مع الإمام الخامنئي: الإنتاج عنوان العزّة من أسرار الغيبة والوعد الإلهي (5)(*) ثلاثون عاماً مباركة أخلاقنا: أيّها الـزوجان.. تنـازلا(*) مناسبة: زيارة الأربعين.. ولو من بُعد مناسبات العدد قصّة: كأبيه عليّ عليه السلام مجتمع: أرضــــــي (تجربة خاصّة) أوّل الكلام: ثلاثون عاماً من الحبّ والعطاء قراءة في كتاب: مشاهد من سيرة الشهيد الجامعي محمّد حسين جوني

خدمة الناس ولو بأشفار العيون

السيد علي مرتضى

 



كيف أخدم الناس في زمن قلّ فيه الصادقون والمخلصون؟ كيف أؤدّي هذا الواجب العظيم وقد فسد الزمان وأهله؟ هل أقوم بهذا التكليف وحدي، ولا أجد من يقوم به غيري، وفي نفس الوقت لا يقدّر الناس كلّ هذه الخدمات؟ ألا يقول عنّي بعض الناس إنّي (أبله)؟ إلى أيّ حدّ يجب أن أخدم الناس وأحافظ فيه على مكانتي وماء وجهي؟ هل نحن في زمنٍ يمكن فيه أن يخدم بعضنا بعضاً؟ لعلّها أسئلةٌ تدور في خلد الكثيرين. ولعلّ إبليس اللعين أكثر ما يعترضنا ببعض هذه الأسئلة لكي لا نقدّم جواباً، أو نقدّم جواباً سلبيّاً، وبالتالي يصدّنا عن هذا الواجب العباديّ المقدّس. وقد نقنع أنفسنا ببعض الأجوبة ونبررها، ولكن سرعان ما نرجع إلى قرارة أنفسنا لنجد النفس اللوّامة ما زالت تلومنا على التقصير، ﴿بَلِ الإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ * وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ (القيامة: 14 و15). ونبقى في هذه الدوّامة، بين وسوسات إبليس والنفس اللوّامة. فما هو الحلّ؟ وكيف الخلاص؟

* ما هي خدمة الناس؟
وفي الإجابة على هذه الأسئلة، لا بدّ من معرفة معنى هذا المفهوم، وأهمّيّته، وشروطه. إن الحديث عن خدمة الناس حديثٌ عن مفهوم وسيعٍ جدّاً، ولعلّ سبب اتساع هذا المفهوم كثرة مصاديقه في الخارج وتنوّعها، ولكن يمكن القول على العموم إنّ خدمة الناس هي أن يقوم الإنسان بما فيه مصلحةٌ ماديّةٌ أو معنويّةٌ دنيويّةٌ أو أخرويّةٌ لأخيه الإنسان، أقلّها إظهار البسمة في وجهه، وأقصاها يصل لدرجة أن يسفك الإنسان دمه في سبيل الإنسانيّة؛ كما فعل الإمام الحسين عليه السلام، حيث كان هادفاً من نهضته الأبيّة إصلاح الأمّة.

* خدمة الناس ليست ماديّةً فقط:
كلّ إنسانٍ يستطيع أن يسدي خدمةً للآخرين، في مجال عمله، وفي حدود قدرته.، ومن الخطأ أن يتصوّر بعضٌ أنّه لا يستطيع أن يقوم بهذا الواجب، ولا يمتثل هذا التكليف، لأنّه غير قادرٍ عليه. فهذا الشخص يظنّ أنّ خدمة الناس لا تكون إلا في الأمور الماديّة، غافلاً عن خدمة الآخرين. وخدمة بعضنا بعضاً يمكن أن تتحقّق في أمورٍ معنويّةٍ كثيرة، وفي مجالاتٍ عدّة. فإخراج الناس من الظلمات إلى النور، وهدايتهم، ونشر العدالة بينهم، خير وأجمل وأحسن مصداق لخدمتهم، والكلمة الطيّبة الحسنة، وإدخال السرور على قلب المؤمن، وخفض الجناح للمؤمنين، وردّ الجميل، والإحسان إلى المستضعفين، ونصرتهم، وكثيرٌ من المسائل الاجتماعيّة اليوميّة التي يمكن أن يقوم بها الإنسان دون تكلّف وتعب، قد تكون من مصاديق خدمة الناس؛﴿قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذىً وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ (البقرة: 263)، وقال أمير المؤمنين عليه السلام كما روي عنه: "إنّكم لن تسعوا الناس بأموالكم فسعوهم بطلاقة الوجه وحسن اللقاء، فإنّي سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: إِنَّكُمْ لَنْ تَسَعُوا النّاسَ بِأَمُوالِكُم فَسَعُوهُمْ بِأَخْلاقِكُمْ"(1).

* استعمال الحكمة:
في الحديث عن الرسول صلى الله عليه وآله إنّ "المؤمن كَيّسٌ فَطِنٌ حَذِرٌ"(2)، ومن هذه الصفات عليه أن ينطلق في القيام بخدمة الناس. فهذه قواعد أساسيّة ينبغي أن تراعى في شتى المجالات، فضلاً عن هذا الواجب الإلهيّ. فإذا استجمعت هذه الصفات في الإنسان المؤمن، يبادر إلى أداء الواجب، كيّساً لنيل الثواب بخدمة الناس، فطِناً من أن يقع بالغباء، وحذِراً من أن يُستغلّ على حساب دينه ونفسه وعياله، واضعاً أمامه القاعدة التي سنّها له أمير الكلام، أمير المؤمنين عليه السلام: "إذا استولى الصلاح على الزمان وأهله، ثمّ أساء رجلٌ الظنَّ برجلٍ لم تظهر منه خزيةٌ فقد ظلم. وإذا استولى الفساد على الزمان وأهله فأحسن رجلٌ الظنَّ برجلٍ فقد غرر"(3). فالإنسان المؤمن عليه أن يستطلع الزمان مِن حوله، والمجتمع الذي يعيش فيه، ويريد أن يؤدّي الخدمة فيه. وهنا تتعدّد المجتمعات، من مكانٍ لآخر، ومن زمانٍ لآخر، ومن جماعةٍ لأخرى، فإذا كان في مجتمعٍ ظاهره الصلاح والخير، فلا يحقّ للإنسان أن يسيء الظنّ بالآخرين، ولا يقدّم لهم العون والمعونة، إلا أن يصدر منهم ما يستوجب الشكّ والريب، فهنا يستعمل المؤمن فطنته وحذره. وإذا كان في مجتمعٍ ملؤه وظاهره الفساد، فالفطِنُ والحذِرُ لا يحسن الظنّ بهذا المجتمع الفاسد، بل عليه أن يسعى أوّلاً إن كان بمقدوره وتحقّقت الشروط لإصلاح وهداية هذا المجتمع، وخدمته بهذا النحو من الخدمة.

* البُعد الغيبيّ:
والإنسان المؤمن عندما يقوم بخدمة الآخرين، لا يكون طلبه للأجر الدنيويّ، وإن تحقّقت الآثار الدنيويّة على خدمة الناس، فهي تتحقّق تلقائيّاً، وليست هي هدفه الأساس، وإنّما هدفه هو الأجر الأخرويّ، والثواب من الله سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلا شُكُوراً (الإنسان: 9)، هكذا علّمنا أهل بيت العصمة والطهارة، حتى الكلمة الحسنة التي هي أقلّ الواجب على أداء الإحسان لا ينبغي توقّعها، ولا طلبها، ولعلّ من يتوقّع أن يسمع هذه الكلمة من الناس ولم يسمعها يصاب بالإحباط، واليأس، ويوسوس له إبليس اللعين أن يكفّ عن فعله للخير؛ لأنّه لم يسمع كلمة شكرٍ أو ثناء منهم، والصحيح أن يكون منذ البدء بالعمل غيرَ طالبٍ للأجر الدنيويّ أبداً، حتى على مستوى الكلمة. ومن ينظر في الآيات القرآنيّة المتعلّقة بخدمة الناس، والروايات الصادرة عن أهل البيت عليهم السلام، يجد أنّها تركّز على طلب الثواب من الله سبحانه، وأن يكون الذي نتعامل معه في عمليّة الخدمة هو الله، وأمّا الإنسان فليس إلا وسيلةً نستطيع من خلاله التقرّب إلى الله في هذا الواجب العباديّ؛ فعن بكر بن محمّد، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: "ما قضى مسلمٌ لمسلمٍ حاجةً إلا ناداه الله تبارك وتعالى: عليَّ ثوابك، ولا أرضى لك بدون الجنّة"(4).

* بين الثواب والعقاب:
بعد أن يحقّق الإنسان المؤمن الشروط، ويكون قادراً على خدمة الآخرين لا سيما المؤمنين منهم، ويطلب منه خدمةً ما، فهنا يصبح أمام تكليفٍ مقدّس، إما الجنّة التي وعد الله، وإمّا الردّ على الله وعلى الأئمّة عليهم السلام، وما أخطره من ردّ؛ فعن المفضل بن عمر، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: "إنّ الله عزّ وجلّ خلق خلقاً من خلقه انتجبهم لقضاء حوائج فقراء شيعتنا، ليثيبهم على ذلك الجنّة، فإن استطعت أن تكون منهم فكن، ثمّ قال: لنا والله ربّ نعبده لا نشرك به شيئاً"(5). وعن أبي هارون عن أبي عبد الله عليه السلام قال: "قال لنفرٍ عنده وأنا حاضر: ما لكم تستخفّون بنا؟ قال: فقام إليه رجلٌ من خراسان فقال: معاذ لوجهِ الله أن نستخفّ بك أو بشيءٍ من أمرك. فقال عليه السلام: بلى، إنّك أحدُ من استخفّ بي، فقال: معاذ لوجهِ الله أن أستخفّ بك، فقال عليه السلام له: ويحك! أوَلَم تسمع فلاناً ونحن بقرب الجُحفة وهو يقول لك: احملني قدر ميلٍ فقد واللهِ أعييتُ، واللهِ ما رفعتَ به رأساً، ولقد استخففت به. ومن استخفّ بمؤمنٍ فينا(6) استخفّ، وضيّع حرمة الله عزّ وجلّ"(7).

بعد هذا العرض الوجيز لباقة من رياض روايات أهل البيت عليهم السلام حول خدمة الناس، يستطيع الإنسان المؤمن المتحلّي بصفات الكياسة والفطانة والحذر، أن يفهم المجتمع والزمان الذي يعيش فيه، وإذا حقّق صلاح المجتمع، بادر إلى خدمة أهله "بأشفار عيوننا" على حدّ التعبير المشهور للشهيد السعيد السيّد عباس الموسويّ قدس سره، وفي نفس الوقت لا يريد منهم ﴿ جَزَاءً وَلا شُكُوراً (الإنسان: 9)، وإذا سمع بعض التعابير غير اللائقة بحقّه، وممّا يسوّل له إبليس اللعين فيها بأنّ هذا يريق ماء الوجه، فليتذكّر قول أمير الكلام عليه السلام في وصف المتّقين: "ينظر إليهم الناظر فيحسبهم مرضى، وما بالقوم من مرض، ويقول قد خولطوا، ولقد خالطهم أمر عظيم"(8)، وليتذكّر قوله تعالى: ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (الشعراء: 215).


(1)الصدوق (ت: 381هـ): عيون أخبار الرضا، تصحيح وتعليق: حسين الأعلميّ، مؤسّسة الأعلميّ للمطبوعات، بيروت لبنان، ط1404هـ، ج1، ص58.
(2) المجلسيّ (ت: 1111هـ): بحار الأنوار، تحقيق: إبراهيم الميانجي، محمّد الباقر البهبودي، منشورات مؤسّسة الوفاء، بيروت لبنان، ط. الثانية 1983م، ج 64، ص307.
(3) الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام: نهج البلاغة، شرح محمد عبده، دار الذخائر، قم إيران، ط. الأولى 1412هـ، ج4، ص27.
(4) الكليني: (ت: 329 هـ): الكافي، تصحيح وتعليق: علي أكبر الغفاريّ، دار الكتب الإسلاميّة، طهران إيران، ط. الثالثة 1363هـ ش، ج2، ص194.
(5) الكليني: (ت: 329 هـ): الكافي/ تصحيح وتعليق: علي أكبر الغفاري، دار الكتب الإسلاميّة، طهران إيران، ط. الثالثة 1363 هـ ش./ ج2، ص193.
(6) احتمال التصحيف في هذه الكلمة ممكنٌ، وتكون الكلمة (فبنا) بدل (فينا).
(7) م.ن، ج 8، الحديث 73، ص102.
(8) الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام: نهج البلاغة، شرح محمد عبده، دار الذخائر، قم إيران، ط. الأولى 1412هـ، ج2، ص162.

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليقاً جديداً

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع