نور روح الله: وصاياهم تهزّ الإنسان مع الإمام الخامنئي: أدب الجبهة: إرث الشهداء(*) المودّة العشقيّة للإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه من القلب إلى كل القلوب: لو لم نَقُم بتكليفنا! قصة: عندما ألقى اللهُ الليرةَ(*) تربية: وصايا الشهداء: فرصة تربويّة حروفهم: بصمة المقاومة على التاريخ إنّها وصايا الشهداء قرى صامدة النتائج الدنيويّة لخذلان الإمام الحسين عليه السلام

نور روح الله: اللهمّ أخرج حبّ الدنيا من قلبي (*)




لمّا كانت قلوبنا مختلطة بحبّ الدنيا، وليس لها مقصد ولا مقصود غير تعميرها، فلا محالة أنّ هذا الحبّ مانع من حضور القلب في محضر الصلاة القدسيّ. وعلاج هذا المرض المهلك والفساد المبيد في أمرين: العلم والعمل النافعان.


* العلاج الأول: العلم النافع
إنّ العلم النافع الذي يمثّل علاجاً لهذا المرض؛ هو التفكّر في ثمرات داء حبّ الدنيا ونتائجه، والمقايسة بينها وبين مضارّه ومهالكه الحاصلة منه. حينها يخرج المتفكّر بفوائد علميّة لينهض إدراكه بجلل ذاك المرض. من هذه الفوائد والمدارك أنه: رأس كل خطيئة.

ورد في الكافي عن أبي عبد الله عليه السلام قال: "رأس كل خطيئة حبّ الدنيا". والروايات بهذا المضمون كثيرة مع اختلاف في التعبير. ويكفي لهذه الخطيئة العظيمة المهلكة أنّها منبع لجميع الخطايا وأساس جميع المفاسد. فبقليل من التأمّل، يُعلم أنّ جميع المفاسد الخُلُقية والعمَليّة من ثمرات هذه الشجرة الخبيثة؛ فما أُسّس في العالم دينٌ كاذب ولا مذهبٌ باطل، وما عمّ في الدنيا فساد ولا قتلٌ ولا نهبٌ ولا ظلمٌ ولا تعدٍّ إلا نتائج لهذه الخطيئة، وإنّ البغض والحقد والجَوْر وقطع الرحم والنفاق وسائر الأخلاق الفاسدة وليدة أمّ الأمراض هذه (حبّ الدينا).

وفي مصباح الشريعة ورد عن الإمام الصادق عليه السلام: "الدنيا بمنزلة صورة رأسها الكِبَر، وعينها الحرص، وأذنها الطمع، ولسانها الرياء، ويدها الشهوة، ورجلها العجب، وقلبها الغفلة، وكونها الفناء، وحاصلها الزوال. فمن أحبّها أورثته الكبر، ومن استحسنها أورثته الحرص، ومن طلبها أوردته إلى الطمع، ومن مدحها ألبسته الرياء، ومن أرادها مكّنته من العجب، ومن اطمأنّ إليها أولته الغفلة ومن أعجبته متاعها أفنته، ومن جمعها وبخل بها ردّته إلى مستقرها وهي النار".

* لا تجتمع الفضائل والمعارف مع حبّ الدنيا
بعد أن يُدرك المتأمل أنّ الدنيا أساس الرذائل، سيدرك في المقابل أنّ الشجاعة والعفّة والسخاء والعدالة التي هي مبدأ جميع الفضائل النفسانيّة، لا تجتمع مع حبّ الدنيا، وأنّ المعارف الإلهيّة والتوحيد في الأسماء والصفات والأفعال والذات الإلهية، وطلب الحقّ ورؤيته متضادّة مع حبّ الدنيا، وأنّ طمأنينة النفس وسكون الخاطر، واستراحة القلب التي هي روح السعادة في الدنيا، لا تجتمع مع حبّ الدنيا.
روى الديلمي(1) عن أمير المؤمنين عليه السلام، عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ممّا خاطب الله به نبيّه: "يا أحمد، لو صلّى العبد صلاة أهل السماء والأرض، وصام صيام أهل السماء والأرض، وطوى من الطعام مثل الملائكة، ولبس لباس العاري، ثم أرى في قلبه من حبّ الدنيا ذرّة أو سعتها أو رياستها أو حليتها أو زينتها، لا يجاورني في داري، ولأنزعنّ من قلبه محبّتي، ولأظلمنّ قلبه حتى ينساني ولا أذيقه حلاوة محبّتي".
والأحاديث في هذا الباب أكثر من أن تسعها هذه الأوراق. فإذا علم الإنسان العاقل المعتني بسعادته، أنّ حبّ الدنيا هو مبدأ ومنشأ جميع المفاسد، فعليه أنْ يخلع هذه الشجرة من جذورها من قلبه.

* العلاج الثاني: العمل النافع
أمّا طريق العلاج العمليّ:
1 - التصدق بالأحبّ على قلبه: فالعمل النافع أن يعامل المرض بالضدّ؛ فإذا كان تعلّقه بمال ومنال، فإنّه يقطع جذورهما من القلب ببسط اليد والصدقات الواجبة والمستحبّة. وإنّ من أسرار الصدقات تقليل العلاقة بالدنيا؛ ولهذا يُستحبّ أن يتصدّق بالشيء الأحب إلى القلب، كما قال الله تعالى في كتابه الكريم: ﴿لَن تَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ (آل عمران: 92).

2 - الزهد في الحظوظ الدنيوية: أن يزهد في تحصيلها بمعنى أن لا يتملكه همّها؛ فإنّ الدنيا كلّما اتّبعها أكثر وكان في صدد تحصيلها أكثر، تكون علاقته بها أقوى، ويكون أسفه على فقدانها أزيد، كما في الكافي الشريف عن باقر العلوم عليه السلام: "مَثَل الحريص على الدنيا مثل دودة القزّ، كلّما ازدادت من القزّ على نفسها لفّاً، كان أبعد لها من الخروج حتى تموت غمّاً". وروي عن الصادق عليه السلام أنّه قال: "مَثَل الدنيا كماء البحر، كلّما شرب منه العطشان ازداد عطشاً حتى يقتله" (2).

3- العزم لبّ الإنسانيّة: إنّ أول شرط للسلوك هو العزم، وبدونه لا يمكن أن يُسلك طريق ولا يُنال كمال، والشيخ الأجلّ الشاه آبادي، روحي فداه، كان يعبّر عنه بلبّ الإنسانية، بل إحدى الجهات المهمّة لتجنّب المشتهيات النفسانيّة، وللتقوى وللرياضات الشرعيّة والعبادات الإلهيّة، هي العزم وانقهار القوى الملكيّة تحت ملكوت النفس.

* لتخضع في صلاتك
فيا طالب الحقّ والسالك إلى الله، إذا طوّعت طائر الخيال وقيّدت شيطان الواهمة، وخلعت نعلَي حبّ النساء والأولاد وسائر الشؤون، واستأنست بجذوة العشق لفطرة الله، وقلت إنّي آنستُ ناراً، ووجدت نفسك خالياً من موانع السير، وهيّأت أسباب السفر، فقم من مكانك واهجر هذا البيت المظلم للطبيعة المادية، والمعبر الضيّق المظلم للدنيا، وانجُ بنفسك من هذا السجن، وحرّر طائر القدس إلى محفل الأنس في الصلاة.


(*) كتاب الآداب المعنوية للصلاة، الفصل (الثاني عشر).
1- هو أبو محمد الحسن ابن أبي الحسن محمد الديلمي الشيخ المحدّث الوجيه النبيه، صاحب كتاب إرشاد القلوب.
2- مفتاح السعادة في شرح نهج البلاغة، الخراساني، ج5، ص318.

 

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليق جديد

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع