نور روح الله: وصاياهم تهزّ الإنسان مع الإمام الخامنئي: أدب الجبهة: إرث الشهداء(*) المودّة العشقيّة للإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه من القلب إلى كل القلوب: لو لم نَقُم بتكليفنا! قصة: عندما ألقى اللهُ الليرةَ(*) تربية: وصايا الشهداء: فرصة تربويّة حروفهم: بصمة المقاومة على التاريخ إنّها وصايا الشهداء قرى صامدة النتائج الدنيويّة لخذلان الإمام الحسين عليه السلام

من القلب إلى كل القلوب: لو لم نَقُم بتكليفنا!


سماحة السيّد حسن نصر الله (حفظه الله)


من يقرأ التاريخ منذ 1400 سنة وما قبلها وما بعدها، ويطالع الأحداث المعاصرة اليوم، يصل إلى نتيجة واحدة؛ وهي أنّ الالتزام بالتكليف الإلهيّ بأبعاده المختلفة يعود بالخير على الملتزمين به، وأن للتخلّف عن أدائه سلبياتٍ ومخاطرَ ومفاسدَ في الدنيا، وعذاباً شديداً في الآخرة. وقد ذكرنا في العددين السابقين أنّ الذين بخلوا بأولادهم على الإمام الحسين عليه السلام في المدينة المنورة ذبحهم يزيد، والذين بخلوا عليه عليه السلام ببعض مالهم، سُلبت كلّ أموالهم. في هذه المقالة، نطلّ على المعادلة نفسها، لكن من واقعنا المعاصر.


* الظرف المُعاصر: الاحتلال الأجنبيّ
يُشكّل وعد بلفور وما تلاه من أحداث، تجسيداً عمليّاً للقيام بالتكليف من عدمه. فبعد الحرب العالمية الأولى، جاء الإنكليز وسيطروا على فلسطين، وقسّموا المنطقة مع الفرنسيّين، ووعدوا اليهود بأن يعطوهم فلسطين ليقيموا عليها دولتهم القوميّة. وبدأ جلب اليهود من كلّ أنحاء العالم إلى فلسطين، وبدأ تشكيل المنظّمات والعصابات والسيطرة على القرى، واحتلال المزارع... ذلك كلّه أمام نظر العالمَين العربيّ والإسلاميّ.فالعرب كانوا قد فرغوا للتوّ من معاركهم مع الدولة العثمانيّة، وكانوا يريدون إقامة وطن عربيّ.
وانطلت حيلة الإنكليز على كبار السياسيّين العرب، مثل الشريف حسين في مكّة، ولذلك ذهب بعضهم، بشكل أو بآخر، وقاتل في الجبهة المقابلة، ومكّن الإنكليز من السيطرة على بلادنا.

* المرجعيّة الرشيدة
هذا، في الوقت الذي يسجّل التاريخ فيه موقفاً واعياً عظيماً وكبيراً للمرجعيّة الدينيّة في النجف الأشرف وفي كربلاء المقدّسة، التي طالبت بالقتال إلى جانب الدولة العثمانيّة، مع كلّ ظلمها واضطهادها؛ لأنّ المرجعيّة أدركت مخاطر الاحتلال وسيطرة المشروع الاستعماريّ الكبير. لكن الأمّة -وقتها- كانت غافلة عن ذلك. وكذلك في لبنان؛ إذ كانت هناك غدّة سرطانيّة، ووحش يتأسّس في جوار اللبنانيّين في فلسطين، وكان اللبنانيون منقسمين، بعضهم يريد أن يبقى لبنان مع الوطن القومي العربي، وآخرون يريدونه وطناً مستقلّاً.

* العرب وصمتُهم المشؤوم
في هذه الظروف، أدّت فئة قليلة مسؤوليّتها، أما غالبيّة الأمّة فلم تتحمل المسؤوليّة، فكانت النتيجة قيام "دولة إسرائيل".
"إسرائيل" هذه يعاني منها الشعب الفلسطيني أوّلاً، ويليه الشعب اللبناني، ثمّ شعوب المنطقة. وهي التي تهدّد كلّ يوم بشنّ الحروب وارتكاب المجازر والتدمير، حتّى وصلت الأمور إلى أنّها باتت -تحت أعين العرب والمسلمين- تملك أسلحة نوويّة، وهذا لا يتيسّر بمدّة وجيزة.

* اجتياح 1982م وانقلاب المشهد
كان احتلال 1967م، وبعده اجتياح 1982م، فكانت بداية انقلاب المشهد.
في العام 1982م قامت في لبنان، هذا البلد الضعيف والممزّق وقتها، حركات مقاوِمة عدّة إلى أن أصبح حزب الله -في نهاية المطاف- القوّة الأساسيّة في حركة المقاومة في لبنان، التي كانت ولا تزال تجسيداً للتكليف الإلهيّ الشرعيّ، الذي يحقّق المصلحة، سواء الوطنيّة أو العربية أو مصلحة الأمّة. قامت هذه المقاومة وواجهت التحديات. وبعد سنوات من الجهاد وتقديم الشهداء والتضحيات، طردت "العدوّ الإسرائيليّ" من لبنان، وأسقطت مشروعه فيه، بل أسقطت مشروع "إسرائيل الكبرى" في المنطقة.

* ماذا لو لم نقم بتكليفنا؟
السؤال الذي يطرح نفسه هنا: ماذا لو أنّ هؤلاء المقاومين لم يقوموا بتكليفهم؟ ماذا كان مصير لبنان؟
من الواضح أنّه لو لم يقم المقاومون بتكليفهم، لكان لبنان الآن تحت سيطرة "إسرائيل"، ومستعمراتها قائمةً فيه اليوم، ولكان النفط والغاز قد سُرقا، ولكان جزءٌ كبيرٌ من الشعب اللبناني يعيش في مخيمات اللاجئين، ولكانت السجون "الإسرائيليّة" في لبنان تعجّ بآلاف الشباب اللبنانيّين، ولكان الشعب يعيش الذلّ والهوان في ظلّ الاحتلال.

* قُم ولو كنتَ وحدك
كان لسان الحقّ ينطق بوجوب مقاومة الاحتلال وعدم جواز السكوت عنه، بل وعدم انتظار أحد في العالم ليقاتل إلى جانبنا. هذا الحقُّ الذي كان يدعو إليه الإمام الخميني قدس سره بقوله: "عليكم أن تبدأوا من الصفر، والنصر معقودٌ في نواصيكم".

* البصيرة سبيل النجاة
الأحداث التي تجري حولنا منذ العام 2011م وإلى الآن تحتاج إلى بصيرةٍ ووضوحٍ في الرؤية، وإلى وعيٍ تاريخي، وقراءةٍ دقيقةٍ للأحداث، وإلّا فمن الممكن أن يلتبس الموقف على الكثيرين. ولمّا كنّا أصحاب بصيرة ووعي لم نشتبه في اتخاذ الموقف المناسب. ولذا، كان تشخيصنا منذ البداية أنّ منطقتنا أمام هجمة تكفيريّة يمثّلها تنظيم القاعدة وجبهة النصرة، وما كان يسمّى الدولة الإسلاميّة في العراق والشام "داعش"، التي أعلنت الخلافة فيما بعد.
وبناءً عليه، جيء بمئات آلاف المقاتلين التكفيريّين العقيديّين من شتّى أنحاء العالم إلى سوريا والعراق، وقدِّمت لهم تسهيلات هائلة ليَقتلوا أو يُقتَلوا في هذين البلدين، حيث لم يعد بمقدورهم العودة إلى بلادهم بعد تجريدهم من جوازات سفرهم وحرقها.
ربّما التبس الأمر على بعض هؤلاء التكفيريّين، ولكن الحقيقة بدأت بالوضوح والظهور شيئاً فشيئاً. وها هو الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب، يصرّح على مدى عام بأنّ "داعش" صنيعة الولايات المتحدة الأميركيّة. وكما صنعت الولايات المتحدة "تنظيم القاعدة" من قبل، دعمت هذه الجماعات بالمال والسلاح، وأوعزت إلى حلفائها كلّهم في المنطقة بأن يقدّموا لها أشكال الدعم كافّة.
فلو لم يبادر الناس إلى الوقوف في وجه هذه الهجمة الإرهابيّة التكفيريّة، ما كان مصير المنطقة اليوم؟ ما مصير كلّ من سوريا والعراق وإيران، بل حتى دول الخليج التي دعمت تلك الجماعات؟ لقد وقفت أميركا و"إسرائيل" بلا تردد، وبشكل علنيّ، إلى جانب هذه الجماعات، منذ الأيّام الأولى للأحداث في سوريا.

* التكليف: وفاءٌ واجب
إنّ تحديد التكليف وتشخيصه والالتزام به لا تأتي إلّا بعد قراءة الأحداث ومقارنة المصالح والمفاسد وإجراء ضوابط وآليّات عدّة، لا كيفما كان. وعليه، بعد أن يُحدَّد التكليف يكون من الواجب الوفاء به، سواء سمّيناه تكليفاً وطنيّاً أو واجباً شرعيّاً أو إنسانيّاً أو أخلاقيّاً. والواجب اليوم هو الوقوف في وجه هذه الهجمة الإرهابيّة التكفيريّة التي تريد أن تدمّر المنطقة.

* نتيجة العمل بالتكليف
وفي العراق، عندما سيطرت "داعش" على عدد كبير من المحافظات العراقيّة، اتسمت تلك المرحلة بالانهيار النفسيّ والمعنويّ والسياسيّ، والحَيرة والضياع والارتباك في الخيارات، كان موقف المرجعيّة الدينيّة المتمثّلة بسماحة آية الله العظمى السيّد السيستانيّ دام ظله واضحاً، وكان التكليف: واجبكم أن تجاهدوا وأن تدافعوا، وأن تقاتلوا، وأن تصمدوا، وأن تبقوا في هذه الأرض.
هذه الفتوى كانت خطوة تاريخيّة عظيمة جدّاً. ولو لم يقبل العراقيّون تلك الفتوى ولم يعملوا بها، لكانت "داعش" أكملت توسُّعها إلى كربلاء والنجف وبغداد والبصرة، والكويت والسعوديّة.
اليوم نرى أنّ إنجاز العراق، الذي أصبح على مشارف الانتهاء من المعركة مع "داعش"، قد جاء ببركة نصرة الحقّ، والالتزام بالحقّ.

* الاستنتاج: لو لم ننصر الحقّ
إذاً، يجب على الناس أن يكونوا دائماً على بصيرة ووعي ومتابعة وفهم للأحداث، وألّا يتخلّفوا عن نصرة الحقّ خوفاً أو طمعاً. فاليوم، لو لم يرسل الناس أولادهم للقتال وبخلوا بهم، لذُبح الجميع، ولو بخلوا بأموالهم لنُهب كلّ مالهم، ولو لم يتحمّلوا ويصبروا لسُبيت الأعراض. أليست هذه هي الحقيقة؟
اليوم، بفضل هذا الالتزام بالتكليف، وهذا الولاء، وهذا الوفاء، وهذه التضحيات وهذه الدماء، بقي الإسلام، وبقيت العتبات المقدسة والمراقد الشريفة، والحوزات العلمية، والجامعات والمدارس والمجتمعات، وبقي التنوُّع في مجتمعاتنا بين المسلمين والمسيحيين والسنة والشيعة وأتباع الطوائف والديانات المختلفة، وذلك كلّه بفضل الالتزام بهذا التكليف، بينما لو تخلّفنا لكان المشهد مختلفاً.


(*) تتمّة كلمة الليلة الثالثة من محرّم 1439هـ الموافق 23 أيلول 2017م.

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليق جديد

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع