شابٌّ اتّبع الوصيّة نور روح الله: طهِّر من الأرجاس قلبي(*) مناسبة: 33 يوماً خلف العدسة(2) باحثون إيرانيّون يصنعون ضمّادات تشبه بشرة الإنسان الحل السحري لنسيان المفاتيح "غوغل" وأطفال "التوحّد" نور روح الله: الوضوء طهارة القلب(*) فقه الولي: من أحكام صلاة الجماعة(1) إضاءات فكريّة: القيم الإنسانيّة في الإسلام(*) مناسبة: البقيع: قبابٌ من نور

لقاء الحبيب: قصة زيارة القائد دام ظله لعائلة الشهيد رضائي

ترجمة الشيخ علي قازان


منذ لحظة دخولنا، بدأت الفتاة بالقفز داخل الغرفة. اسمها "آرميتا"؛ آرميتا رضائي نجاد؛ ابنة الشهيد داريوش رضائي نجاد(1). عمرها خمس سنوات. لعل سبب سرورها هو حضور كل هؤلاء الضيوف في منزلها اليوم. فقد انتقلت آرميتا وأمّها إلى هذا المكان مراعاةً للحالة النفسية لهما، بعد أن جرى اغتيال الشهيد أمام أعينهما. كان بيتاً جديداً، وليس على الجدران سوى صورة كبيرة للوالد. أما صورة آرميتا على كتفَي أبيها فكانت على الطاولة.

حاولتُ أن أبدأ الكلام مع آرميتا، إلّا أنّها خلافاً لظاهرها المرح، لم تكن على ما يبدو تحب الكلام كثيراً. قال عمّها إنّها: "لا تنسجم بسهولة مع الناس". عندها استخدمت طرقي الخاصة، فاقترحت عليها أن تستأذن أمّها لترسم لي رسمة، وصادف لحسن الحظّ أنّها تحب الرسم كثيراً.
جرى التوافق على أن ترسم شكلها، فبدأت أولاً بالرأس، ثم الجسم، وبعدها اليدين والرجلين. سألتها: "أين وجهها إذاً؟" فطلبت مني أن أتحلّى بالصبر. وبعدما رسَمَت الرجلين وكانتا أشبه بذنب السمكة، غيّرت رأيها وقالت: "هذه حوريّة بحر". ثم رسمت تاجاً للحوريّة أو آرميتا سابقاً. لوّنت ملابس الحوريّة بالبنفسجي ثم لوّنت تاج الحوريّة بالأصفر، وقالت: "طبعاً اللون الأصفر هو الذهبيّ". لقد كان رسم آرميتا فرصة جيدة للمصوّرين ليلتقطوا لها عدة صور جيدة قبل وصول القائد.

* قبل وصول الضيف
ذهبت إلى الجهة الأخرى من الغرفة حيث كانت والدة آرميتا تتحدث حول ماضي زوجها: "كان من مواليد عام (1977م). التحق بجامعة مالك الأشتر رضوان الله عليه، فرع هندسة الكهرباء، لكي لا يعرّض أهله لضغوط ماليّة. لقد كان الطالب الأوّل دائماً، حتى في الجامعة. كان من المقرّر أن يبدأ دراسة الدكتوراه في شهر "أيلول". ثم بدأت زوجة الشهيد باستذكار الخواطر، كيف أنّها ترى الشّهيد كل فترةٍ في المنام في حالةٍ من الهدوء.
بعد أن رأينا ازدياد حركة المسؤولين في المنزل، عرفنا أنّ ضيف بيت الشهيد سيصل بعد دقائق.
وبدأت الزوجة بالتفكير بما عليها أن تفعله. ثم قالت لابنتها: "آرميتا! السيد الخامنئي يريد أن يأتي إلى منزلنا. عندما يصل رحّبي به".
ثم طلبت من ابنتها أن ترسم شيئاً للقائد، وأن يكون موضوع رسمتها "يوم الحادثة".
فسألتُها: "ماذا حصل في ذلك اليوم؟" فأجابت آرميتا: "قتلوا أبي بالبندقية. كنت فوق رأسه، وكانت أمي تصرخ"، سألتها: "من قتل أباك؟" فقالت: "الإسرائيليون. إسرائيل جزيرة للأشرار. يقتلون الأخيار"، فقلت لها: "ماذا تريدين أن تفعلي بهم؟" فقالت: "أوّلاً نقبض عليهم، ثم نلقي بهم في جهنّم". وقد شدّت على كلمة جهنّم مما أضحكني. وأخيراً انتهى الانتظار، وحضر الإمام القائد.

* دليل سموّهم شهادتهم
كانت بداية الحديث تعزية وكلاماً حول الشهيد. ثم تحدثت زوجته حول مراتبه العلمية، فأيّد القائد كلامهما ثم قال: "لقد كان لهؤلاء بروز على الصعيد العلمي، وكذلك المعنوي، والدليل على ذلك الشهادة. هذا كلام جرى تكراره إلى حدّ غاب معه عمقه، ولكن الله لا يجعل الشهادة من نصيب أيٍّ كان".
خلال هذه الأحاديث عرضت آرميتا رسمتها على الضيف، ولكن من دون كلام. وكأنّ الجليد لم ينكسر بعد لتبدأ بالكلام. ثم أرادت أن تكمل الرسم، هناك، على الأرض، لكن القائد أخلى الطاولة التي بقربه لـ"السيدة آرميتا" لكي ترسم عليها، وكان لا يحرّك عينيه بعيداً عن رسم الفتاة أثناء استماعه لكلام المستضيفة، وكان يمسح بيده على رأسها، بعد عدة دقائق، تركت آرميتا الرسم وركضت إلى الغرفة المجاورة وأحضرت رسم "حورية البحر"، ووضعتها في يد القائد.
سألها القائد: "هل هي في الماء؟ هل هي تسبح؟" فأجابت آرميتا التي انطلق لسانها: "أعتقد أنّها تستطيع المشي على الأرض أيضاً على يديها". ضحك الجميع من سرعة البديهة هذه، خاصة القائد الذي قال: "من الواضح أنّها ذكيّة جداً. إنّها أقوى من الأرضيين كذلك". فقال عمّها متعجّباً: "لا تنسجم آرميتا بهذه السرعة مع أحد". فقال القائد: "القلب يهدي إلى القلب".

* المهندس مؤثر في مصير البلد
ثم تحدثت زوجة الشهيد عن الأخ الآخر للشهيد الذي درس الحقوق، والذي بعد استشهاد أخيه كان يقول ليتني كنت درست الكهرباء أنا أيضاً. فقال القائد معقّباً: "من كان واقعاً يظنّ أن مهندس كهرباء أو فيزياء يمكن أن يصبح مؤثراً إلى هذا الحد في مصير البلد؟ يجب أن يكون كل واحد قوياً في مجاله. علينا فقط أن نزيل المانع من أمامه حتى نمهّده للتطوّر. وكلّ من يجعل نيّته إلهيّة سيكون ربحه مضاعفاً". ثم روى لنا كيف أن رئيس إحدى الجامعات المهمة في تونس جاء إليه وكان يتحدّث عن نموّ إيران المحيّر على الصعيد العلميّ. وبعد أن ذكر القائد هذه الأمور تطرّق إلى ذكر نقطة مفادها أنّ الشاب في الجمهوريّة الإسلاميّة وصل إلى ذلك الحدّ من التأثير الذي جعلهم يخصّصون الموارد لاغتياله؛ لأنّ هذا الشاب سيصبح قدوةً لسائر البلدان.

* حديث عن الإمام الصادق عليه السلام
في ذلك الحين وضعت آرميتا رسمتها التي أنهتها بين يدي القائد قائلة: "هذه أنا". كان لآرميتا في هذا الرسم زوجان من الأجنحة، قالت لي فيما بعد إنّهما من أجل أن تسافر بهما "إلى ذلك العالم". عندها كان القائد قد قطع كلامه وعاد إلى ملاطفة الطفلة؛ ثم ذكر شيئاً يرتبط بموضوع مهم جداً للفتيات الصغيرات "ما أطول شعرك!" الأم التي ظنّت أن طول الشعر ليس بالأمر الجيّد بدأت بالشرح: "كان والدها يحب شعرها كثيراً، لهذا لا تقبل آرميتا أن نقصّره". من الملفت أنّه عندما رسمت آرميتا نفسها بشعر طويل فضّلت أن تحوّل رسمتها إلى صورة حوريّة.

* تطوّر لا يصدّق
سأل القائد والدة الشهيد كذلك عن أحوالها، فتحدثت عن أولادها. وبما أن الأولاد الثمانية من المتعلّمين عاد الكلام إلى الشهيد، وأنّه كان يجيب معارفه ممّن يعتبرون أن التطوّر الحاصل في البلد بسيط: "لقد وصلنا إلى أمور متطوّرة ليس من الضروري في الوقت الحالي أن يعرف أحد بها". وكأن هذا الكلام شوّق القائد ليذكر إحدى خواطره: "بعض الناس طبعاً ليس لديهم خلفيّات، ولكنّهم لا يصدّقون سرعة ما يجري من تطور في البلاد".
أكّد القائد أن "التطوّر يقع على عاتق الشباب. الشباب هم المحرّك. كما أن تجارب الكبارِ في السن مفيدة". ثم قال: "إنّ الحواجز الذهنية الداخلية والحواجز الخارجيّة، والخيانات طبعاً كذلك، لم تكن تسمح لنا في فترة من الفترات أن نتطوّر". فأردفت زوجة الشهيد: "إن شهادة الدكتور علي محمد كانت بداية تحمّل العلماء مسؤولياتهم وتعهّدهم بذلك".
أضافت زوجة الشهيد: "إن داريوش تلقّى الكثير من العروض من الجامعات الأجنبية، ولكنّه لم يكن يردّ عليها. لقد اختار داريوش طريقه بوعي".

* وفاء لحق المحبة
عادت الفتاة ومعها كيس من الفستق، وبدأت تأكله أمام القائد. أضاف القائد قائلاً: "في فترة من الفترات كان الشخص إذا لم يرد أن يستشهد، يذهب إلى الجامعة، ولكن الأمور الآن تسير عكس ذلك. بعد شهادة الشهيد أحمدي روشن، قدّم المئات من طلّاب الجامعة طلبات نقل الاختصاص إلى الفيزياء النووية. هذا هو الخيار الواعي". عندما قال القائد هذه الكلمات، حرّك يده اليسرى كما هي عادته، وكانت هذه فرصة لآرميتا التي تقدّمت ووضعت بضع حبّات فستق في يد الضيف، فانبهر الجميع بمحبة الطفلة. استأذن القائد من آرميتا ليأكل الفستق، ففرحت آرميتا كثيراً.
اقترب موعد الوداع شيئاً فشيئاً، فقدّم القائد المصاحف ذكرى لزوجة الشهيد وأمّه. مدت آرميتا عنقها من بعيد لترى ماذا يكتب القائد فيها، وبعد أن تسلّمت أمّها القرآن، قبّلته وهو في يدها. استأذن القائد من آرميتا ليأخذ إحدى رسوماتها، فأذنت له آرميتا وقالت: "حسناً، خذ هذه". بعدها أخذ القائد الرسم من آرميتا.
عند الوداع، طلب القائد من آرميتا أن تعطيه قبلة طيّبة، وبعدها قبّلت كذلك آرميتا القائد لتوفي بذلك حق المحبّة.


(*) تقرير الزيارة المفاجئة للإمام الخامنئي دام ظله لمنزل الشهيد داريوش رضايي نجاد.
(1) كانت شهادة الشهيد رضايي نجاد في 23 تموز 2011، في شهر "مرداد" أي الشهر الخامس من السنة في التقويم الإيراني. وكان من المقرر أن يبدأ بدراسة مرحلة الدكتوراه بعدها بشهرين في الشهر السابع "مهر" من السنة، بعد أن اجتاز امتحان الدخول إلى هذه المرحلة.


 

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليق جديد

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع