خطوات لطفلك على طريق القناعة بساطة العيش في سيرة العلماء شعاع المحبّة رحل العالِم المربّي في جوار العقيلة(2) قصة: قبل أن يصلوا إلى ظلِّ "محمّد" فقيد العلم والجهاد: حارس المسيرة(*) تحقيق: صافي دربٌ عانق السحاب احذر عدوك: صدورهم وعاءٌ لسرّ الله حكايا الشهداء: "إنّي أرى نور الشهادة بين عينيك"

لقاء الحبيب: والدة الشهيد "روبرت لازار": القائد لي أيضاً(*)

محمّد تقي خرسندي

إنّها الساعة السادسة والنصف مساء. وليس في المنزل سوى أمّ الشهيد وأخويه، أمّا الزوجتان والأحفاد فقد ذهبوا إلى الكنيسة للمشاركة في احتفال ليلة ميلاد عيسى المسيح عليه السلام. رأينا على حائط منزلهم إطارَي صورتين، إحداهما لصورة الشهيد روبرت لازار، والأخرى لصورة الإمام والقائد.

كان البيت صغيراً جدّاً، وأمّ الشهيد قلقة؛ لأنّ أرفع مسؤول في البلاد سيدخله. بدأ المسؤولون بنقل الكنبات وطاولة السفرة؛ ليتّسع المكان أمتاراً عدَّة أكثر، بينما كان أخوا الشهيد يجلسان إلى جانب أمّهما.

افتتح آلفرد (أخ الشهيد) الكلام: "كان العام 1996م، حيث كنت راجعاً من كاشان إلى طهران، وتعرَّضتْ سيارتي لحادث، فاضطررتُ لمقابلة ضابط في قم (جمكران) التي لم أزرها سابقاً، وكانت ليلة الأربعاء من شهر رمضان، وكان مسجد جمكران مزدحماً، فقلت: يا صاحب الزمان! أرسل لي خبراً عن أخي، مع أنني لم أكن أعرف صاحب الزمان! ولكنني رأيت الناس هناك يدعون باسمه. وفي يوم الخميس أرسلَتْ مؤسّسة "معراج" خبراً لنا مفاده أنّ أخي رجع، وأنّه سيشيَّع غداً مع ألف شهيد".

*القائد ملأَ البيت الصغير
تجاوزت الساعة السابعة، وبينما كانت أمّ الشهيد تَصِفُ زيارتها لقبر ابنها في مقبرةٍ على طريق "ساوة"، يصل قائد الثورة، فتذهب الأمّ لاستقباله، بقولها: "السلام عليك، السلام على شعب إيران كلّه".

ويجلس الجميع وتقول أمّ الشهيد: "لقد امتلأ بيتي الصغير! لقد سررت كثيراً بتشريفكم...". ولكنّ العَبْرة لا تسمح لها بإكمال كلامها، فتمكث لحظة ثمّ تتابع: "كنت أقول للجميع: القائد لي أنا أيضاً! هل هو للمسلمين فقط؟ هو للجميع". فيعتذر قائد الثورة لتأخّره في المجيء، فيما يبرز سروره بحصول هذا اللّقاء في ليلة عيد الآشوريين.

*قصّة الشهيد
وحسب العادة يسأل القائد عن الشهيد، فيجيب آلفرد: "لقد بَقِيَتْ أيّام لانتهاء خدمته العسكريّة، إلّا أنّه لم يقبل أن يرجع، وقد استشهد بعد قرار الأمم المتّحدة. قالوا أوّلاً إنّه أُسِر، وبعد مدّة عندما ذهبنا إلى منزل رفيق سلاحه، قال: كان الشهيد خلف المدفع الرشاش حتّى آخر لحظة، ولم يقبل بالتراجع، حتّى سقطت قذيفة هاون على دشمتنا وجُرح، فأسروني. أذكر أنني حينما استعدتُ وعيي في "بعقوبة"، سألت: هل أحضرتم أحداً معي؟ قالوا: لا!". يتابع آلفرد: "وهذه قصة بداية ثماني سنوات من فقدان أمّي خبر ولدها، ابن الاثنين والعشرين عاماً".

*صبر الأمّ تضحية خلف الشهادة
حينها علّق القائد: "هذا يبعث على الفخر، ليس لعائلة الشهيد فحسب، بل للوطن بأكمله، ويشير إلى أمن البلد الناشئ من هذه التضحيات". ثمّ أشار إلى أمّ الشهيد: "لكن الأمر المهمّ هو أنّ خلف هذه التضحية تضحيةَ هذه المرأة، فهذه الروحيّة ذات قيمة كبيرة، فأحياناً يتزلزل شخص إلى درجة أنّه يمنع الآخرين من متابعة طريقهم، ولكنّ رضى الأمّ والأب، ومن ثمّ صبرُهما يخلق هذا الجوّ. وأينما أذهب فإنّ روحيّات الأمّهات تكون غالباً أفضل من روحيّات الآباء، فنحن الرجال لا نستطيع أن نفهم أحاسيس الأمّهات، فالآباء يحبّون أبناءهم أيضاً، ولكنّ الأمّ تختلف".

فيصدّق آلفرد على كلام القائد قائلاً: "ذهبت إلى مؤسّسة "معراج" وعندما رأيت الجثمان عرفته، فقد كان أخي جسيماً جدّاً، لقد تعرّفت إليه من عظامه، ولكنهم قالوا: يجب أن تأتي أمّه لتتعرَّف إليه".

وتخرج الأمّ من ذكرياته لتقول: "لقد كان ولدي بطلاً".

*القائد: خرج المسيحيّــون مرفوعي الرأس
ثم يأخذ القائد بزمام الكلام مجدّداً ويقول: "الأقليّة المسيحيّة من الأرمن والآشوريين خرجت من الثورة والحرب مرفوعة الرأس، بوصفها إيرانيّة، وفيّة، عاقلة، بصيرة وشجاعة".

وتتابع الأمّ: "كنت أدعو الله أن أرى صدّام يوماً..."، تسكت لحظةً، لتقول مختنقة بعبرتها: "رأيته، واسترحت!"، ولم تسمح لدموعها بالانحدار.

قالت الأمّ شيئاً لولدها باللّغة الآشوريّة، فيسأل آلفرد القائد مردّداً: "هل تأكلون الحلويات المنزليّة؟" وعندما وافق القائد تفتّحت أسارير الأمّ التي صنعت الحلويات بيديها، فتقول له مسرورة: "أقول: كلّفوني بشيء؛ لأُقدِّم خدمةً للوطن".

فيجيب القائد بوجهٍ مسرور: "كلامكم هذا هو عمل كبير، فقد كان "البيان" أحد وظائف الأنبياء، والكثير من الناس يسيرون على الطريق الخطأ؛ لأنهم لا يعرفون، ولو وُجد البيان؛ لاتّضح الطريق. فخصائص هذه المرأة وكلامها هنا، سواء في الكنيسة أو الخارج، وإظهار هذه الروحيّة لَعملٌ عظيم جدّاً، أسأل الله أن يطيل عمركم، وأن تحفظوا هذه الروحيّة".

*بيت صغير وقلوبٌ كبيرة
يتناول القائد قطعة من الحلوى ويقول للحاضرين: "إنّها حلوى لذيذة جدّاً! ألا تأكلون أنتم؟". فتذهب صينيّة الحلوى بين الأعضاء المرافقين، ولا تعود.
تقول الأمّ: "يجب أن تأكل الفواكه أيضاً! وأن تأكل المكسّرات!"، ثم تقول بخجل: "بيتي صغير..."، ولكنّ القائد لم يسمح لخجلها أن يطول: "يجب أن يكون القلب كبيراً! وعندما يكون للإنسان هدف، فأينما يكون فهو جيّد" ثم ينشد قائلاً:

أنّى تكون معي فأنا سعيد حتّى ولو في قعر بئر منزلي

ثمّ يقدّمون للقائد جريدة اللّقاء مع أمّ الشهيد، فينظر ويقول: لأيّ سنة تعود؟ وعندما يسمع بسنة 2007م يقول بحسرة: "لماذا هي قديمة إلى هذا الحدّ؟ ليتنا جئنا قبل هذا!".

*لو حصلت على الإنجيل لأحضرته هديّة
حان وقت الوداع، فقدّم قائد الثورة هديّة لأمّ الشهيد قائلاً: "أسأل الله أن يكون عيدكم مباركاً! نحن نقدّم القرآن هديّةً للمسلمين، ولو تمكّنت من الحصول على إنجيل جيّد لأحضرته، لكنّ أناجيل اليوم هي رواية عموماً، وليست كلام الوحي. طبعاً، إنّ يوحنا، ولوقا، وبطرس و... هم عظماء المسيحيّة، وقد استشهد بعضهم أيضاً، وجاؤوا بالمسيحيّة إلى إيران وروما و...، ولولاهم لبقيت المسيحيّة في الشرق، وقد كان فيهم نبيّ وخليفة نبيّ، وفي الإسلام كلّ من ينكر عصمة السيّد المسيح وعصمة أمّه مريم فإنّه يخرج من الإسلام، فاحترامنا للمسيحيّة هو على هذا الشكل. والإنجيل مثل القرآن والتوراة قد نزل من السماء، ولكنّ الأناجيل الفعليّة، تلك التي قرأتُها هي رواية، وليست ذلك الإنجيل الذي نزل من السماء، ولو حصلنا على ذلك الإنجيل لوضعناه على عيوننا".

عندها تقدَّم آلبرت (والد الشهيد) وقال: "عندما زارنا د. أحمدي نجاد سألَنا عمّا نحتاجه، فقلنا: سلامة القائد فقط! ومجيئكم إلى هنا يساوي بالنسبة إلينا الدنيا وما فيها".


(*) تاريخ 6/10/1394هـ.ش الموافق لـ27/12/2015م.
 

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليق جديد

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع

لقاء الحبيب: والدة الشهيد "روبرت لازار": القائد لي أيضاً

ليلى سوراني

2016-11-24 16:08:26

السلام عليكم بدي صور عن هذا اللقاء للمجلة الالكترونية باللغة الفرنسية : Lumières spirituelles مع الشكر الجزيل