نور روح الله: آداب القيام في الصلاة(1)(*) مناسبة: من ذاكرة انتصار التنمّر: ضعفٌ وليس قوّة احذر عدوك: فتبيَّنوا (1) أول مدينة دوائيّة في الشرق الأوسط في إيران الدراسة الجامعيّة تطيل العمر بريطانيا تمنع "الرأسيّات" في المدارس الابتدائيّة فايسبوك تطرد موظّفاً اعترض على منشورات لترامب أوّل الكلام: صدقةٌ يحبّها الله مع الإمام الخامنئي: الشباب وصناعة الثقافة

أولاد آخـر الزمان

الشيخ محمد الحمود

 



ينقسم الشباب اليوم إلى قسمين، مؤمن يسعى لتحصين نفسه وتقوية إيمانه، وآخر لا يبالي. ففي مجتمع الأمس، كنا نجد الشباب وخاصّة مَنْ كان منهم في فترة المراهقة – في فترة الثمانينات – متحمّسين إلى التعاليم الدينيّة بشدّة، حتى أنهم كانوا يقطعون المسافات الطويلة للاستماع إلى محاضرةٍ أو دعاءٍ أو لحضور درس... فالقرب من الله كان غايتهم، والرضا مرامهم، والتقوى شعارهم، والدنيا ما كانت تعني لهم الكثير. والسبب أن حبّ الله كان قد ملأ قلوبهم فشغلهم عن بهارج الدنيا وزينتها. نجد في الجيل الصاعد مَنْ يسير على نفس النهج فيما قسم آخر تغيّرت تطلعاته، ولا تعني له هذه الأمور الشيء الكثير. وبالرغم من توفر الأجواء الإيمانيّة والوعي الديني عند الأهل أو في المدرسة... تراهم يتثاقلون عن القيام بواجباتهم الدينيّة، وخصوصاً الصلاة التي لا يأتونها إلا بعد التذكير والتنبيه.. ويتأفّفون ويتذمّرون من كثرة الممنوعات والمحظورات ومن قلّة المباحات! 

وهؤلاء بات الفراغ الروحي حالهم، وبعض الأمور الدينيّة مشكلتهم، والأسئلة الكثيرة حول الوجود تشغل بالهم...  ولكن يا ترى ما هي الأسباب التي أدّت إلى وجود هذه الظاهرة وتفشيها بين أبنائنا؟


إن الأسباب كثيرة، نذكر منها:
1ـ المغريات الدنيويّة السّهلة المنال، والتي بدّلت الأولويّات.
2ـ الأجهزة الإعلاميّة التي تبالغ في إثارة الجيل الطالع.
3ـ سيطرة المعايير الغربيّة على أذهانهم؛ فصارت بعض المظاهر المحرّمة بالمعيار الشرعي حلالاً عندهم.
4ـ غياب التوجيه والإرشاد، وافتقاد القدوة الصالحة.
5ـ تلقين المعاني والأفكار الدينيّة بشكل منحرف مغاير لحقيقتها؛ ما يؤدي ببعضهم إلى الازدراء بقيم وطقوس دينية عديدة.
6ـ من الأسباب أيضاً عدم الإجابة عن التساؤلات التي تجول في أذهانهم والتي لا يجدون لها أجوبة شافية؛ فتظل نفوسهم حائرةً وقلقة.

هذه العوامل وغيرها لها أثرها البالغ في تدنّي المستوى الرُّوحي لدى شبابنا. فعلينا الاهتمام بتربيتهم وتنشئتهم؛ لأنهم بحاجة إلى العطف والحنان والرعاية والاهتمام، وخاصة أن هناك حرباً تُشنُّ عليهم أخطر من الحروب العسكريّة، إنها حرب القيم والمبادئ، ما يوجب علينا حمايتهم والمحافظة عليهم.

* أيها المربّون الكرام
إنَّ التربيّة والإرشاد والتوجيه الديني من المسؤوليّات الكبرى التي أوجبها الإسلام علينا جميعاً. فالله تعالى قال في كتابه الكريم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَة (التحريم: 6).  لذا ينبغي البدء بتربية أبنائنا منذ الصغر؛ على الأحكام الشرعيّة وعلى أركان الدين، كذلك لا بدّ من تزويد قلوبهم بمداد التقوى كي لا يواجهوا أية مشكلة في مرحلة التكليف، وخاصّةً أن المراهقة هي مرحلة الشباب المتدفّق والعنفوان، ومرحلة التطوّرات السريعة التي تطرأ على كيان المراهق كلّه جسدياً ونفسيّاً وعقليّاً وفكريّاً، وما يرافق ذلك من يقظةٍ دينيّةٍ يهتمّ لها المراهق، فيفكر فيما وراء الطبيعة الماديّة، وما قبل الولادة وما بعد الموت. لذلك يجب استغلال هذه الفترة، والاهتمام برعايتهم وحمايتهم من كل سوء، والابتعاد عن السطحيّة والضحالة في تقديم الأفكار الدينيّة الصحيحة لهم، وتوسيع ثقافتهم الدينيّة حتى تنهض بمستواهم الروحي وتربط أرواحهم بخالقها، بحيث تقوم العلاقة معهم على أساس الحبّ والرّحمة، وليس على أساس التسلّط والقهر. وكذلك ينبغي للمربين الكرام ترغيبهم في المحافظة على أداء الشعائر الدينيّة من صلاة وصوم وارتداء اللباس الشرعي.. 

 ولكن الأهم هو الأسلوب المُتبَّع معهم والذي ينبغي أن يكون لطيفاً ومحبّباً، كما قال الله تعالى لرسوله صلى الله عليه وآله: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ (آل عمران: 159). أما الأهم على الإطلاق فهو العمل على تحبيبهم بربهم من خلال تذكيرهم دائماً بنعمه التي لا تُعدّ ولا تُحصى، وتذكيرهم دائماً بأن الحبّ الحقيقي لا يتحقّق إلا بطاعة المحبوب، وتربيتهم على تقوى الله في السرِّ والعلن، وعلى استذكار هادم اللذات، وتحذيرهم من العقاب الأليم إن خالفوا أوامر الباري، وعلينا أن لا ننسى ترغيبهم في حضور مجالس العلم والدعاء والعزاء التي تجلي القلوب...  وعليهم أن يعلموا ويدركوا أن المباحات في الإسلام هي أكثر من محرّماته، فلا ينبغي أن يشعروا بالاختناق. وما يؤدي دوراً مهماً هنا هو بناء الثقة معهم وإقناعهم بفوائد الدين وآثاره الايجابية عليهم، كالصلاة مثلاً، التي هي عدا عن كونها عمود الدين وتقوّي الصلة برب العالمين فإنها أول شيء يُسأل عنه الإنسان يوم القيامة، وهي أيضاً حاجة إنسانية، وراحةٌ نفسية، وتركها يؤدي إلى الفراغ الروحي والجنوح نحو الذنوب، فضلاً عن العذاب الأليم، كما قال الله تعالى حكايةً عن بعض أهل النار: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ * قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (المدثر: 42-43).

وعلينا أن لا نغفل عن أهمية القلب المنشرح الذي يفتح لهم باب المناقشة الهادئة الواعية الدقيقة، فلا نتضايق أو نتبرم بمناقشتهم وأسئلتهم؛ لأنهم يميلون في هذه المرحلة إلى مناقشة كل فكرة تُعرض عليهم. فهم ما عادوا أطفالاً يأخذون كل شيء بالتسليم المطلق. ولا ينبغي أن نتجاهل الإجابة عن تساؤلاتهم المتعلقة بوجود الله تعالى وعدله، وعن كل ما يتعلق بعالم الآخرة بأدلة مقنعة تركن إليها نفوسهم، وإن كان هذا لا ينفي أن نزرع فـي عقولهم فكرة التسليم المطلق لله تعالى والانقياد لأوامره وأحكامه؛ لأنه سبحانه وتعالى عادل حكيم، وما شرّع شـرعته إلا لمصلحة لنا، وإن عجزت عقولنا عن إدراكها أحياناً كثيرة؛ لأن الله تعالى قد قال: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلاَ قَلِيلاً (الإسراء: 85).

 إن شباب اليوم بحاجة إلى توجيهٍ واعٍ ٍفي اختيار الرفقاء الصالحين، لأنهم يتأثرون برفاقهم أكثر مما قد يتأثرون بأهلهم أو بمدرّسيهم. كما لا بدّ من تنويع الخطاب الدّيني معهم، سواء بطريقة غير مباشرة أو من خلال الإيحاء. فالمراهقون حساسون تجاه الوعظ المباشر. من هنا يجب العمل على تنمية جوانبهم الروحية والدينية من خلال ربطهم بالقدوة الحسنة كالأنبياء والأئمة عليهم السلام وأصحابهم الأخيار المنتجبين والأولياء الصالحين، واصطحابهم إلى المساجد للصلاة، وتعويدهم على ارتيادها وتأدية الصلاة في أول وقتها. ولا ننسى هنا ضرورة تشجيعهم على قراءة الكتب الدينيّة المشوّقة، وخصوصاً كتاب الله تعالى. كذلك للمدرسة دور هام في تنشئتهم وتربيتهم. وربط أعمالهم التي يقومون بها برضا الله أو غضبه؛ ليكون الله محوراً رئيساً في حياتهم، ويدركوا أن مصلحتهم الشخصية هي في تنفيذ الأوامر الإلهيّة والانتهاء عن معاصيه لشأن يتعلّق بحياتهم ومستقبلهم وآخرتهم.  ومن جهة أخرى من الضروري توعيتهم إلى الابتعاد عن سيطرة إبليس اللعين عليهم بالتعوّذ الدّائم منه؛ لأنه يحضر بأشكال وطرق مختلفة لتحرفهم عن مصلحتهم وسعادتهم، كما قال الله تعالى: ﴿يَا بَنِي آدَمَ لاَ يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لاَ تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاء لِلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ (الأعراف: 27). ويكون ذلك من خلال ملء أوقات فراغهم بأعمال نافعة ومحببة لديهم لتصرف طاقاتهم بشكل إيجابي وهادف.

* وفي ختام الكلام
إن مسؤوليتنا كبيرة تجاه أولادنا، ولا سمح الله، إن أهملنا تربيتهم فالعاقبة ستكون وخيمة، كما رُوي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه نظر إلى بعض الأطفال فقال: "ويل لأولاد آخر الزمان من آبائهم! فقيل: يا رسول الله من آبائهم المشركين؟ فقال: لا، من آبائهم المؤمنين لا يعلّمونهم شيئاً من الفرائض، وإذا تعلموا أولادهم منعوهم ورضوا عنهم بعرض يسير من الدنيا، فأنا منهم بريء وهم مني براء" (1).


(1) مستدرك الوسائل، الميرزا النوري، ج 15، ص 164.

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليقاً جديداً

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع