أخلاقنا: هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ (*) تسابيح جراح: رحلة العودة إلى الحياة مجتمع: سنة أولى صيام الشيخ راغب.. المسجديّ الـثـائـر أفكار لاحتفال مهدويّ أجمل مقـابلـة: المقاومون أهل البصائر تسابيح جراح: بقدمٍ واحدة سأكمل الدرب رجب: شهر الله الأصبّ مناسبة: هي ربيعٌ يتجلّى في عيد مجتمع: معلّمون شهداء.. بالقلم والبندقيّة

المساجد: حصون الإسلام المنيعة

السيد عبد الصاحب الموسوي


 ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللّهِ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاَةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ اللّهَ فَعَسَى أُوْلَئِكَ أَن يَكُونُواْ مِنَ الْمُهْتَدِين (التوبة: 18).
الحمد لله والصلاة على رسول الله وعلى آله الطاهرين وأصحابه المنتجبين.
إن لله سبحانه وتعالى بيوتاً أذن أن ترفع ويُذكر فيها اسمه ولقد أسماها بالمساجد جمع مسجد أي أماكن العبادة والسجود.
﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا (الجن: 18).
ولعلّ اختيار هذا الاسم لأماكن العبادة عند المسلمين من حيث أن السجود من أعظم العبادات وأرقى مصاديق الخضوع إلى الخالق المتعال جل شأنه وعظمت آلاؤه كما ورد عن الإمام الرضا عليه السلام أنه قال:
أقرب ما يكون العبد من الله عزَّ وجلَّ وهو ساجدٌ.


وللمساجد دورها البنّاء والأساسي في تربية الفرد والمجتمع ففيها تُحلّق الروح إلى عالم الملكوت وترتبط به ارتباطاً معنوياً حيث يقف الإنسان العاجز الضعيف الحقير الذي لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضراً ولا موتاً ولا حياة ولا نشوراً بين يد ربّ العزّة والجبروت ليُعرب عن فقره وفاقته وعشقه ومحبته لخالقه قائلاً: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾.
ولينفي كل حول وقوّة عن نفسه ويسند كل ذلك إلى الإله المقتدر سبحانه بقوله:
"بحول الله وقوته أقوم وأقعد".
ومن هذه المراكز العظيمة تنطلق مسيرة المجاهدين ومواكب المقاتلين في سبيل الله ومن أجوائها تنتشر العلوم ومن رحابها يتعرف الناس بعضهم إلى بعض وهي العنوان الواضح لحيويّة الأمّة ومدى ارتباطها بخالقها وتمسّكها بدينها فالمساجد الغاصة بالمصلين- لا شك- في أنّها عنوان جلي لتمسك الناس بمبادئهم القيّمة وعقائدهم الرصينة كما أن المساجد الفارغة هي عنوان تقهقر المجتمع وتراجعه عن مبادئه وقيمه.

ولذلك كان الإمام الراحل الخميني العظيم قدس سره يحثّ الناس على الاهتمام البليغ بهذه المراكز الحسّاسة فكان يقول: إن حفظ المساجد من الأمور التي يعتمد عليها وجود الإسلام اليوم.
وكان يقول: المسجد أحد خنادق الدفاع عن الإسلام والمحراب محلٌّ للحرب. كما كان قدس سره يعتبر المساجد الحصون المنيعة للإسلام وأنّها منطلق الثورات فقال: أحيوا الثورة من خلال المساجد التي تعتبر حصون الإسلام المنيعة وأديموا اتّقاد الثورة بالشعارات الإسلامية.

كما حاول- طاب ثراه- أن يُرجع المساجد إلى واقعها وإلى حقيقتها التي كانت عليها من قبل بقوله:
1- اسعوا إلى إعادة المساجد إلى ما كانت عليه من قبل.
2- المسجد هو مركز الاجتماعات السياسية.
3- المسجد هو مركز الاعلام والتبليغ.
4- يجب أن تكون المساجد مركزاً للتربية الصحيحة.

وبهذه التأكيدات استطاع الإمام الراحل أن يرجع المساجد إلى موقعها الحقيقي وتاريخها المشرق.
ولا بد لنا من جولة سريعة نتحدّث من خلالها حول المواضيع التالية على أضواء الكتاب والسنّة.

أ- بناء المساجد وتعاهدها والاهتمام بها.
فمن الكتاب العزيز ما سبق من بداية البحث ومن السنة قوله صلى الله عليه وآله وسلم: من بنى مسجداً كمفحص قطاة بنى الله له بيتاً في الجنّة.
كما ورد عنه صلى الله عليه وآله وسلم: من قمّ مسجداً كتب الله له عتق رقبة ومن أخرج منه ما يُقذي عيناً كتب الله عزَّ وجلَّ له كفلين من رحمته.
والقم: هو الكنس.
وعنه صلى الله عليه وآله وسلم: من أسرج في مسجد من مساجد الله سراجاً لم تزل الملائكة وحملةُ العرش يستغفرون له ما دام في ذلك المسجد ضوء من السراج.

ب- "المشي إلى المساجد"

عن الصادق عليه السلام: من مشى إلى المسجد لم يضع رجله على رطب ولا يابس إلا سبّحت له الأرض إلى الأرضين السابعة.

ج- الجلوس في المساجد

فعن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: الجلوس في المسجد لانتظار الصلوات عبادة ما لم يُحدث قيل: يا رسول الله: وما الحدث؟ قال: الاغتياب.
وعن علي عليه السلام: الجلسةُ في المسجد خير من الجلسة في الجنة فإن الجنّة فيه رضا نفسي والجامع فيه رضا ربّي.
وعن الصادق عليه السلام: مكتوبٌ في التوراة: إن بيوتي في الأرض المساجد فطوبى لمن تطهّر في بيته ثم زارني في بيتي وحقٌّ على المزور أن يُكرم الزائر.

ح- "الصلوة في المسجد"
عن عليّ عليه السلام: لا صلاة لجار المسجد إلاّ في المسجد، إلا أن يكون له عذرٌ أو به عِلّةٌ، فقيل: ومن جار المسجد يا أمير المؤمنين؟ قال: من سمع النداء.
وعن الصادق عليه السلام: عليكم بإتيان المساجد فإنّها بيوت الله في الأرض ومن أتاها مُتطهّراً طهّره الله من ذنوبه وكتب من زوّاره فأكثروا فيها من الصلاة والدعاء.

خ- "تكريم المساجد وتنزيهها عما لا يليق بشأنها"
عن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم: جنّبوا مساجدكم مجانينكم وصبيانكم ورفع أصواتكم إلا بذكر الله تعالى وبيعكم وشراءكم وسلاحكم وجمّروها في كل سبعة أيام وضعوا المطاهر على أبوابها.
وعنه صلى الله عليه وآله وسلم: من وقّر المسجد من نخامة لقي الله يوم القيامة ضاحكاً قد أعطي كتابه بيمينه.
وعن علي عليه السلام: البصاق في المسجد خطيئة وكفارتها دفنه.

د- "جفاء المساجد وعدم الاعتناء بها"
فعن الصادق عليه السلام: ثلاثة يشكون إلى الله عزَّ وجلَّ مسجدٌ خراب لا يُصلّي فيه أهله وعالم بين جُهّال ومصحفٌ معلقٌ قد وقع عليه غبارٌ لا يُقرأ فيه.
وعنه عليه السلام : شكت المساجد إلى الله تعالى الذين لا يشهدونها من جيرانها فأوحى الله عزَّ وجلَّ إليها:
وعزّتي وجلالي لا قبلت لهم صلاة واحدة ولا أظهرت لهم من الناس عدالة ولا نالتهم رحمتي ولا جاوروني في جنّة.
وعنه عليه السلام : ملعون ملعون من لم يُوقّر المسجد.

ومن خلال هذه الدراسة العاجلة نستطيع التوصل إلى عظمة المساجد ومكانتها في الإسلام ودورها الوضّاء في تهذيب الفرد والمجتمع، ثم لا بد وأن نعالج هذه الظاهرة الرهيبة وهي خلوّ المساجد من المُصلِّين فإنها ظاهرةٌ مبهجةٌ لقلوب أعداء الإسلام وفي الوقت نفسه تُعطي صورة سيئة عن المجتمع لا سيما ونحن في عصر قد تكالب أعداءُ الإسلام على طمس آثاره وأثره وعلى كل ظاهرة فيها عزةٌ وشوكةٌ له وللمسلمين فعلينا أن نهبّ جميعاً لإحياء المساجد وتفعيلها بالصلاة والدعاء ومذاكرة العلم وانطلاق المجاهدين في سبيل الله منها ففي بيوت الله الخير الكثير والمجد العظيم إذ هي محطّ عناية الله وتجلياته ورحمته وفيوضاته.
فعن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم: من أدمن إلى المسجد أصاب الخصال الثمانية آيةً محكمةً أو فريضة مستعملة أو سنة قائمة أو علماً مستطرفاً أو أخاً مستفاداً أو كلمة تدله على هدىً أو ترده عن ردىً وترك الذنب خشيةً أو حياءً.
فنسأله تعالى أن يوفقنا لما فيه صلاح أنفسنا ومجتمعنا في الدنيا والآخرة كما نسأله أن يجعلنا من المعظّمين لشعائره.
وللبحث تتمةٌ علّنا نوفّق إليها في الحلقات الآتية إن شاء الله تعالى.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

 

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليق جديد

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع