمالك نفسها من البكاء، إلى أن جاء ابنها مسرعاً إليها وقال: "إنّ جعفراً جريح وهو في المستشفى".

•أنت فداءٌ للزهراء عليها السلام
خضع جعفر لعمليّة أخرى في المصران، بقي على إثرها في قسم العناية عشرة أيّام، وعندما استيقظ، وجد الأهل والزوجة بقربه. قالت له الوالدة: "أنت فداءٌ للسيّدة الزهراء والسيدة زينب عليهما السلام، مباركٌ لك هذا الفخر يا بنيّ".

جاء الطبيب وشرح وضع الإصابة، فأدرك جعفر منذ تلك اللحظة أنّه لن يستطيع المشي مرّة أخرى، ثمّ خضع لعمليّة جديدة في العمود الفقريّ، وبعد شهر، استقرّ وضعه، فخرج من المستشفى.

•رسالة إلى السيّد
كان جعفر يتابع خطاب سماحة السيّد حسن نصر الله (حفظه الله) حول تحرير الجرود من المستشفى، "تأثّرتُ بحديثه كثيراً لدرجة البكاء. وحين دمعت عينا السيّد، تمنّيتُ لحظتها لو أقبّل رجلَيه الطاهرتين، فإنّه قدّم الكثير للمقاومين وما زال، وهو يبكي لجراحنا".

بعد ساعات، زاره فضيلة الشيخ نعيم قاسم مطمئنّاً على صحّته، فحمّله جعفر رسالةً لسماحة السيّد (حفظه الله) وهي: "قبِّل سماحة السيّد عنّي، وقل له: نحن فداه، وأنا لا أقبل أن يذرف دمعة واحدة مهما كانت الأسباب، لأنّها غالية كثيراً على قلوبنا".

•عرس العودة
أقام جعفر في بيروت بسبب العلاج، وكان يتردّد إلى القرية أسبوعيّاً، ولكنّ المرّة الأولى التي توجّه بها إلى هناك بعد الإصابة كان لها رونق خاصّ، تركت أثراً كبيراً في نفسه؛ فالأهل والأصدقاء كانوا يقيمون له احتفالاً لعودته؛ الأرزّ والورود تُنثر في الأجواء، الأناشيد والزغاريد ترتفع في السماء، مضافاً إلى استقبال التهاني. يقول جعفر: "شعرتُ بفخرٍ وسعادة، قلبي كبر بهؤلاء الناس الذين عبّروا عن وفائهم وإخلاصهم لهؤلاء الشباب الذين ضحّوا بحياتهم من أجل راحتهم، ولم أعد أشعر بأنّي عاجز عن المشي أمام هذا المشهد الرائع!".

•بالصبر والعزيمة
في البداية، كانت حياة جعفر الجديدة صعبة عليه، إذ ليس من السهل أن يصبح الإنسان مقعداً بعدما كان مجاهداً في الميدان، فقد أدرك بعد إصابته قيمة الجهاد الحقيقيّة. قرّر جعفر أن يستكمل حياته من خلال القيام بنشاطات جديدة، كي يبعد عنه الملل والضجر: "كان لديّ هواية كرة الطاولة قبل الجراح، فبدأت أتدرّب عليها مرّتين أسبوعيّاً، وبعد فترة، طُلب منّي المشاركة في بطولة لذوي الاحتياجات الخاصّة بهذه اللعبة". نال جعفر كأس البطولة، ومن ثمّ شارك في بطولة أخرى بمناسبة ولادة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، وحاز المرتبة الثانية، وأيضاً بطولة برمّانا حيث نال الميداليّة الذهبيّة، مضافاً إلى العديد من الجوائز الأخرى. فرح جعفر بهذه التجربة الجميلة التي أدخلت على قلبه الراحة، فالإنسان قادر على صنع المعجزات بالإرادة والعزيمة القويّة، خاصّة عندما تكون برعاية الله سبحانه وتعالى.

وتقوم مؤسّسة الجرحى بمساعدته مع مدرّب خاصّ للتدريب مرّتين في الأسبوع على السباحة، كي يشارك في بطولة لذوي الاحتياجات الخاصّة.

يحبّ جعفر هواية المطالعة، فيقرأ العديد من قصص الشهداء، والروايات، والكتب الثقافيّة والاجتماعيّة والدينيّة والتربويّة، وخضع للعديد من الدورات في الكمبيوتر، واللغات، وصيانة الهواتف، "كما أنّني من محبّي كرة القدم، وأشجّع فريق النجمة".

•أعدك بأن نكمل الطريق معاً
"أصبحتُ أقود سيّارتي بمفردي، وهي مجهّزة بحسب وضعي الصحيّ. فعندما تقوم بأمورك بنفسك دون أن ترهق الآخرين، تشعر بسعادةٍ تعمر قلبك. أودّ أن أقدّم كلّ الشكر إلى زوجتي التي تعبت وأرهقت نفسها بالسهر على راحتي، فقد ضحّت كثيراً من أجلي وتحمّلت مسؤوليّة كبيرةً منذ بداية زواجنا، وعندما أعتذر منها على ما كبّدتها من عناء، تقول لي: (أنت كنت تقاوم من أجل حمايتي، وأنا حاليّاً أقوم بالعمل نفسه ولكن بطريقةٍ مختلفة. لقد منَّ الله عليّ بهذا الشرف والوسام وهو خدمة جراحك، أعدك بإكمال الطريق معاً)".

•وسام الفخر
"الجراح جعلتني قويّاً أشعر بفخر عظيم، وأنا مستعدٌّ للمشاركة في أيّ معركة قادمة، فداءً للإمام الحسين وأهل بيته عليهم السلام، وأنا حاضر بكلّ ما أملك من أجل متابعة القضيّة والنهج، والجراح لن تقف عثرةً في طريقي، بل قدّمت لي وسام فخر وعزّ سأرفعه في مسيرة حياتي".


هوية الجريح
الاسم الثلاثي: جعفر أحمد ريّا.
تاريخ الإصابة: 21-07-2017م.
نوع الإصابة: النخاع الشوكي / شلل سفلي.

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليق جديد

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع

تمنين التحتا

زينب ريا

2019-10-02 18:37:58

مبارك لك يا جعفر، هذا العز والشرف.. وأمدّك اللّٰه بالمزيد من القوة والعزيمة.. وأمنّ عليك بالشفاء بإذنه تعالى، لكي تعود إلى الجبهات.. فنحن لم نعهدك إلّا بطلاً ضرغاماً في الصفوف الأمامية.. أنت فخرٌ للعائلة وللقرية كلها