مع الإمام الخامنئي: الإنتاج عنوان العزّة من أسرار الغيبة والوعد الإلهي (5)(*) ثلاثون عاماً مباركة أخلاقنا: أيّها الـزوجان.. تنـازلا(*) مناسبة: زيارة الأربعين.. ولو من بُعد مناسبات العدد قصّة: كأبيه عليّ عليه السلام مجتمع: أرضــــــي (تجربة خاصّة) أوّل الكلام: ثلاثون عاماً من الحبّ والعطاء قراءة في كتاب: مشاهد من سيرة الشهيد الجامعي محمّد حسين جوني

تحقيق :صفات العاملين في خدمة الناس

لنا العزير

 



"كبير القوم خادمهم"، "خير عباد الله أنفعهم لعياله"، وغيرهما الكثير من المقولات والروايات التي نجد فيها دعوة صريحة لخدمة الناس وتفضيلاً لمن يقوم بتقديم الخدمة لهم، بدءاً من إكرام الضيف، مروراً بالإخلاص في العمل، وصولاً إلى المبادرة إلى قضاء حوائج الناس. كلها روايات وثوابت شرعية، وتدعو إليها الفطرة الإنسانية والأخلاق العامة. 

عند الحديث عن خدمة الناس، نجد أن معظم الناس في سؤالهم عن الموضوع تكون الإجابة الأولى هي لفتة إلى الوضع الإقتصادي الضاغط على الناس، والمساعدات المالية وما إلى هنالك من الخدمات التي تأخذ الصدارة اليوم في مفهوم مجتمعنا للخدمة العامة. أما ما نريده في بحثنا هذا فهو إعادة المفهوم إلى محوره الأساسي والذي يقوم أصلاً على مبدأ أن الخدمة الأولى هي أن أي عمل تقوم به يجب أن يكون تحت عنوانين هامين هما الإخلاص وما فيه من صدق ونية التقرّب، وقد قال الإمام الرضا عليه السلام "لا عمل إلا بالنية"(1)، والعنوان الثاني هو الإتقان، "إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه".  وقد اخترنا لهذا المنحى لقاءات مع مجموعة من أصحاب المهن التي تحمل في طياتها صفة خدماتية حقيقية، وهي بمثابة تعليم الصيد لمن أراد أكل السمك. متناولين محورين فقط وهما:
-حدود ومعايير خدمة الناس.
-الصفات الشخصية التي يجب توفرها في من يخدم الناس.

* صوت الذين لا صوت لهم
يسود الإعلام عالمنا المعاصر، وإن كانت النظريات الرسمية تعتبره سلطة رابعة، إلا أننا في الممارسة الميدانية نجد أنه سلطة أولى وبامتياز، تتأثر بها السلطات الثلاث الأخرى سلباً وإيجاباً. وكذلك المواطن، فهو مرآة تنعكس إعلاماً ويعكسها الأخير رأياً عاماً.  وكما للسلطات كذلك للإعلام، التواءات وشوائب، ينتفض منها من تمسّك بعنوان المهنة الأساس وهو "صوت الذين لا صوت لهم"، هذا ما عبر عنه الإعلامي الأستاذ عماد مرمل، والذي في مسيرته الإعلامية سجّل إضاءة طيبة في مجال خدمة الناس، وذلك في برنامجه "قضايا الناس" على شاشة المنار، معتبراً "أن الإعلام هو سلطة معنوية ويمكنه أن يلعب صلة الوصل بين من يحتاج إلى مساعدة ومن يملك الإمكانيات للمساعدة. كما أنه يلعب دوراً مباشراً في توعية الناس وتسليط الضوء على مشاكلهم وقضاياهم التي باتت مُجحفة في خضم الطارئ السياسي الذي تعيشه البلاد منذ فترة طويلة. ومن اللافت أن الناس أنفسهم قد يتظاهرون لأمر سياسي ولا يجتمعون حول قضايا مطلبية تخدم حاجاتهم". وفي حديثه، اعتبر أن الإعلام كونه سلطة لعب دوراً في تأمين خدمات، ليس فقط كصلة وصل، بل أيضاً كسلطة معنوية يمكنها أن تضغط على الجهات المسؤولة وأصحاب القرار من أجل تحسين القرار الاجتماعي والاقتصادي.  وفي خبرته، يرى أن "هناك انهياراً خدماتياً لدى الناس، مما جعلهم يجدون في الإعلام ملاذاً أخيراً يمكّنهم من رفع صوتهم إلى من صُمّت آذانهم عن حاجات الناس. ومن هنا لا بد من تحفيز دور الإعلام الذي يساعد بشكل كبير على رفع الضيم عن أهلنا الذين يرون فينا لسان حالهم. وأنا هنا أعترف أنني كإعلامي قد أنجح إلى حد بعيد طالما الخدمة تحت سيطرتي، ولكن حتى الإعلامي يصل أحياناً إلى أماكن تعجزه الخدمات لأنها أصبحت خارج سلطته، ويجدها تُركن عند حاكم أو وزير أو ....  أما من حيث الصفات الشخصية لمن يقدّم الخدمات، "فلا بد أن يتمتع أولاً بالصدق، ثم بالنية، فالإمكانات. عندما يكون الإعلامي صادقاً في اعتباره مهنته رسالة لخدمة الناس، ولديه النية الخالصة لتقديم هذه الخدمة عندها فقط ـ، يمكنه أن يكون في هذه الموقعية والتي تتحقق بعاملَيْ المهارة والإمكانيات".

* الخدمة لكل الناس
ومن الحدود والمعايير التي يعنونها الإعلام لحلقته الخدماتية ننتقل إلى مهنة الخدمات قلباً وقالباً، فالبلدية التي يجد فيها الكثيرون صورة للخدمات البيئية، والتي تعتبر من أهم عناوين الخدمات المنصوصة كحق دستوري للمواطن. يوم يختار المرء منزله يكون قد انتسب طوعاً إلى نطاق بلدية المنطقة ولكن... "معايير الخدمات التي ينبغي أن يقوم الإنسان المتصدي للخدمة العامة ترجع إلى قاعدة الحقوق والواجبات أولاً، أما المشكلة الأساسية التي نعاني منها في مجتمعنا أن كلاً من المتصدي للخدمة والمواطن لا يعرف حقوقه ولا واجباته ليطالب على أساسها". هذه كانت آهاً إنسانية أطلقها نائب رئيس بلدية حارة حريك الأستاذ أحمد حاطوم، ويتابع حاطوم مصنفاً هذه الحقوق والواجبات" والتي لها جانب شرعي وآخر قانوني، وفي معظم الأحيان يلتقي هذان الجانبان على هدف واحد وهو خدمة الإنسان كفرد وككل مجتمع. ولو عرف كل إنسان حقوقه وواجباته لسهلت عملية تقديم الخدمات ورفع الضيم عن المواطن الذي لا يزال يجهل أوجه استفادته من العمل البلدي، فبالإضافة إلى الأدوار التي يحفظها الجميع عن العمل البلدي والمختص بالنظافة العامة وسواها، هناك جانب توعوي تقوم به البلدية على صورة دليل إرشاد للمواطن بحلة هيئات ولجان..، وهي ملزمة بذلك، على سبيل المثال، لجان المباني، ولجان الأهل في المدارس الرسمية، تعتبر مرجعيتهم البلدية ولهم سلطة كذلك في تنظيم دائرتهم". وما يكرّس القصور في هذا العمل الخدماتي هو فعلاً المتصدي للخدمة، من هو؟ ما هي إمكانياته؟ هذه الأسئلة نادراً ما تُطرح في مؤسساتنا الخدماتية، فالمتصدي لم يعد يهدف إلى تقديم الخدمة بقدر تأدية الوظيفة الرسمية، ولذلك مباعث شتة لسنا في واردها الآن". إذاً السؤال الملح الآن هو ما هي هذه الصفات التي ترون فيها أسّاً في العمل الخدماتي؟ الطبيعي أن يكون أي متصدِّ للخدمات شخص كفوء، لديه معرفة بالبيئة التي يعمل بها، والأهم هو أن يكون لديه خشية من الله.. وهذه الصفات يجب أن تترافق دون منازع، حيث تدخلني إلى مرحلة الإخلاص والتفاني في الأداء، إذ تكون الخدمة لكل الناس بغض النظر عن خلفياتهم ويكون التعاطي شفافاً ونزيهاً في ظل التكليف الإلهي. وهنا أسجّل تقصيراً عند المؤسسات الرسمية والأهلية، لأنه حسبما نرى فإن خدمة الناس لا تأخذ حقها حتى في الأذهان والتعاطي فضلاً عن التقديمات العملية الواجبة والتي يجب أن تهدف إلى تنمية مستدامة وشاملة على كافة الصعد التنوموية والتوعوية."

* خير مما طلعت عليه الشمس
ومن الإعلام إلى التعليم، رسالات تختلف بعنوانها، لكنها تلتقي في هدفها الأساسي وهو صناعة الرأي الآخر، وهذا ما تدرّج به الأستاذ في التعليم المدرسي بلال فرحات معاون مدير ثانوية شاهد، الذي قسّم خدمة الناس إلى ثلاث مراحل من خلال مهنته التعليمية، وهي:
1-إكساب الناس معارف، كل فرد حسب حاجته ومجاله.
2-بعد إكسابهم المعارف، إكسابهم مهارة.
3-بعد إكسابهم المهارة، إكسابهم موقفاً، أو تغيير موقفهم الذي يتبنونه.

بمعنى آخر، "أنني يمكن أن أقدّم للتلميذ المعرفة، وأحوّلها إلى مهارة يمكن أن يستخدمها. ولكن، إن لم يكن لديه موقف إيجابي تجاه هذه المعارف والمهارة، لا يمكنه أن يوظفها بشكل جيد، أي تعليمه أن يكون لديه نظرة إيجابية للأمور، وهذه بنظري هي أكبر خدمة يمكن أن نقدمها للناس. "أما وأفضل خدمة فهي أن أعرف ما يُتوقع مني وبحسب موقعي من خدمات". وقد يكون هذا مدخلاً إلى صفات الشخصية التي تقوم بخدمة الناس، وتبعاً لتصنيفه "إن عالم التربية والتعليم لا يمكن إلا أن يكون خدمة للناس، وهناك قول بالفرنسية مؤداه، أنه "إذا أحببت عملك فلن تعمل أبداً، لأنك لن تعتبره عملاً مطلقاً"، وهكذا، فالصدق مع آخرتي، وحب العمل الذي أقوم به، وأن تعني لي مهنتي خدمة، وكلما ترقّيت ازدادت خدماتي، هذه المفاهيم تكفي لأن تكون صفات يزرعها الإنسان في داخله لينطبق عليه وصف خادم الناس. ولا ينكر أحد أن في الخدمة نتائج تورث السعادة، فعندما تجد أثراً طيباً تركته في تلميذ لك، يخلف ذلك لك شحذاً يدفعك كالضوء إلى الأمام في هذا المجال. وقد قال الرسول صلى الله عليه وآله "لئن يهدي الله عز وجل على يديك رجلاً خير لك مما طلعت عليه الشمس وغربت""(2).

* أضئ الزاوية التي أنت فيها
إن كانت الهداية لها هذا الأجر، ترى ما أجر الذي يداوي الأجسام، "ومن أحيا نفساً كأنما أحيا الناس جميعاً"؟! قد لا أملك التفسير الدقيق لهذا المفهوم، إلا أن حياة النفوس لها أبعاد جسدية وروحية متداخلة. ونحن إذ نتحدّث عن المداواة الجسدية، ننتقل إلى الطبيب الجراح، الدكتور علي يحيى، الذي سمعت عنه من الآخرين أكثر مما سمعته في كلامه، من عناوين الخدمة والإخلاص، ولكن ما لفتني بحديثه نظرته الخاصة في خدمة الناس البعيدة عن تعقيدات النظريات، فاعتباره الأول "أن خدمة الناس هي بحد ذاتها واجب على كل فرد، لأن المجتمع البشري المتوازن لا يقوم إلا على خدمة أعضائه لبعضهم البعض. والبعض قد يرى في خدمة الناس الجانب المادي فقط، ولكن هذا لا يكفي رغم كونه مهماً، ويجب مراعاة الأوضاع الاقتصادية للناس، ولكن أفضل طريقة لخدمة الناس هي أن يخدم الإنسان في مجال اختصاصه وعلمه، وأن يترك للآخرين المجالات الأخرى، وأما أضعف الإيمان فأن يخدم بماله، وإلا فبقلبه".  ولو نظرنا إلى سيرة الأنبياء والأولياء والصالحين نجد أن نهجهم الأساسي كان خدمة الناس، وكل واحد حسب تكليفه، ومقدرته. وإن كانت خدمة الناس نهج الأنبياء فأين تكمن صفات هذه الشخصية التي يمكن أن يقال فيها: فلان هو شخص خدوم لقومه؟  "الأمر ليس معقداً كثيراً ويكفي للشخص أن يصدق نيته ويتقن مهنته ويراكم تجربته حتى ينطبق عليه توصيف من يخدم الناس. فكطبيب، ما يمكنني أن أخدم الناس به هو أن أقدّم لهم علاجاً متقناً مبنياً على تجربة متراكمة ومواكبة للتطور العلمي، بعيداً عن الإهمال والأخطاء، بالإضافة إلى التعاطف مع حالة المريض ومشاعره وعدم التعاطي معه كحالة أو رقم ملف. ونحن نفتقد للأسف في مجتمعنا منظومة شاملة لتوزيع مهام الخدمة، وهذا ما نراه مأساة في أهلنا ومجتمعنا الضيق، ولكن السياسة التي نتبعها الآن تقول "أضئ الزاوية التي أنت فيها، عسى أن يأتي اليوم الذي يضيء كل فرد زاويته فيشعّ النور"".

* بين الخدمة والعبادة:
وأنوار الخدمة من أنوار العبادة، فعن الإمام الصادق عليه السلام "لقضاء حاجة امرئ مؤمن أفضل من حجة وحجة،حتى عدّ عشر حجج"(3). هذا ما ورد في مقاربة أفادنا بها فضيلة الشيخ حسن الهادي في عرضه لفضائل خدمة الناس من الناحية الشرعية، والتي جاء فيها الكثير من الأحاديث والآيات المشجعة.  "والخدمة ليست فقط في تقديم الخدمة، بل أيضاً في الإسراع والمبادرة إلى قضاء الحوائج، وذلك كما ورد في حديث الإمام الصادق عليه السلام: إن الرجل ليسألني الحاجة فأبادر بقضائها مخافة أن يستغني عنها فلا يجد لها موقعاً إذا جاءته"(4).  أما في الحديث عن معايير خدمة الناس، فعن الإمام الصادق عليه السلام حينما سئل عن أحب الأعمال إلى الله، قال: "إدخال السرور إلى المؤمن: إشباع جوعته، أو تنفيس كربته، أو قضاء دينه"(5). ويتابع الشيخ الهادي. "لقد وضع الإسلام منهجاً متكاملاً في العلاقات بين البشر على أساس مراعاة حقوق أفراد المجتمع وبث روح التعاون والخدمة المتبادلة بينهم، قال الله تعالى ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (النحل: 90). وقد دعا القرآن الكريم جميع المسلمين إلى التمحور حول العمل الصالح، ففي أكثر من مائة وعشرين موضعاً، يؤكد على الربط العضوي بين الإيمان والعمل الصالح، ويؤكد أن من سيرث الأرض هم الصالحون. والصلاح ليس شيئاً جامداً، إن هو إلا حركة وعمل في الاتجاه الإجتماعي الصحيح". وقد لا يكون الإيمان هو القرين الوحيد للعمل الصالح، وإنما الثواب أيضاً يعتبر لزاماً منطقياً للعمل الصالح. "﴿وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (البقرة: 110)، وهنا تصريح بأن كل عمل خير نعمله فمردوده قطعاً لنا، وفي هذا حثٌّ كبير على الجود في عمل الخير ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (الزلزلة: 7-8)".
ولعلّ الحديث عن الذرّة في تقديم الخدمات هو تشديد على القيمة العالية التي تمثّلها الخدمات من تكافل اجتماعي وسواه، دون الاهتمام بشكل الخدمة بقدر ما تؤديه من قضاء حاجة من يريدها "فعن الإمام الصادق عليه السلام، قال: أوحى الله عز وجل إلى داوود عليه السلام:  "إن العبد من عبادي ليأتيني بالحسنة فأبيحه جنتي، فقال داوود عليه السلام: يا رب، وما تلك الحسنة؟ قال عز وجل: يُدخل على عبدي المؤمن سروراً ولو بتمرة"(6). ونجد في ما ورد دعوة إلى التسابق إلى العمل الصالح والمسارعة إلى الخيرات، وذلك على أساس أنهما يؤديان دوراً حاسماً في دفع المجتمع الإسلامي إلى الأمام.


(1)تذكرة الفقهاء، العلامة الحلي، ج3، ص100.
(2)وسائل الشيعة، الحر العاملي، ج15، ص43.
(3)الأمالي، الشيخ الصدوق، ص582.
(4)عيون أخبار الرضا عليه السلام، الشيخ الصدوق، ج1، ص192.
(5)وسائل الشيعة، الحر العاملي، ج11، ص570.
(6)بحار الأنوار، العلامة المجلسي، ج71، ص283.

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليقاً جديداً

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع