الأبناء ضحايا الطلاق من القلب إلى كلّ القلوب: فمن زحزح عن النار(*) تسابيح جراح: بلسم جـــراحــي(*) مكافأة ماليّة لمن ينجب مولوداً ذكراً! لماذا لا يسمنون؟ رحلات سياحيّة إلى الفضاء خطوات لطفلك على طريق القناعة بساطة العيش في سيرة العلماء شعاع المحبّة رحل العالِم المربّي

خطّ الإمام: التكليف الشّرعي


من الأفكار الجوهرية والأساسية في فكر الإمام الخميني قدس سره. فكرة أداء التكليف الشرعي، لذا سنلقي الضوء على هذا الموضوع في ما يلي:

* أداء التكليف الإلهي:
"عندما يرى الإنسان أنّ أحكام الإسلام في خطر فيجب عليه أن يثور لله فإذا استطاع فإنّه يكون قد عمل بوظيفته ويكون قد أحرز تقدماً، وإذا لم يستطع فإنّه يكون على الأقل قد عمل بتكليفه الشرعي".
على ضوء هذا الكلام الذي تقدّم، تبرز الفكرة الأولى التي تتعلّق بموضوع التكليف الشرعي – وهو عبارة عن الواجب الإلهي المفروض على إنسان أو أمّة ما – ومفادها أنّ على الإنسان أن يسعى لأداء تكليفه الشرعي بغضّ النظر عن النتائج التي تتحقّق من ورائه. فالمهم أن يؤدّي الإنسان هذا التكليف سواء أدّى إلى النصر أم إلى الشهادة.
 

وميزة هذه الفكرة في فكر الإمام الخميني قدس سره هو أنّ نفس هذه الفكرة ليست واضحة – بل وقلقة – عند بعض المفكرين والعلماء، الذي يترك آثاراً سلبية على طريقة تفكيرهم وسلوكهم. وفكرة أداء التكليف من الأفكار التي رافقت الإمام قبل الثورة وبعدها، وزمن الحرب وبعد انتهائها، وهي مرتكزة على أساس تقديم مصلحة الإسلام العليا، مهما ترتّب على ذلك من نتائج. وها هو الإمام يصرّح بهذه الحقيقة فيقول:
"يجب أن لا نخاف من الحرب والإرعاب أبداً لماذا نخاف؟ نحن مكلّفون ونعمل بتكليفنا ونحن محقّون. عندما نكون محقّين فلماذا نخاف؟ إنّها تلك الكلمة التي قالها علي بن الحسين لوالده بعدما قال له سوف تقتلون قال: ألسنا مع الحق؟ قال: نعم نحن على الحق، قال: إذاً لماذا نخاف؟ لم يعد عندنا خوف".

* نماذج من أداء التكليف الإلهي عند الإمام قدس سره:
أ‌- الموقف من الشيخ منتظري:
قبل أن يتخذ الإمام الراحل قراراص بعزل الشيخ منتظري، كان قد حاول مرات عديدة إصلاح مسار الشيخ ولم يفلح في ذلك، إلى أن تعرّض الشيخ في بيان له إلى ما يجري على الساحة الإيرانية بطريقة سلبية مدافعاً فيه عن الذين أساؤوا إلى الثورة ورموزها قائلاً: "ماذا نقول للتاريخ؟" فما كان من الإمام إلاّ أن أصدر بياناً في اليوم التالي قائلاً فيه: "إنّ هذا المنطق ليس منطقنا، إن منطقنا ماذا نقول لله يوم القيامة".

 ومن جملة ما قال له: "أنت تدافع عن بعض السجناء نتيجة عاطفة معيّنة أو بساطة موجودة عندك، وأطلقت سراحهم من خلال لجنة العفو التي شكلتها، ولكن اعلم بأنّ هؤلاء الذين أطلقت سراحهم قد زادوا في عدد لوائح الشهداء والأيتام والأرامل في إيران".
 

ب‌- الموقف من القرار 598:
اعتبرت موافقة الإمام الراحل على القرار 598 المتعلّق بوقف الحرب العراقية الإيرانية صدمة للشعب والأمة، لا سيما أنّ الإمام قدس سره، وقبل أسبوع من موافقته على هذا القرار كان يقول: "إن الحرب يجب أن تستمر" فما الذي حصل؟ فمن المعروف أنّ للإمام رؤية واضحة وثابتة لا تتبدّل لا سيما في أيام قلائل، ولذا نرى الإمام في البيان الذي وجّهه للأمة حين قبول القرار يقول: "صحيح أنّني كنت قبل أيام أقول لكم إنّ الحرب يجب أن تستمر ولكن أنا مستعد وحاضر أن أبذل ماء وجهي في سبيل مصلحة الإسلام، وأن تجرّع السم أهون عندي من الموافقة على مثل هذا القرار، لكن هذا تكليفي وهذه مصلحة الإسلام، وأمام هذه المصلحة لا يبقى لنا قيمة كأشخاص على الإطلاق وأنا راضٍ بقضاء الله سبحانه وتعالى".
 

من هنا، فإنّ الاعتبارات الشخصية والسياسية غير ذات قيمة أمام التكليف الشرعي، حيث كان يتخذ قراراته ومواقفه بشجاعة وجرأة عالية جداً.

* أداء التكليف الشرعي توفيق إلهي:
يقول سماحة ولي أمر المسلمين حول هذا الموضوع: "لم يتردّد الإمام الجليل لحظة واحدة في السير في طريق الله، ولم يدّخر ذرّة واحدة ممّا في وسعه دون أن يستفيد منها في طيّ هذا الطريق، وظلّ مثابراً – بكلّ ما أوتي من طاقة وفي كل آن من آنات حياته – في السعي الحثيث لبلوغ ذلك الهدف السامي والمقدّس. وقد أعانه الله على ذلك".
 

يرى الإمام أنّ أداء التكليف الشرعي هو توفيق وتسديد من الله سبحانه، فإذا أراد بعبدٍ خيراً وفقه لأداء هذه التكاليف وتبرز هنا فكرة مهمة تطرح تساؤلاً مفاده أنّه من الذي يحدّد التكليف؟ من الذي يستطيع أن يقول لي أن تكليفك هو القيام بالعمل الفلاني أو العمل الفلاني؟ هذا ما ستجيب عليه الفقرة التالية.

* مصدر تحديد التكليف:
ليس بمقدوري أو بمقدورك أن نحدّد التكليف الإلهي، انطلاقاً من قناعات شخصية وتقييمات ذاتية خاص، بل توجد مرجعية محدّدة هي المعنية بتحديده وأعني بها "ولاية الفقيه". وعلى الأمة أن تتعبّد بآداء، ما يصد عن هذه الجهة المخوّلة لما لذلك من آثار معنوية سواء أدركنا المصالح أم لم ندركها.
 

فالله سبحانه وتعالى حيث شرع الأحكام، وضعها لما فيه مصلحة العباد لا مصلحته هو، لأنّه لا يعقل أن تكون لله تعالى فوائد تعود عليه من وراء تلك الأحكام، كما ورد في مضمون كلام الأمير  أنّ الله حين خلق الخلق خلقهم غنياً عن طاعتهم آمناً من معصيتهم.. وعليه، فالأحكام الشرعية مبنية على أساس المصالح والمفاسد سواء ذلك في الواجب أو الحرام أو المستحب أو المكروه أو المباح.
فلو أمر المولى عزّ وجل أن نصلّي المغرب ثلاث ركعات، فإنّنا عرفنا المصلحة في ذلك أم لم نعرفها، تكون بطاعتها المصلحة، وهكذا في سائر التكليف.

* المسؤولية والحساب:

من الواضح عندنا في الروايات والأحاديث أنّ الله تعالى لا يسألنا عن نتائج أعمالها يوم القيامة وإنّما يسألنا عن أعمالنا. فالله سبحانه وتعالى لن يسأل الإمام الحسين عليه السلام لأنّه لم يتمكّن من إقامة الحكومة الإسلامية واستشهد هو وأصحابه في كربلاء، وإنّما سيسأله عن التكليف الذي كان ملقى على عاتقه، هل أدّاه أم لا؟ فلا بدّ إذاً من أن نفرّق بين التكليف الذي سوف نسأل عنه وبين نتائجه.
 

فكرة التوكّل تعتبر من الأفكار الأساسية التي تبرز في بيانات الإمام وخطبه، وكذلك في كتبه الأخلاقية، لا سيّما كتاب "الأربعون حديثاً"، فما معنى هذا المفهوم؟ للإجابة على هذا التساؤل نقدّم بالمقدمة التالية:
نحن نعلم أنّ الله تعالى خلق الإنسان وسائر الكائنات الأخرى، وجعل لهذا الكون نظاماً وسنناً قائمة على أساس الأسباب والمسبّبات، مثل الماء الذي يتجمّد على حرارة معيّنة ويغلي على درجة معيّنة، وهذه السنن حاكمة أيضاً على حركة الشعوب والأمم بحيث نرى الإنسان في تعاطيه مع الطبيعة أو التاريخ محكوماً لها ولا يستطيع أن يتجاوزها.

وقد نشأ من هذا الأمر إشكال مفاده: هل إنّ الله سبحانه محكوم أيضاً وغير قادر على تجاوزها؟ وعند الجواب عن هذا السؤال يأتي بحث الجبر والتفويض حيث يقول البعض إنّ الله تعالى بعد أن خلق الكون فوّض الأمر إلى الأئمةعليهم الصلاة و السلام والبعض يقول إلى الملائكة، وتعتبر المفوّضة أنّ الله تعالى بتفويضه الأمور لم يعد له تدخل فيها، وبتعبير آخر إنّ الله عاجز وغير قادر. هذا في اللغة القديمة، أمّا في اللغة الجديدة فيعتبرون أنّ الله تعالى بعد أن وضع السنن والقوانين لهذا الكون أصبحت هي الحاكمة وبات هو غير قادر على تجاوزها. ومن هنا قالت اليهود "يد الله مغلولة" أي لا يستطيع أن يتجاوز هذه السنن والقوانين ولذا فقد يكون البعض منّا يهودياً بتعاطيه إذا لم يرَ من هذا الكون إلاّ السنن والقوانين فقط.

* نماذج من الاستثناءات للسنن والقوانين الطبيعية:
إذا كان الكون يسير وفق السنن والقوانين الطبيعية على أساس من الحكمة التي أرادها الله سبحانه وتعالى، فهذا لا يعني عدم وجود استثناءات تخرق هذه القوانين والسنن، وذلك تبعاً لإرادة الله تعالى وحكمته. فالقانون الطبيعي لا يقول أنّ النار يمكن أن تكون برداً وسلاماً، أو أن العصا تتحوّل إلى أفعى،

ولا إنّ الشجرة تمشي ولا يمكن أن نعدّ هذه الاستثناءات خرقاً للقانون الحاكم، وإنّما ما نسميه استثناءات هو سنة وقانون طبيعي أيضاً بالنظر إلى مفهوم وقانون طبيعي أيضاً بالنظر إلى مفهوم المدد والعناية الإلهيين وما قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ، إلاّ تأكيد وتثبيت لهذا المفهوم، فالإنسان الذي يتصور ولو للحظة بأنّ عملاً ما أو أمراً ما معزول عن المشيئة الإلهية هو إنسان غير موحد بالتوحيد الحقيقي لله سبحانه وتعالى.
معنى "لا جبر ولا تفويض ولكن أمر بين أمرين".
 

على ضوء ما تقدّم نرى أنّ هناك قوانين طبيعية يكون الإنسان مجبوراً عليها كعملية التنفس، ونبضات القلب مثلاً، وهناك مسائل يكون الإنسان فيها حراً وذلك بعلم الله وإرادته وحكمته. فإذا سلمنا بكلّ ذلك يأتي الكلام عن مفهوم التوكّل على الله تعالى الذي أشرنا إليه.

* معنى التوكل

للتوكل على الله سبحانه شأنان: عملي ونفسي:
 

أ‌- الشأن العملي: وهو أن أقوم بكلّ الأعمال التي أستطيع القيام بها من أجل إنجاز عمل ما. فلو أردت القيام بعملية عسكرية مثلاً، فلا بدّ أن أعدّ العدّة لذلك، وأضع في حساباتي نجاح العملية إلى حدّ ما، بحيث استنفد كلّ إمكانياتي المادية وغيرها،

لتحقيق نسبة عالية من نجاح هذه العملية أو تلك، ولو قمت بتلك العملية مثلاً دون استطلاع فإنّ عملي ذلك يكون فاقداً للتوكل، لعدم استيفائنا للمقدمات ولو استوفيناها لأمكن الادعاء بأنّنا توكلنا على الله، ويمكننا أن نطلب منه النصر والتوفيق والتشديد وإلقاء الطمأنينة في قلوبنا والرعب في قلوب أعدائنا. وهذا يعني أنّ التوكّل يتنافى مع التواكل والفوضى والضعف.
فالتوكل إذاً هو بذل أقصى الجهد ضمن قدرات الإنسان المادية ثمّ التوجّه إليه روحياً لاستكمال عوامل النصر والقوة على قاعدة "وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة".
 

ب‌- الشأن النفسي:
من مستلزمات التوكل على الله سبحانه، التسليم والرضا بأمره فالإمام عندما قبل بالقرار 598، ماذا قال؟
قال: "راضٍ برضى الله عزّ وجل".
فالنتيجة غير مهمة ما دام قد أدّى التكليف الإلهي وفوّض أمره إلى الله تعالى، فإن كانت نصراً فهذه نعمة وإن كانت شهادة فتلك نعمة أكبر.
يقول الإمام الخميني قدس سره في هذا المجال: "ليس هناك هزيمة أبداً لجيش الإسلام، فالشهادة ليست هزيمة وكذلك النصر ليس هزيمة، أنتم أما منتصرون وأمّا مستشهدون، وفي كلتا الحالتين النصر لنا"...
فالنصر والهزيمة عند أولياء الله متساويان لأن الأساس والمعيار أداء التكليف، والفرح والسعادة لأدائنا إيّاه.

* خاتمة المطاف:
في خاتمة المطاف، نقول: نحن بحاجة – لاسيّما في المرحلة المقبلة – إلى روحية أداء التكليف وإلى روحية التوكّل على الله تعالى والتسليم لأمره، حتّى لا نسقط أمام بعض الهزّات والزلازل، وعلينا أن نعلم بأنّ الله سبحانه يرعى الثورة الإسلامية في لبنان، ومخطئ من يظنّ أن لا مدد إلهياً لهذه الثورة.

 

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليق جديد

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع