مع الإمام الخامنئي: التكليف: مسؤوليّة وتشريف من القلب إلى كل القلوب: عــاشـــوراء والإحياء الحسـينيّ(*) تسابيح جراح: لو قُطِّعنا..لو حُرقِّنا..لن نتركك حكايا الشهداء: صورتان وبسمة جوائز مسابقة المهدي الموعود عجل الله تعالى فرجه الشريف نور روح الله: إيّاكم ولباس الذلّ شهيد الوعد الصادق علي محمود صالح (بلال عدشيت) عيد الله الأعظم: فهذا عليٌّ مولاه أول الكلام: طوبى لنا به أميراً شابٌّ اتّبع الوصيّة

الرادود صــوت الحسين عليه السلام


(لقاء مع الرادود مرتضى الكاظمي والشاعر نور آملي)
حوار: حسن سليم(*)


بمجرّد انتهاء مجلس العزاء الحسينيّ، ترى الرجال والشبّان يصطفّون بشكل حلقاتٍ دائريّةٍ أو صفوفٍ منظّمة، وهم ينتظرون بدء الرادود بإلقاء قصيدته، وما إن يعطي إشارة البدء باللطم، حتّى تبدأ الصدور، وبإيقاعٍ واحدٍ، تحكي قصّة الألم والحزن على مصابٍ ليس كمثله مصاب، فيضجّ المجلس بصداها، ثمّ يعلو ذلك الصدى ويظلّ يعلو حتّى يصل إلى أسماع أهل الأرض والسماوات. عن أهميّة اللطم ودوره، وعن كواليس تلك المنصّة، يحدّثنا الرادود الحسينيّ مرتضى الكاظمي والشاعر الحسينيّ نور آملي، من خلال تجربتهما في عالم خدمة سيّد الشهداء عليه السلام.

•أولاً: الصوت الحسينيّ
نرحّب بكم سيّد مرتضى باسمي وباسم مجلّة بقيّة الله، ونحن في أيّام سيّد الشهداء عليه السلام وأنتم من العاملين والخادمين في خطّ سيّد الشهداء عليه السلام. حبّذا لو تروون لنا كيف بدأتم طريق خدمة سيّد الشهداء عليه السلام.

أوّلاً، عظّم الله أجورنا وأجوركم بمصاب أبي عبد الله عليه السلام، وشكراً لمجلّتكم الموقّرة.

بدايتي كانت في العراق، وصاحب الفضل بعد الله سبحانه وتعالى وأهل البيت عليهم السلام هو جدّي أبو والدي الذي كان يتمنّى أن يكون في عائلته خادم للحسين عليه السلام يقرأ العزاء وينعى، لما في النعي من قدسيّة خاصّة. لقد نشأتُ، والحمد لله، في بيئة ولاء والتزام، بالتزامن مع بداية الثورة الإسلاميّة، وقد كانت مرحلةً صعبةً جدّاً، إذ كان يعتبر الانتماء إلى خطّ الولاية جريمة. ثمّ كانت الحرب العراقيّة الإيرانيّة، حيث كنت أسكن في الكاظميّة في بيت جدّي بسبب ظروف الحرب. وكانت تسير المواكب الحسينيّة وقتها، ولكن بشكلٍ بسيط. وهكذا، انطلقتُ في هذه المسيرة في الثامنة من عمري. والبداية كانت على نطاق ضيّق، إذ اقتصرت على البيت فقط وليس الحيّ؛ لأنّه كان يُمنع القراءة خارجاً. وبعد الانتفاضة في التسعينيّات، غادرتُ العراق، لتبدأ رحلتي بالخدمة بشكل أوسع.

من خلال تجربتكم، كيف وجدتم تأثير اللطم على الناس؟
اللطم بالنسبة إلى المواكب في العراق والبحرين له وقعٌ ولونٌ خاصّ، ففي العراق مثلاً، وتحديداً في النجف وكربلاء والكاظميّة والسماوة، للقصائد تأثير حتّى على جيل الستّينيات، إن كانت قصائد سياسيّة أو اجتماعيّة. فاللطم كان يبدأ بعد المجلس، حيث يصعد الرادود إلى المنصّة ليراه المواسون، ويقوم بإنشاد قصيدتــــه التي كانت تطرح مشاكل الناس بحسب كلّ منطقة. وفي هذه المرحلة في العراق، نستطيع أن نقسّم مجلس اللطم إلى قسمين: قسم ولائيّ ثوريّ، وقسم ولائيّ، ولكنّه يخلو من روح الثورة، وهو دون هويّة، وهذه مشكلة، كما أنّ الرادود الآن له درجة عالية من التأثير على الناس، حيث يستطيع أن يحرّك أو يُسقط مدينةً بكاملها، خاصّة إذا كان هذا الرادود واعياً ورساليّاً، ويعرف كيفيّة تحريك الجمهور. وأكبر دليل على أثر اللطم في العراق، هم أبناء الحشد الشعبيّ، فهم أبناء مجالس ومواكب حسينيّة.

تحدّثتم عن الرسالة العقائديّة في القصائد، ما هي أهميّتها؟
بعض الشباب بعمر 13-14 سنة يجلسون بانتظار الرادود بشوق وحماس. فذات يومٍ في بعلبك، كنت في سيّارة أجرة وصعد معي شابٌّ صغير، قال لي: عمّي، سبق لك وأن قرأت قصيدةً رائعة جدّاً. قلتُ له: ما اسمها؟ قال: "شبل عليّ". قلت: وأين سمعتها؟ قال: لقد قرأتَها في لبنان منذ سنوات، أذكرك. الفكرة هنا أنّه ما زال يحفظها، وهو تذكّرني أيضاً؛ فقد أثّر به اللحن والكلمات، لكنّ الأهمّ كان مضمونها الذي أحَبَّه، وموضوعها كان العبّاس. هذا الموضوع هو ما جذب الشابّ. وسابقاً، كان أكثر الرواديد مثقّفين، فالرادود النويني (عمره 100 عام تقريباً) كان مثقّفاً، وعندما تتحدّث معه تشعر بأنّه حوزويّ، وهو بالأصل رادود ولم يلتحق بالحوزة، ولكنّ حديثه كان عقائديّاً، وقصائده ذات مضامين. وهذا مهمّ جدّاً.

هذا العام، ماذا ستقدّمون للناس في مجمع سيّد الشهداء عليه السلام؟
إن شاء الله، سنقدّم قصائد عقائديّة، وولائيّة، وثوريّة. وبصراحة، أنا لا أميل إلى القصيدة الحزينة، بل إلى تلك الثوريّة التي تحدّد الموقف من القضايا، خاصّةً أنّنا في ساحة مليئة بالقضايا المتشابكة في المواقف، والحقّ يحتاج إلى تلقين وترديد، لكي لا تتحوّل اللطميّات كما يقولون: "اللطم للحسين في الحسينيّة، وخارجها لا يوجد حسين". وهذا خطر. نبض قصائدنا يدفع لتكون حسيناً في بيتك، ومجتمعك، وعلاقاتك، وحياتك كلّها. هذه رسالة.

ما النصيحة التي تقدّمونها للشباب للسير في اللطميّة نحو الهدف الحسينيّ؟
أولاً، ضرورة تثقيف النفس عقائديّاً، هذا على مستوى الرواديد الشباب. وعلى المتلقّين الشباب أن لا يستمعوا إلى أيّ رادود يدعو إلى التقاعس، والتخاذل، والابتعاد عن قضايا الجهاد والثورة، بل علينا أن تترجم قصائدنا وأشعارنا "هيهات منّا الذلّة"؛ وهذا كان شعار الإمام الحسين عليه السلام، وليكن أيضاً شعارنا دائماً وأبداً. فالرادود الذي تخلو لطميّاته من العقيدة يشكّل خطراً، أمّا اعتلاؤه المنبر فيشكّل خطراً أكبر، لذلك يجب معرفة من الذي يقرأ، وما هي هويّته.

•ثانياً: القصيدة والكتابة للحسين عليه السلام
بما أنّ المضمون يشكّل العنصر الحيويّ للطميّة، كان لا بدّ لمجلة "بقيّة الله" أن تطلّ على تجربة "قصيدة اللطميّة"، خاصّة في لبنان مع الشاعر الحسينيّ "نور آملي".

كيف تنظرون إلى القصيدة الحسينيّة ودورها؟
بدايةً، على القصيدة أن تنقل فكرةً ومنهجاً وقضيّةً للناس. وإنّني لا أرى قصيدةً خارج إطار الفكر الثوريّ. والإمام القائد دام ظله يدعو إلى أن يكون الشعر متحرِّراً من السيرة المباشرة ليسمح للشاعر أن يُدخل عنصر الإبداع والابتكار في الصور والمشاعر، لا الأحداث، وفي الوقت نفسه دون الغلوّ أو التوهين.

وعندما يتحدّث دام ظله مع الشعراء، يشدّد على أهميّة أن يؤثّروا بسلوك الناس، ورفع مستوى الوعي العامّ لديهم؛ لأنّ الشاعر إن لم يكن لديه عمق في الفكرة، فإنّه لا يؤدّي دوره المطلوب، ويتحوّل حينئذٍ إلى شاعر منصّة لا يهتمّ سوى بمظهره وهندامه والإطلالة الإعلاميّة والتقاط الصور، بينما شاعر المنبر الحسينيّ بخلاف ذلك تماماً، إذ إنّ كلّ كلمة يقولها تُكتب عند سيّد الشهداء عليه السلام، وتكون بإذن صاحب الزمان عجل الله تعالى فرجه الشريف، وتوفيق الله؛ لأنّها تترك أثرها في روح الناس. فأثناء إلقاء القصيدة، تغزل أرواحهم في القاعة، وتصبح الحالة الوجدانيّة واحدة، والدمعة كذلك.

ما هي أهميّة أن تترافق القصيدة مع اللطم؟ وما هي أركان نجاحها؟
يستطيع الرادود أن يحكي سيرة سيّد الشهداء عليه السلام في اللطميّة، ويكون بذلك قد أدّى ما يتوجّب عليه، ولكن هل ستترك الأثر نفسه فيما

لو ردّد قصيدة تتناول قضيّة ما بلحنٍ معيّن يترافق مع اللطم؟ والإمام الخمينيّ قدس سره يربط بين اللطم على الصدور والحقيقة، فيقول إنّ كلّ حقيقة تحتاج إلى صوتٍ عالٍ؛ بمعنى أنّ الفكرة التي ليس لها صوت عالٍ لا تُحفظ، والقضيّة التي تخلو من اللطم على الصدر لا تُحفظ، فالمقصود هو إبراز الصدى.

أما من ناحية مضمون القصيدة أو النص فهو قائم على ثلاثة أركان:
- الركن الأوّل: اعتماد السيرة الأصيلة والنظيفة، والتي لم يدخلها أيّ شوائب.
- الركن الثاني: البُعد العقائديّ والفكريّ.
- الركن الثالث: البُعد الثوريّ والقيميّ.
هذه الأركان الثلاثة لا بدّ من أن تحاط بلباس العشق.

وفي ملاحظة جانبيّة، ثمّة رأي أن تبقى القصيدة الحسينيّة للحسين عليه السلام ولا داعي إلى ذكر القضايا المعاصرة أو ترجمة مواقف القادة كالإمام الخمينيّ قدس سره والإمام الخامنئيّ دام ظله. لكن في الحقيقة، هذا الرأي لا يرى كربلاء، فتاريخيّاً كان ثمّة جدار بيننا وبين كربلاء الحقيقيّة.كنا نشمّ رائحتها ونرى خيالاتها فقط، وعندما أتى شخص الإمام الخمينيّ قدس سره، حطّم هذا الجدار وفتح نافذة على تطبيق كربلاء في واقعنا. هذه قوّة ترجمة القصائد إلى حقائق تلهج بها الصدور في شعيرة اللطم.

متى بدأتَ بكتابة القصيدة العزائيّة؟ وعلامَ اعتمدتَ في هذه الكتابة؟
بدأت بالكتابة منذ نحو ثمانية أعوام، ولكن كنت أكتب مجالس عزاء بطريقة غير معتادة، ليست سرداً للسيرة. فكربلاء تُقدَّم أحياناً جافّة، في حين أنّها مليئة بالورود والجمال، وإلّا لماذا قالت السيّدة زينب عليها السلام: "ما رأيتُ إلّا جميلاً"؟ حينما أستمع إلى كربلاء القصّة التي انتهت هناك، سأحبط وأستسلم، بينما حينما أستمع إلى القصّة التي بدأت من هناك، من كربلاء، سأخرج منها مهدويّاً. كما أنّ كتابة اللطميّة ليست شعراً بمعنى الشعر، بل هي كتابة من نوع آخر، إذ نستفتحها بقراءة الفاتحة أو زيارة صاحب الزمان عجل الله تعالى فرجه الشريف، لينطلق من بعدها القلم بعبارات وجمل سوف تبقى تنتقل من فردٍ لآخر، وتتردّد أصداؤها من فردٍ لآخر، وهذا كلّه بيد ملائكة الرحمة وصاحب الزمان عجل الله تعالى فرجه الشريف.

كيف تجدون تفاعل الناس مع قصائدكم؟
إنّ الجيل اللبنانيّ هو جيل مثقّف، ومن خلال التجربة، وجدنا أنّ القصيدة الفصيحة أصبح لها مكانتها وتأثيرها بين فئات الـ15 عاماً فصعوداً لأنّها مفهومة؛ والدليل على ذلك أنّ بعضهم ينشرون عبر مواقع التواصل الاجتماعيّ جملاً من تلك اللطميّات لشدّة تأثّرهم بها. مضافاً إلى ذلك، يقوم بعض الشبّان، في نهاية المجلس، بسؤالي عن بعض الجمل أو المقاطع غير المفهومة بالنسبة إليهم، وهو ما يجعلني آخذ بملاحظاتهم، فأقوم بتعديل وإعادة كتابتها بشكل أوضح وأيسر.

في الخلاصة، إنّ خدمة سيّد الشهداء، وكتابة القصيدة الحسينيّة، إنْ لم تكن منذورةً لصاحب الزمان عجل الله تعالى فرجه الشريف؛ فإنّها لا تترك في القلوب أثراً طويلاً، بل في الآذان والأمزجة والأذواق فقط، كما أنّ خدمة سيّد الشهداء عليه السلام هي عمل متكامل وتوفيق وليست استحقاقاً، فلا أحد يستحقّ أن يكتب شعراً عن سيّد الشهداء عليه السلام.


(*) إعلامي في قناة الصراط.

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليق جديد

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع