رجب: شهر الله الأصبّ مناسبة: هي ربيعٌ يتجلّى في عيد مجتمع: معلّمون شهداء.. بالقلم والبندقيّة الشيخ راغب حرب: كافل الأيتام خدمة الناس: ثقافة ومسؤوليّة ولاية الفقيه نصرٌ من الله نور روح الله: الاستقامة لله سبيل الانتصار(*) مع الإمام الخامنئي: الشهادة تجـارةٌ رابحة(*) القادة الشهداء: أشخاصٌ استثنائيّون نور روح الله: وصاياهم تهزّ الإنسان

رجب: شهر الله الأصبّ

لقاء مع فضيلة الشيخ إبراهيم بلّوط

 

حوار: حسن سليم


يقول الإمام الخامنئيّ دام ظله في أحد خطاباته: "إنّ شهر رجب هو فرصة للتقرّب إلى القيم والذات الإلهيّة المقدّسة، ولبناء الذات... فأيّامه هي أيّام مميّزة، كلّها فرص ونعم، ويأتي من بعده شهر شعبان، وهو نعمة أيضاً.. وهذان الشهران هما مقدّمة لشهر رمضان، شهر العروج والتزكية"(1). وللغوص أكثر في خاصيّة هذا الشهر المبارك، وكيفيّة اغتنامه للتوبة ونيل غفران الله، كانت هذه المقابلة مع فضيلة الشيخ إبراهيم بلّوط.

ـ يُروى: "إنّ لربّكم في أيّام دهركم نفحات ألا فتعرّضوا لها"(2). لماذا خُصّصت هذه النفحات الربّانيّة بمواسم ومحطّات معينة، ولم تكن مفتوحة على مدار العام؟
ممّا لا شكّ فيه أنّ الرحمة الإلهيّة التي وسعت كلّ شيء، سبقت غضب الله تبارك وتعالى، وهو بخلقه عليم، فيعلم، من ناحية، قصورهم عن وصولهم إلى الهدف في ذاتهم، ومن ناحية أخرى، أنّهم يميلون إلى الدّعة والراحة، وهذا ما يستدعي أخطاءً هنا، وسقوطاً هناك. فكما قسّم الفصول إلى أربعة، وجعل الربيع -مثلاً- على مدار ثلاثة أشهر من السنة لينبت فيها الزرع، جعل أيضاً، ثلاثة أشهرٍ من باب الرحمة الإلهيّة، تنبت فيها الفضائل، والمَلَكات، والخصائص الخلقيّة الكماليّة، لذلك ينبغي لنا كعقلاء أن نغتنمها.

ـ بمَ يتميّز شهر رجب عن بقيّة أشهر النور؟
لا شكّ في أنّ لكلّ شهر خصوصيّته في ذاته، ومضمونه، وآثاره. في خصوص شهر رجب، من اسمه تُدرك ميزته، فهو شهر "أصبّ" لما تُصبّ فيه الرحمة، وكما في بعض الروايات، يدعى شهر الله. وهو من الأشهر الحرم الأربعة، وأهمّ من ذلك كلّه أنّه شهر الولاية، وشهر عليّ عليه السلام، المنفرد عن بقيّة الأشهر الحُرُم، وهي من دون الولاية حالها كحال إبليس، الذي كان يؤمن بالله، والمعاد، ولكنّه لم يخضع للولاية. فالله يريدني أن آتيه عبر بابه. وخصوصيّة شهر رجب أنّه الباب للعبادات الراقية التي ستُقبَل.

ـ رُوي عن الإمام الصادق عليه السلام: " إذا كان يوم القيامة نادى منادٍ من بطنان العرش: أين الرجبيون؟ فيقوم أناس يضيء [تضيء] وجوههم لأهل الجمع"(3). ما هي الأمور التي تُكسب الإنسان هذه الصفة العظيمة يوم القيامة؟
يتحدّث الله تبارك وتعالى في القرآن الكريم عن وجوهٍ عدّة، مثلاً: وجوه مبيضّة، مغبرّة، مصفرّة، مسودّة.. هذه كلّها بلحاظ طاعاتٍ أدَّوها. فحينما تقوم بالفعل بلحاظ وجوبه شيء، وبلحاظ استحبابه شيء، وحينما تصوغه مستحبّاً، وتجعله واجباً على نفسك شيء آخر. والإنسان قطعاً يُطالَب، في قصد طاعته وفي قدرته، فلا يكلّف الله نفساً إلّا وسعها.
فعلى سبيل المثال، إذا كان هناك مؤمنٌ يحافظ على وضوئه وطهارته، ويقوم لصلاة الليل، ويُكثر من صيام هذا الشهر الشريف، فكيف إذا صام أيامه البيض مثلاً؟! ساعتئذٍ يقال: "أين الرجبيّون؟". فهؤلاء لم يُفرض عليهم الصوم، ولكنّهم صاموا لاستحبابه.

ـ ما هي أهميّة الاستغفار، وخصوصيّته، ودوره في هذا الشهر؟
الاستغفار هو طلب المغفرة. والغفر يعني الستر. ومن أسماء الله تبارك وتعالى أنّه ستّار، وليس ساتراً، ذلك أنّ الذنوب مهما كثُرت والعيوب مهما انتشرت، فالله يسترها ويغفرها، ولكن من خلال صدقي بعدم العودة إليها ثانيةً؛ لذلك يجب أن أراقب نفسي وأحاسبها قبل أن أقف أمام يدي ديّان يوم الدين، فمن حاسب نفسه بصدقٍ في الدنيا، لن يحاسبه الله مرّة ثانية هناك.
أمّا الإناء الذي مهّدت أنت له في هذا الشهر، وفتحت قلبك عليه لتُفاض فيه الرحمة حقّاً، فلا بدّ لك ساعتئذٍ من تنظيفه من الأوساخ، لكي تملأه بالماء الزلال.

ـ لماذا تؤكّد الروايات على استحباب الصوم في شهر رجب؟
قلنا إنّ شهر رجب بمثابة مقدّمة ترويضيّة للإنسان لنيل بركات الأشهر التالية، مع نيله لرحماتٍ في هذا الشهر، عبر عبادات مستحبّة، وكلّها خيرات نجدها حاضرة في تعبير لطيف في دعاء رجبيّ: "يا مَن أرجوه لكلّ خير، وآمن سخطه عند كلّ شرّ..."(4)، والذي نجد فيه منازل أربعة تستمطر الرحمة الإلهيّة، هي:
- الأول: منزل الرجاء "يا من أرجوه": تستحضر قوّة الشعور في هذا الرجاء، والراجي هو الداعي.

- الثاني: منزل العمل "يا من يعطي الكثير بالقليل": فالعمل عمل يسير يفيض عليَّ بما يفيض، وتُصبّ عليّ الرحمات صبّاً.

- الثالث: منزل الدعاء والسؤال "يا من يعطي من سأله": نلاحظ أنّ الدعاء القلبيّ هو أعظم نطقاً من السؤال اللفظيّ. فحينما يطلب القلب، يشتدّ الشعور أكثر بالعبودية، ولا يكون تزلّفاً. فعندما يكون الدعاء سؤالاً باللسان فهو حجّة لإيقاظ هذا الغافل، أمّا حينما يتوجّه القلب بالسؤال، فيكون عطاؤه مختلفاً.

ـ الرابع: منزل الفقر والاحتياج "يا من يعطي من لم يسأله ولم يعرفه، تحنّناً منه ورحمة": سواء كان السائل خيّراً أم شريراً، فإنّه يفيض عليه، بل أكثر من ذلك: "تتحبّب إلينا بالنعم ونعارضك بالذنوب، خيرك إلينا نازل وشرّنا إليك صاعد"(5).

ـ ما هي الأمور التي ينبغي أن يتجهّز بها الإنسان خلال هذا الشهر ليُدرك فوائد شهر رمضان؟
هناك ثلّة من الأعمال يمكن التمهيد بها في هذا الشهر. وتوجد في الروايات تأكيدات على أيامٍ عديدة (من صام يوماً منه -صوم الليالي البيض- صوم يوم المبعث النبويّ)(6)، وكذلك الإحياء بالعبادات، خصوصاً في الليلة الأولى ونصفه، وأرقى يوم هو المبعث منه. ويقول الله تعالى: "أنا جليس من جالسني، ومطيع من أطاعني، وغافر من استغفرني، الشهر شهري، والعبد عبدي، والرحمة رحمتي، فمن دعاني في هذا الشهر أجبته، ومن سألني أعطيته، ومن استهداني هديته" -هذا كلّه سؤال قلبيّ- "وجعلت هذا الشهر حبلاً بيني وبين عبادي، فمن اعتصم به وصل إليّ"(7).

ـ كيف تتجلّى العلاقة مع النبيّ وأهل بيته عليهم السلام في هذا الشهر الحرام، وخاصّةً صاحب العصر والزمان عجل الله تعالى فرجه الشريف ؟
إنّ شهر رجب، كما قلنا، هو شهر الولاية بكمالها وتمامها، وبدون تمامها لن يكون هناك كمالٌ لها.
فنحن نؤمن بالله تعالى، وبرسوله صلى الله عليه وآله وسلم، وأمير المؤمنين عليه السلام، كما نؤمن بالإمام الحجّة عجل الله تعالى فرجه الشريف، باعتبار أنّ تجلّيات الولاية الإلهيّة قائمة هناك. فبالتالي، من يريد أن يكون موالياً لله ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ﴾ (المائدة: 55) عليه أن يتأسّى بآخر من أمره الله تبارك وتعالى أن يتأسّى به، ولا يمكنه أن يقوم بذلك دون الخلفيّة العقديّة، التي عليه أن يجسّدها ممارسةً وعملاً. فالعمل وظيفته الترسيخ، وساعتئذٍ يزيد من العلم والاعتقاد: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ (فاطر: 10). فمَن يُحبّ عليه أن لا يغفل عن حبيبه، فكيف بي أن أحبّ صاحب العصر والزمان عجل الله تعالى فرجه الشريف ولا أزوره أو أسلّم عليه في أيّام هي أدعى للاستجابة؟

ـ وهل المطلوب الإكثار من أداء المستحبّات بعددها أم بنوعها؟
يبيّن الله سبحانه وتعالى هذا الأمر في القرآن الكريم حينما يأمرنا مُرغّباً ﴿مَن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ﴾ (الحديد: 11)، وهنا المضاعفة. فلا تؤخذ الكثرة بالمنظار الإلهيّ كعدد، وإنّما بلحاظ نوعيّتها وإخلاصها. يقول الله تعالى أيضاً: ﴿وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ (البقرة: 197)، فكلّما زاد خير الأعمال، سيُسبّب ذلك زيادةً في الأثر الطيّب في حشر الإنسان.
هناك تأكيدٌ على عبادات خاصّة في هذا الشهر من نوافل، ودعاء، وزيارة للإمام الحسين عليه السلام، وعمرةٍ، وصومٍ، واستغفار، وكذلك التسبيحات، فإن لم يستطع الإنسان الصوم، فيلجأ إلى الاستغفار مثلاً، وهكذا. وبمجرّد أن يميل قلبك إلى العبادة، فلبّها، وحينما تنفُر فلا تجبرها، فإنّها ستكرهك على أمورٍ أخرى.

ـ ما هي نصيحتكم للمنشغلين بأمور حياتهم اليوميّة في كيفيّة الاستفادة من هذا الشهر؟
أوّلاً، وما أنصح به نفسي، أن أحافظ على الصلوات في أوّل أوقاتها، وعدم الغفلة عن الشعور بمراقبة الله لي وعلمه بما أقوم به، واللهج بذكره، والاستغفار، والندم على ما فرّطنا في ما مضى. ولا ينبغي أن نصرف الأوقات في العبادة، وارتياد المساجد فقط، ونترك الساحات خاليةً، لا بل على العكس، فالجهاد هو أحد أهمّ العبادات.
وإبليس لن يهدأ له بال حتّى يوصل أحدنا إلى جهنّم؛ لذلك، علينا أن نمتّن العلاقة مع الله سبحانه وتعالى، والتي هي كبستانٍ فيه ما فيه من الورود، وما علينا نحن بعد ذلك إلّا أن ندخل هذا البستان!

 


1- من كلمة له دام ظله في تاريخ: 26/4/2015م.
2- الوافي، الفيض الكاشانيّ، ج1، ص553.
3- فضائل الأشهر الثلاثة، الصدوق، ص31.
4- إقبال الأعمال، ابن طاووس، ج3، ص211.
5- مصباح المتهجّد، الطوسيّ، ص586.
6- راجع: فضائل الأشهر الثلاثة، (م.س)، ص17-38.
7- إقبال الأعمال، (م.س)، ج3، ص174.
 

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليق جديد

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع