أخلاقنا: هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ (*) تسابيح جراح: رحلة العودة إلى الحياة مجتمع: سنة أولى صيام الشيخ راغب.. المسجديّ الـثـائـر أفكار لاحتفال مهدويّ أجمل مقـابلـة: المقاومون أهل البصائر تسابيح جراح: بقدمٍ واحدة سأكمل الدرب رجب: شهر الله الأصبّ مناسبة: هي ربيعٌ يتجلّى في عيد مجتمع: معلّمون شهداء.. بالقلم والبندقيّة

أطفالنا والتربية المسجديّة

الشيخ سامر توفيق عجمي(*)


عن الإمام عليّ بن الحسين زين العابدين عليه السلام أنّه قال: "وأمّا حقّ ولدك، فأن تعلم (...) وأنّك مسؤول عمّا وُلّيته من حسن الأدب، والدلالة على ربّه عزّ وجلّ، والمعونة على طاعته..."(1).

إذاً، فمعونة الوالدين لابنهما على طاعة خالقه هي حقّ من حقوقه الإسلاميّة. ومن موارد هذه المعونة: التربية العباديّة. فما دور المربّي في التربية العباديّة؟ وكيف نربّي أبناءنا على الصلاة؟ وما أثر المسجد في هذه التربية؟

•التربية العباديّة: حقّ ابنك عليك
لا يعقل أن يصل المربّي إلى هدفه في صناعة الشخصيّة العبوديّة للمتربّي بشكلٍ دفعيّ بين ليلةٍ وضحاها؛ لأنّ بناء هويّة المتربّي وإحداث التغيّر المطلوب في شخصيّته، إنّما يحصلان بنحوٍ تدريجيّ، ينتقل فيه المتربّي من وضعيّةٍ إلى أخرى، خاصّةً وأنّ التكاليف الإلزاميّة كثيرة، وفيها الكثير من بذل الجهد.

وسنّ الإلزام بهذه التكاليف متأخّرة نسبيّاً؛ لذا من العقلانيّة بمكانٍ أن يسبق تعريف المتربّي وتمرينه عليها مرحلة البلوغ الشرعيّ. وكثيراً ما يتفاجأ الناس عندما يعلمون أثناء المحاضرات والورش التربويّة بلزوم التشدّد في التربية العباديّة للطفل منذ سنّ التمييز؛ أي السبع سنوات تقريباً، مع أنّ تنمية الشعور الدينيّ في داخله من خلال الصلاة وإعانته على طاعته تعالى هو حقّ من حقوق الطفل التي كفلها له النظام التربويّ الإسلاميّ.

•التربية العباديّة المبكرة
هذا النوع من التربية العباديّة المبكرة للطفل لا يجعله يدخل دائرة الإلزام بنحوٍ مفاجئ بدون أيّ تهيئة وتمهيد، بل يكون قد اعتاده وقويَ عليه، فيسهل عليه الالتزام به(2)، فيستقبل مرحلة التكليف بشعورٍ إيجابيّ يخلو من الإحساس بالضيق والمشقّة تجاه التكاليف؛ لأنّ التطبّع بالشيء من خلال تكراره وتعوّده يجعله مأنوساً ومألوفاً، ويحوّله إلى طبيعة ثانية في شخصيّة الطفل، في حين أنّ عدم تعوّده أو تعوّد خلافه، يجعله صعباً، فيصدر حينها عن الإنسان بتثاقل وضجر. فعن لقمان الحكيم في وصيّته لابنه، قال: "يا بنيّ، إنْ تأدّبت صغيراً، انتفعتَ به كبيراً"(3).

ورأس هرم التربية العباديّة هو التربية على الصلاة، بالإضافة إلى الصوم، والصدقة، والدعاء، وقراءة القرآن. عن الإمام الباقر عليه السلام، أنّه قال: "يُؤمر الصبيان بالصلاة إذا عقلوها(4)، وبالصوم إذا أطاقوه"(5). تؤكّد هذه الرواية وغيرها ما أشرنا إليه سابقاً، من ضرورة التشدّد في التربية العباديّة للطفل، خصوصاً على الصلاة، وعدم التهاون بها، بحيث يؤدّيها الطفل على قدر وسعه واستطاعته.

•المسجد.. وجهة الأطفال
لا شكّ في أنّ الإسلام قد تشدّد بالنسبة إلى الصلاة في المسجد، وأكّد على ضرورة عمارة المساجد بالعبادات، وإحيائها بالأنشطة والأعمال التي تنمّي الشعور الدينيّ بالارتباط السلوكيّ بالله تعالى، كالدعاء، وقراءة القرآن، وحلقات الموعظة، وطلب العلم...

وهذا النوع من عمارة المسجد وإحيائه، لا يختصّ بالمكلّفين البالغين، بل يشمل الأطفال المميِّزين؛ لأنّ كلّ تكليف موجّه إلى المكلّف البالغ، يستحقّ الطفل المميِّز أن يتوجّه إليه، وإن لم يكن فعليّاً في حقّه. وقد تبنّى الكثير من الفقهاء والعلماء أنّ صلاة الطفل المميِّز عباديّة وليست تمرينيّة فقط، بمعنى أنّه يترتّب عليها الأجر والثواب إذا صدرت عنه، كما تبنّوا أنّ التكاليف الإلزاميّة من الواجبات والمحرّمات، هي بحقّ المميِّز مستحبّات ومكروهات. وقد ورد في بعض الروايات عن جابر، عن الإمام أبي جعفر عليه السلام أنّه قال: سألته عن الصبيان إذا صفّوا في الصلاة المكتوبة، قال عليه السلام: "لا تؤخّروهم عن الصلاة، وفرّقوا بينهم"(6). وقد علّق العلّامة المجلسي قدس سره على هذه الرواية: "قوله: (لا تؤخّروهم)؛ أي لا تدعوهم يتركونها، أو لا تجعلوهم في الصفّ الأخير؛ لئلّا يفرّوا من الصلاة أو لئلّا يلعبوا"(7). كما علّق الفيض الكاشاني قدس سره على الرواية بقوله: "يعني لا تمنعوهم عن الجماعة، ولكن فرّقوا بينهم في الصفّ لكيلا يتلاعبوا"(8).

وهذا يعني أنّه يلزم عدم حرمان الأطفال المميِّزين من الصلاة في المسجد، ولكنّنا ندعو إلى حفظ النظام والانضباط العامّ داخله، واتّخاذ الإجراءات التي تضبط أفعال الأطفال فلا تزعج المصلّين، ولا تؤثّر على المناخ الروحيّ.

•المسجد والهويّة الدينيّة
لا ينبغي أن يشكّل المسجد بالنسبة إلى الطفل المميِّز مجرّد مكان ليؤدّي فيه الصلاة، بل يلزم أن يتحوّل إلى بيئة حاضنةٍ تشكّل الهويّة الدينيّة للطفل، فيعتاد على الأذكار والأدعية في المسجد، ومجالس العزاء الحسينيّ والدروس والمواعظ المسجديّة، وحلقات قراءة القرآن وتعلّمه... فيتأدّب بروحيّة أدب المسجد ويشعر أنّه في محضر الله تعالى في كلّ خطوة يسير بها إلى المسجد، وفيه أيضاً:

أ- القرآن الكريم: فمثلاً، من جملة مصاديق التربية العباديّة للطفل، عمليّة ربطه بالقرآن الكريم، قراءة، وحفظاً، وتعلّماً، وتخلّقاً، وسلوكاً، فعن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم أنّه قال: "أدّبوا أولادكم على ثلاث خصال: حبّ نبيّكم، وحبّ أهل بيته، وقراءة القرآن"(9). فالمسجد هو المكان الذي يكون الإنسان فيه أشدّ أُنساً بالقرآن الكريم.

ب- تسبيح السيّدة الزهراء عليها السلام: يستحبّ أن يؤمر الطفل بتسبيح فاطمة عليها السلام. وما أجملها من لحظاتٍ أن ينتهي الطفل من الصلاة في المسجد، ويجلس ليعقّب بتسبيح فاطمة عليها السلام! عن الإمام الصادق عليه السلام: "إنّا نأمر صبياننا بتسبيح الزهراء عليها السلام كما نأمرهم بالصلاة، فالزمه فإنّه لم يلزمه عبد فيشقى"(01).

ج- الصدقة: كما يفضّل تربية الطفل على التصدّق في الصناديق الموضوعة أمام المسجد، لدعم المقاومة، أو الفقراء والمحتاجين. عن الإمام الرضا عليه السلام، أنّه قال: "... مُرِ الصَّبِيَّ فَلْيَتَصَدَّقْ بِيَدِه بالكِسْرَةِ والقَبْضَةِ والشَّيْءِ وإِنْ قَلَّ، فَإِنَّ كُلَّ شَيْءٍ يُرَادُ بِه الله، وإِنْ قَلَّ، بَعْدَ أَنْ تَصْدُقَ النِّيَّةُ فِيه، عَظِيمٌ"(11).

•مبادئ عامّة في التربية العباديّة
1- مراعاة مبدأ التدرّج في تعويد الطفل العبادة: فابن سبع سنوات يُعوَّد على الصلاة، ثمّ ابن تسع سنوات يُعوَّد على الصوم. هذا في الطفل الذكر، أمّا الأنثى، فلكون سنّ البلوغ عندها هي تسع سنوات، فإنّه يصبح واجباً عليها.

2- مراعاة مبدأ الوسع والطاقة: أي تكليف الطفل بأداء العبادة على قدر وسعه، وبما ينسجم مع حدود استطاعته المناسبة لعمره في القيام بالعمل، ولا يرهقه ويحمّله فوق طاقته.

3- مراعاة مبدأ اليسر والسهولة: وهو ما تفيده رواية الجمع بين الصلاتين مثلاً(21).

4- مراعاة مبدأ الرفق واللطف: حتّى لا ينفر الطفل من الدين ويكره العبادة ويبغضها، خصوصاً أنّ طبيعة الطفل تميل نحو اللعب، واللهو، والدّعة، والراحة.

5- مراعاة مبدأ عدم التساهل واللامبالاة: بمعنى أنّه على وليّ الطفل أن يدرّبه على عدم ترك الصلاة مثلاً، حتّى لو كان مريضاً، فيأتيها بمقدار ما يستطيع، كما تفيده الرواية الثانية.

•أساليب التربية العباديّة
1- أسلوب النموذج السلوكيّ: بأن يقوم المربّي بالصلاة أمام الطفل، وأن يحدّث الطفل بأنّه يصلّي في المسجد من أجل أن يرغّبه في ذلك الفعل، فيقلّده فيه، بسبب قدرة المحاكاة في نفسه.

2- أسلوب التعليم بالمشاركة التفاعليّة: بمعنى أن يقول المربّي للطفل: إنّنا اليوم سنتعلّم الصلاة معاً، ثمّ يقومان بذلك الفعل معاً... إلخ.

3- أسلوب التشجيع من خلال الأقران: بأن يجعل المربّي الطفلَ يرى أقرانه يؤدّون العبادات، فيتشجّع ويتحفّز للقيام بها، من باب المحاكاة، أو الغبطة أو التنافس معهم. وهذا يمكن أن يحصل من خلال وضع الطفل في بيئة تهتمّ بالعبادات، في المدارس أو الجمعيّات الكشفيّة...

4- أسلوب الاصطحاب إلى المسجد: ينبغي اصطحاب الطفل المميِّز مباشرةً إلى المسجد، للمشاركة في الجماعة أو الدعاء...(31)، حيث يتشجّع على الصلاة أمام الحشد، ويتعلّم الصلاة بالمحاكاة، ويتعلّم أيضاً بعض القيم والتشريعات، كأحكام الجماعة، والانضباط في العبادات، والارتباط بالمسجد، وحسن الاستماع إلى الإمام...

فاصطحبوا أولادكم إلى المساجد، وعزّزوا في أنفسهم الشعور بالارتباط بها.


(*) باحث ومؤلّف تربويّ، أستاذ في جامعة المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم العالميّة-فرع لبنان.
1.من لا يحضره الفقيه، الصدوق، ج2، ص622.
2.غنائم الأيّام في مسائل الحلال والحرام، الميرزا القمّي، ج5، ص282.
3.تفسير القمّي، ج2، ص164.
4.المقصود بالعقل هنا هو القدرة على التمييز بين الحسن والقبيح، كما هو واضح.
5.دعائم الإسلام، القاضي النعمان المغربي، ج1، ص194.
6.الكافي، الكليني، ج3، ص409.
7.مرآة العقول، المجلسي، ج3، ص479.
8.الوافي، الكاشاني، ج7، ص196، ذيل الحديث: 5759.
9.الجامع الصغير، السيوطي، ج1، ص51.
10.ثواب الأعمال، الصدوق، ص163.
11.الكافي، (م.س)، ج4، ص4.
12.مستدرك الوسائل، الميرزا النوري، ج3، ص19.
13.تذكرة الفقهاء، العلّامة الحلّي، ج4، ص335.

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليق جديد

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع