مع الإمام الخامنئي: التكليف: مسؤوليّة وتشريف من القلب إلى كل القلوب: عــاشـــوراء والإحياء الحسـينيّ(*) تسابيح جراح: لو قُطِّعنا..لو حُرقِّنا..لن نتركك حكايا الشهداء: صورتان وبسمة جوائز مسابقة المهدي الموعود عجل الله تعالى فرجه الشريف نور روح الله: إيّاكم ولباس الذلّ شهيد الوعد الصادق علي محمود صالح (بلال عدشيت) عيد الله الأعظم: فهذا عليٌّ مولاه أول الكلام: طوبى لنا به أميراً شابٌّ اتّبع الوصيّة

أَكُفٌّ على العهد: لقاء مع سماحة السيّد علي فحص


حوار: الشيخ قاسم بيلون


بعد سكب الدمعة، ينتفض القلب وتأتي تلك الصفعة، التي ترتفع إلى السماء كأنّها مآذن تستمّد سرّاً، أو إذناً لعبادتها؛ لتهوي على الصدر فتشعل القلب نبضاً حسينيّاً، يتسارع على وقع "يا حسين".

ما هو سرّ تلك الأكفّ التي ترتفع؟ ولمَ نبض القلب معها يشتدّ؟ وكيف يطلق عهداً بـ"لن نتركك يا حسين"؟

عن شعيرة اللطم الحيّة دائماً، عن سرّها، دورها، أثرها، حرارتها في الشعوب، حدّثنا السيّد علي فحص...


1 - ما هي أهميّة شعيرة "اللطم" في ثقافة إحياء ثورة الإمام الحسين عليه السلام؟ وما هي أهدافها؟ وما الغاية من هذه الشعيرة؟
إنّ للعزاء بشكلٍ عامّ ولموضوع اللطم بشكل خاصّ تأثيراً كبيراً في الأجيال التي أتت بعد ثورة الإمام الحسين عليه السلام، حيث ازدادت تعلّقاً وتمسّكاً بهذه الثورة وبالإسلام وتعاليمه.
وإنّ لمراسم العزاء واللطم أهدافاً متعدّدةً، منها:
أ- إيجاد علاقة تفاعليّة بين المسلمين ومحبّي الإمام الحسين عليه السلام وأهل البيت عليهم السلام، وإذكاء الروح الثوريّة وروح مواجهة الظلم والطغيان.
ب- تعميق الرابطة والعلاقة العاطفيّة والروحيّة مع أهل البيت عليهم السلام.

وهذا يتوقّف على المضامين التي تحتويها قصائد اللطم؛ من المعتقدات والقيم الدينيّة والشرعيّة والثوريّة والاجتماعيّة، وبهذا لا تكون القصيدة مجرّد كلام موزون.

فالمطلوب أن تكون القصيدة محرِّكة للعاطفة والمشاعر ورابطة مع أهل البيت عليهم السلام، وأن تذكّي روح العاطفة وتقوّيها؛ وكلّما تضمّنت القصيدة هذه المحاور والعناوين، كانت الرابطة أوثق. وهذا ما كنّا نراه أيّام الثورة الإسلاميّة المباركة في إيران؛ فمجالس العزاء لم تكن تقتصر على البُعد التاريخيّ لثورة سيّد الشهداء عليه السلام، وعلى الظلم والجَور اللذين وقعا على أهل البيت عليهم السلام والإمام عليه السلام فحسب، ولم تكن توصِّف فقط الواقع الذي حصل سنة 61 للهجرة، بل تشمل ذلك كلّه، مضافاً إلى الحديث عن الواقع المَعيش في ذلك الوقت، لتوجّه الناس باتّجاه مواجـــــهة حالة الظلم والطغيان.

2- عند اللطـــم، تسيل الدمعـــة، لكن ماذا بعد ذلــك؟ ماذا عن تأثيرها الروحيّ والمعنويّ الممتدّ؟
إنّ أحد أهداف اللطم الحسينــــيّ، وحتّى يومنا هذا، هو أن تحقّق هذا التفاعـــــل والتأثير. وفي الحقيقة، إنّ أيّ لطم يفتقد إلى التفاعل والتأثير، فإنّه يخسر الكثير من أبعاده ولا يحقّق الغرض منه؛ فمن أهدافه البنيويّة الرابطة مع النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وأهل بيته عليهم السلام، ولا نقصد بهذه الرابطة مجرّد الرابطة العاطفيّة، حين يتأثّر الفرد في لحظة المشاركة في اللطميّة، ثمّ بعدها تنتهي اللحظة، وتنتهي القضيّة، بل ما نقصده بالتفاعل هو ذاك الذي يترك أثراً عميقاً في فكر الإنسان وفي وجدانه، بما تتضمّنه اللطميّة من المشاعر والمودّة والولاية والاتّباع لأهل البيت عليهم السلام. مضافاً إلى التفاعل العاطفيّ؛ فالفرد الذي يشارك في مجلس اللطم، سواء بحركة اللطم أو بالترديد لمضمون القصيدة، سوف تنغرس هذه القيم في نفسه وروحه مرّةً بعد مرّة. لذلك نرى أنّ من يشارك في هذه المجالس فعلاً يتفاعل معها وتبقى في ذاكرته، ويشعر بالتأثّر والحزن حتّى بعد انقضاء زمن اللطميّة. ثمّ إنّ كثيراً من الشهداء (رضوان الله عليهم) كانوا يتجمّعون قبيل الانطلاق إلى عمليّات المقاومة لقراءة زيارة الإمام الحسين عليه السلام، ثمّ يستمعون إلى مجلس عزاء حسينيّ، ثمّ تأتي شعيرة اللطم أخيراً، وفيها يتأهّبون لمهامهم الجهاديّة بقلوب حسينيّة.

3- بالحديث عن اللطميّات والمجاهدين، ما هو تأثير اللطميّة الحسينيّة على مجاهدي المقاومة؟
في فترة الثمانينيّات بالتحديد، كانت اللطميّة الحسينيّة تتضمّن موضوع المقاومة ومواجهة الاحتلال والظلم، ما كان يمدّ المجاهدين بشحنةٍ معنويّةٍ، وعاطفيّة، وثوريّة. ونحن نفتخر بأنّ بعض شهدائنا تركوا لنا تسجيلات للطميّات بأصواتهم الطيّبة.

ومن هنا، نحن ندعو أن تبقى اللطميّة محطّة الاستعداد قبيل الانطلاق في أيّ عمل جهاديّ؛ لتزوّد المجاهدين بالشحنة والحماسة المطلوبة، من خلال تذكيرهم بالارتباط بمشروع الإمام الحسين عليه السلام، وأيضاً بمشروع حفيده الإمام المهديّ عجل الله تعالى فرجه الشريف؛ ذلك المشروع الكبير؛ إذ إنّ المطلوب من القصائد أن لا تقتصر على ذكر سيّد الشهداء عليه السلام فقط، وإن كان له الحصّة الأكبر باعتباره رمز الثورة والشهادة والتضحية والمصاب الجلل، ولكن ينبغي الإشارة فيها إلى المستقبل، وإلى ثمرات الدم الحسينيّ والتضحية الحسينيّة، من خلال تحقّق مشروعه على يدي حفيده الإمام المهديّ عجل الله تعالى فرجه الشريف، وهذا أمر في غاية الأهميّة.

4- هل نجد تأسيساً لثقافة اللّطم عند أئمّة أهل البيت عليهم السلام؟
إنّ ثقافة اللطم هي ثقافة قديمة ممتدّة في عمق التاريخ منذ زمن أهل البيت عليهم السلام. فبعض الروايات تنقل عن الإمام زين العابدين عليه السلام أنّ السيّدة زينب عليها السلام، عندما سمعت الإمام الحسين عليه السلام ينعى نفسه في ليلة العاشر، لطمت وجهها، وعبّرت عن أليم حزنها، وسيّد الشهداء عليه السلام كان لا يزال موجوداً، وكذلك فعلت بعد شهادته، في عصر اليوم العاشر من محرّم. وهناك أيضاً القصّة المعروفة للإمام الرضا عليه السلام مع شاعر أهل البيت عليهم السلام دعبل الخزاعي، عندما طلب منه أن يلقي قصيدة بمصاب الإمام الحسين عليه السلام، وكان في مجلس يحضره النساء والرجال، وقد ضرب ساتراً بينهم، وعندما وصل إلى هذا البيت وما بعده:
"أفاطم لو خلت الحسين مجدلاً
وقد مات عطشاناً بشطّ فرات

إذاً للطمتِ الخدَّ فاطم عنده
وأجريتِ دمع العين في الوجنات"(1)


بدأ الجميع باللطم والندب على سيّد الشهداء عليه السلام بشكلٍ مؤثّر جدّاً، إلى الحدّ الذي طلب فيه الإمام الرضا عليه السلام من دعبل أن يتوقّف عن إلقاء القصيدة؛ لأنّ المجلس ضجّ بنحوٍ ما عاد بالإمكان السيطرة عليه. ومعنى ذلك أنّ هذا الأمر مرغوب فيه، وأصبح جزءاً من الشعائر الحسينيّة، ولذلك يجب أن يبقى قائماً.

والإمام الخامنئيّ دام ظله يعبّر عن مجالس اللطم والعزاء بأنّها هي التي تغذّي الروح عند الإنسان ليبقى مرتبطاً بأحكام الدين وتعاليمه، وأيضاً ليبقى مرتبطاً بأهل البيت وسيّد الشهداء عليهم السلام، ويعتبر أيضاً أنّ اللطم على الإمام الحسين عليه السلام وعزائه هو رافد من الروافد المهمّة لتفعيل وتأجيج الروح الثوريّة لمواجهة الظلم والطغيان.

5- تحدّثتم عن اللطم الذي لا يحقّق غايته، فهل ثمّة ضوابط محدّدة ينبغي الالتزام بها كي لا يُفرَّغ اللطم من دوره وهدفه؟
بالتأكيد، ليبقى اللطم الحسينيّ من صميم الشعائر الحسينيّة، ويحقّق أهدافه، ولا تُفرَّغ هذه الشعيرة المهمّة من مضمونها الكبير على صعيد المواساة، والمودّة، والمحبّة، والولاية، ومقارعة الظلم، لا بدّ من الالتزام بمجموعة ضوابط، منها:

أولاً: على مستوى المضمون:
أ- يجب أن تكون القصيدة سليمةً ولا تنحرف عن هدفها؛ ففي بعض الحالات، تبدو بعض القصائد وكأنّها مخدّر بالنسبة إلى الإنسان، حيث تريد منه أن يستغرق في التاريخ -ولا أقول إنّه لا يجب أن نذكر التاريخ- ولكن لا أن نستغرق فيه إلى الحدّ الذي ننقطع فيه عن الواقع وظلمه. فالإمام الحسين عليه السلام قام ضدّ الظلم والطغيان، وضدّ هدم أركان الدين، في حين أنّ بعض القصائد قد تجعل الإنسان يتعايش مع الظلم والطغيان، وتقتصر على ندب الماضي فقط.

ب- أن لا يتضمّن غلوّاً بالمعنى العقائديّ الذي لا يجوز أن يكون دخيلاً في اللطم الحسينيّ، أو في العزاء، أو في أيّ أمرٍ آخر.

ج- يجب أن يحمل اللطم المعاني القيميّة والشرعيّة والدينيّة التي تتضمّنها القصائد، وأن يعيش قضايا الأمّة الحاضرة.

ثانياً: على مستوى الشكل:
أ- يجب أن يخلو اللطم من التمايل أو بعض الحركات المسيئة التي تُخرجه عن معناه الحقيقيّ، بل على الإنسان أن يعيش حالةً روحيّة وحالةً من التفاعل الثوريّ الداخليّ والحزن، وأن لا يصل إلى حدّ تمزيق الثياب من جهة الصدر، وغيرها من التصرّفات التي قد تكون مؤذيةً للإنسان، وتخرجه عن القيم التي ينشدها اللطم.

ب- عدم إضافة الموسيقى إلى اللطم، فهو ليس أمراً محبّذاً، بل يجب أن يبقى اللطم لطماً حسينيّاً.

ج- يجب الحفاظ على شكل اللاطم، ومجلس اللطم، والمكان الذي تُقام فيه اللطميّة بما هو متعارف عليه، وأن لا نُدخل إليه بعض الأشكال التي يرفضها أئمّتنا عليهم السلام وعلماؤنا، بل المطلوب أن نحافظ على شعيرة اللطم كما هي لتبقى وتستمر.

د- كلّما كانت مجالس اللطم هادئة وراقية، كلّما استطعنا أن نستقطب مِن خلالها الفئات الأخرى من الناس إلى تعاليمنا، وقِيَمنا، وديننا، ومدرسة سيّد الشهداء عليه السلام، مدرسة الولاية والعنفوان والمواجهة.

6- ما هي توصياتكم في سبيل الحفاظ على ثقافة لطم أصيلة تخدم الأهداف كلّها التي ذكرت؟
أ- على السادة الشعراء، إخوة وأخوات، أن يكتبوا القصائد التي تعالج هذه الحيثيّات والزوايا كلّها التي ذكرناها سابقاً في اللطم، وأن يعطوه بُعداً فكريّاً، وعقائديّاً، وعاطفيّاً.

ب- على اللطم أن يتفاعل مع الواقع، ويتضمّن الحديث عن خط المقاومة والولاية ومواجهة الظلم، وهذا أمر مهمّ جدّاً، يُحيي الواقع بأصالة الماضي ويبني المستقبل.

ج- يجب أن تكون القصيدة متينة من حيث شكلها وسبكها ومعانيها، وأن تكون واضحة، لا معقّدة؛ ليفهمها الجمهور عامّةً.

د- يجب أن يكون اللطم مراعياً للبيئة التي نعيش فيها؛ فليس بالضرورة أن نقلّد أو نستورد اللطم من أيّ بيئة أخرى، بشكل يتنافى مع قيمنا، ويحول دون التفاعل معه.

هـ- أن تبتعد بعض هيئات اللطم عن التركيز على الاستعراض الإعلاميّ والشكليّ على حساب معاني اللطم وأهدافه، فضلاً عن الأجواء التي تُفقد القصيدة ومجلس اللطم الروحيّة المنشودة.

و- أن تنتشر هيئات اللطم الحسينيّ والعزاء في قرانا ومناطقنا كلّها، وأن تكون هذه الهيئات شبابيّة تطوّعيّة، تفتح المجال أمام الناس للمشاركة فيها، بعيداً عن أشكال التعقيدات التي نعيشها.

فإذا توافقنا على ذلك، وأخذنا هذه الأمور بعين الاعتبار، أعتقد بأنّ مجالس اللطم سوف تؤدّي غرضها، وسوف تظلّ تساهم، كما عبّر إمامنا الخمينيّ الراحل قدس سره، في إحياء الإسلام، وإبقاء جذوته، وجذوة هذه الثورة المباركة، منذ ذلك اليوم، وإن شاء الله تعالى إلى قيام الحجّة عجل الله تعالى فرجه الشريف.


1.بحار الأنوار، المجلسي، ج45، ص257.

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليق جديد

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع