أخلاقنا: هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ (*) تسابيح جراح: رحلة العودة إلى الحياة مجتمع: سنة أولى صيام الشيخ راغب.. المسجديّ الـثـائـر أفكار لاحتفال مهدويّ أجمل مقـابلـة: المقاومون أهل البصائر تسابيح جراح: بقدمٍ واحدة سأكمل الدرب رجب: شهر الله الأصبّ مناسبة: هي ربيعٌ يتجلّى في عيد مجتمع: معلّمون شهداء.. بالقلم والبندقيّة

خدمة الناس أفضل العبادات



الإمام الخامنئي دام ظله يعلن هذا العام عام التعبئة لخدمة الناس
الشيخ كاظم ياسين


لا تقتصر العبادة والتقرب إلى الله في الإسلام على الصلاة والصيام والحج والزيارة والذكر والدعاء ولا تنحصر بالمساجد والمعابد والمزارات. بل يعتبر القيام بالمسؤوليات الاجتماعية والإحسان وخدمة عباد الله، إذا كان مع قصد القربة، من أفضل العبادات حيث يمكن أن يكون وسيلة لبناء وإكمال النفس والتقرب من الله. إن التعبد والسير والسلوك في دين الإسلام لا يوجب على الإنسان المسلم والمؤمن أن ينزوي ويبتعد عن المجتمع وهمومه ومشاكله، بل يمكن أن يكون التعبد والسير والسلوك إلى الله من خلال قبول المسؤوليات الاجتماعية وفي وسط المجتمع.

* إمارة المجتمع في خدمة الناس
قال الله تعالى في كتابه المجيد: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ. وروي عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام (أحسن إلى من شئت تكن أميره). فإذا أردت أن تكون أميراً لكل الناس فأحسن إليهم جميعاً، وانظر في حاجاتهم واقضها لهم، فإن في مسألة سد الحاجات قانون غيبي، فمن أعطى الناس أعطاه الله، ومن منع عن الناس منع عنه الله في وقت آخر. فينبغي السعي جهد المستطاع لقضاء حوائج الناس، ولا يتوهمن أحد أن هذا العمل أو ذاك كبير لا يقدر على أدائه، لأن العبد إذا سار على طريق الحق أعانه الله.

وقد تنشأ هنا أوهام شيطانية، فيسوَّل للإنسان المؤمن أن السعي لقضاء حوائج الناس يؤدي أحياناً إلى الحط من كرامة الإنسان، فالدخول إلى الدوائر الرسمية لحل مشكلة ما لأحد من الناس، والمشاركة في نقل حصص تموينية للفقراء، بل وحملها، ونقل (مقطوع) على الطريق في سيارتي، وأنا ما أنا عليه من علو القدر والمكانة الاجتماعية والسياسية!!! كل ذلك وساوس شيطانية، مصدرها الكبر والغرور، وهما فرعان من فروع الحمق، فإن التعاون في الخير والإحسان والسعي في حوائج المؤمنين وإدخال السرور إلى قلوبهم، والدفاع عن المحرومين والمستضعفين، والاهتمام بأمور المسلمين، وقضاء حاجاتهم وحل مشاكلهم ومساعدة عباد الله وكل هذه الأمور تعتبر في الإسلام من العبادات الكبيرة وثوابها أكبر من عشرات الحجج المقبولة المبرورة. وقد وردت مئات الأحاديث في هذا الخصوص عن الرسول والأئمة الأطهار عليهم السلام.

* الإمام زين العابدين يطبخ بنفسه للناس
عن أبي عبد الله عليه السلام قال: "كان علي بن الحسين عليه السلام إذا كان اليوم الذي يصوم فيه، يأمر بشاة فتذبح وتقطع أعضاؤها وتطبخ، وإذا كان عند المساء أكب على القدور حتى يجد ريح المرق وهو صائم، ثم يقول: هاتوا القصاع اغرفوا لآل فلان، واغرفوا لآل فلان، حتى يأتي على آخر القدور، ثم يؤتى بخبز وتمر فيكون ذلك عشاءه". وها هو الإمام الخميني قدس سره، وبعد أن تشرّف بزيارة الإمام الرضا عليه السلام نراه يترك رفاقه في الحرم الرضوي يتعبدون إلى الصباح ويعود هو إلى المنزل لكي يهيء لهم الفطور فيسخن السماور ويعد الشاي ويشتري الخبز، وعندما عاد رفاقه من الحرم خجلوا جميعهم عندما شاهدوا الإفطار المعدّ لهم، وقالوا له لماذا تركتنا وعدت لوحدك؟ فلو أنك أمرتنا لجاء واحد منا وأعد الإفطار وبقيت أنت في الحرم... فقال الإمام الخميني قدس سره: "لم يثبت عندي أن البقاء في حرم الإمام عليه السلام بعد الزيارة أفضل من خدمة المؤمنين".

* خادم الناس يحبه الله ويسرّ الله

قال أبو عبد الله عليه السلام: "قال الله عزَّ وجلَّ: الخلق عيالي فأحبهم إليّ ألطفهم بهم وأسعاهم في حوائجهم". وقال رسول الله صلى الله عليه وآله: "الخلق عيال الله فأحب الخلق إلى الله من نفع عياله وأدخل على أهل بيت سروراً". وقال الصادق عليه السلام: "من سرّ مؤمناً فقد سرّني ومن سرّني فقد سرّ رسول الله ومن سرّ رسول الله فقد سرّ الله ومن سرّ الله أدخله جنته".

* خادم الناس من الآمنين يوم القيامة
قال الصادق عليه السلام: "إن لله عباداً من خلقه يفزع العباد إليهم في حوائجهم أولئك هم الآمنون يوم القيامة". قال علي بن الحسين عليه السلام: "أما الجنة فلن تفوتكم، سريعاً كان أو بطيئاً ولكن تنافسوا في الدرجات. واعلموا أن أرفعكم درجات وأحسنكم قصوراً ودوراً وأبنية أحسنكم فيها إيجاباً لإخوانه المؤمنين وأكثرهم مواساة لفقرائهم، إن الله عزَّ وجلَّ ليقرب الواحد منكم إلى الجنة بكلمة يكلم بها أخاه المؤمن الفقير بأكثر من مسيرة مائة ألف عام وإن كان من المعذبين بالنار، فلا تحتقروا الإحسان إلى إخوانكم فسوف ينفعكم الله حيث لا يقوم مقام ذلك شيء غيره".

فالإحسان وخدمة عباد الله والسعي في قضاء حوائجهم وحل مشاكلهم من العبادات الكبرى بحسب نظر الإسلام. وإذا أُديت بقصد القربة كانت وسيلة لتزكية وتهذيب النفس والسير والصعود والتقرب إلى الله سبحانه، ولكن مع الأسف يغفل أكثر المسلمين عن هذا القسم المهم والعظيم من العبادات الإسلامية نتيجة لعدم معرفتهم الصحيحة للإسلام ولا يعتبرون إمكانية حصول العبادة والسير والسلوك إلا في الصلاة والصيام والزيارة والدعاء والأذكار والأوراد.

* خدمة الناس توجب زيادة الحسنات
عن أبي جعفر عليه السلام قال: "تبسُّم الرجل في وجه أخيه حسنة وصرف القذى عنه حسنة وما عبد الله بشيء أحب إلى الله من إدخال السرور على المؤمن".

* خدمة الناس من الآداب الإسلامية
عن رسول الله صلى الله عليه وآله: "أيما مسلم خدم قوماً من المسلمين إلا أعطاه الله مثل عددهم خدّاماً في الجنة". روي أنه تعالى أوحى إلى داود: مالي أراك منتبذاً؟ قال: أعيتني الخليقة فيك، قال: فماذا تريد؟ قال: محبتك، قال: فإن محبّتي التجاوز عن عبادي، فإذا رأيت لي مريداً فكن له خادماً. عن أبي عبد الله عليه السلام: "المؤمنون خدم بعضهم لبعض: قلت وكيف يكونون خدماً بعضهم لبعض؟ قال: يفيد بعضهم بعضاً".

* خدمة الناس كفارة للذنوب
من كتاب حقوق المؤمنين لأبي علي بن طاهر قال: استأذن علي بن يقطين مولاي الكاظم عليه السلام في ترك عمل السلطان فلم يأذن له وقال: "لا تفعل فإن لنا بك أُنسا، ولإخوانك بك عزّا، وعسى أن يجبر الله بك كسرا، ويكسر بك نائرة المخالفين عن أوليائه، يا علي كفّارة أعمالكم الإحسان إلى إخوانكم، اضمن لي واحدة واضمن لك ثلاثاً، اضمن لي أن لا تلقى أحداً من أوليائنا إلا قضيت حاجته وأكرمته، واضمن لك أن لا يظلك سقف سجن أبداً ولا ينالك حدُّ سيف أبدا، ولا يدخل الفقر بيتك أبداً، يا علي من سرذَ مؤمناً فبالله بدأ وبالنبي صلى الله عليه وآله ثنى وبنا ثلث".

* خدمة الناس أفضل العبادات
قال أبو عبد الله عليه السلام: "لقضاء حاجة امرئ مؤمن أحبّ إلى الله من عشرين حجة كل حجة ينفق فيها صاحبها مائة ألف". قال الصادق عليه السلام: "مشي المسلم في حاجة المسلم خير من سبعين طواف بالبيت الحرام". الباقر عليه السلام في البحار: "لإن أعول أهل بيت من المسلمين وأُشبع جوعتهم وأكسو عريهم وأكف وجوههم عن الناس أحبّ إليّ من أن أحج حجة وجحجة وحجة حتى إنتهى إلى عشرة ومثلها ومثلها ومثلها حتى إنتهى إلى سبعين".

* بخدمة المؤمنين تقبل العبادات
عن محمد بن علي الصوفي قال: استأذن إبراهيم الجمال على أبي الحسن علي بن يقطين الوزير فحجبه، فحج علي بن يقطين في تلك السنة فاستأذن بالمدينة على مولانا موسى بن جعفر عليه السلام فحجبه، فرآه ثاني يومه فقال علي بن يقطين: يا سيدي ما ذنبي؟ فقال: حجبتك لأنك حجبت أخاك إبراهيم الجمال وقد أبى الله أن يشكر سعيك أو يغفر لك إبراهيم الجمال... فذهب إلى إبراهيم الجمال، فقرع الباب وقال: أنا علي بن يقطين... فقال إبراهيم الجمال من داخل الدار: وما يعمل علي بن يقطين: يا هذا إن أمري عظيم، وآلى عليه أن يأذن له، فلما دخل قال: يا إبراهيم إن المولى عليه السلام أبى أن يقبلني أو تغفر لي، فقال: يغفر الله لك فآلى علي بن يقطين على إبراهيم الجمال أن يطأ خده فامتنع إبراهيم من ذلك فآلى عليه ثانياً ففعل، فلم يزل إبراهيم يطأ خده وعلي بن يقطين يقول: اللهم اشهد. ثم انصرف وذهب إلى المولى موسى بن جعفر عليه السلام بالمدينة فأذن له ودخل عليه فقبله.

* كمال السعادة وتمامها في صناعة المعروف إلى الناس
فخدمة الناس في الحقيقة هي توفيق من الله، وليست بالأمر السهل تناوله، بل هي عنوان سعادة المرء، قال الإمام الصادق عليه السلام: "المعروف كاسمه وليس شيء أعظم من المعروف إلا ثوابه، وليس كل من يحب أن يصنع المعروف (إلى الناس) يصنعه، ولا كل من يرغب فيه يقدر عليه، ولا كل من يقدر عليه يؤذن له فيه، فإذا منّ الله على العبد جمعها له) (اجتمعت) الرغبة (في المعروف) والقدرة والإذن، فهنالك تمت السعادة للطالب والمطلوب إليه".

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليق جديد

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع